الجمعة - 25 أيلول 2020
بيروت 27 °

صباح أحزاننا التي لا تثور... قومي يا بيروت

المصدر: النهار
ديانا سكيني
ديانا سكيني
صباح أحزاننا التي لا تثور... قومي يا بيروت
صباح أحزاننا التي لا تثور... قومي يا بيروت
A+ A-

المؤسسة العسكرية مصرّة في حديث مصادرِها أنها لم تطلب حذف جملة "تولد من رحم الأحزان" من قصيدة نزار قباني، والغاضبون من القمع المتمادي ماضون في يقينهم بأن ما جرى في حفل عيد الجيش لا يمكن أن يكون من مخيّلة فنان حصراً، طابَ له أن يعيد التوزيع و"المكسجة" وتقسيم أدوار الكورال. وبين الموقفين، معلومات متقاطعة عن تمنٍ وإيحاء وإشراف قد تكون لعبت دورها في إخراج نتيجة فنية مثّلت سقطة لحفل واكبته دعاية وتعبئة كبيرتان، وعُوّل عليه لاستنهاض همم وطنية تلاشت بفعل الأزمات واستعصاء ادارة الحكم وقلة رشد مديريه. \r\n

أسئلة كثيرة تطرح: هل إن الفنان ميشال فاضل لم يستدرك ردّ فعل منتظراً على قرار منتجة الأغنية؟ وما القيمة الجمالية الفنية المبتغاة من "اللا لا لا لا" البشعة؟ ولماذا اقتطاع جملة بالغة الدلالة وشديدة الالتصاق بما نعيشه اليوم، وبذاكرة محاولة خروج اللبنانيين ومدينتهم من الحروب المستمرة؟ ولماذا استفزاز ثورة جريحة تحاول التقاط الأنفاس؟ من اتخذّ القرار فعلاً؟ الفنان أم طرف من الجهة المشرفة يعوزه التقدير؟ \r\n

التناقض واقع ويستدلّ من لسان حال الفنان غسان صليبا الذي تحدّث لـ"النهار" أمس عن حذف طالَ أغنيته، وعن تأديته في الحفل نفسه مقاطع مجدّت الثوار ودانت المستكبرين الظالمين، وعن وجود تمنيّات إشرافية في البرمجة. من تحدثنا اليهم من المشاركين في العمل الفنّي قالوا: "نحن جنود ننفذّ ما يطلبه قائد العمل... كلّ ما جرى لا يمكن أن يؤثر على تقديرنا للجيش... إنه لبنان الذي يراه كلّ بطريقته...". أما لسان حال المؤسسة العسكرية فيتمسك بسؤال المحاججة الآتي: "لماذا نمنتج جملة ولا نطلب إلغاء أغنية كاملة؟".\r\n

في الواقع، لا يمكنُ الزعم أن الأمور حُمّلت أكثر مما تحتمل. كان الناشطون والغاضبون يملكون كلّ مبررات الشك بمحاولات مستمرة جارية لتضييق الخناق على الحريات، من الاستدعاءات وملاحقة "الستاتوسات"، وطلب التحقيق مع صحافيين أمام جهات غير محكمة المطبوعات، والاعتداء الجسدي على مصورين مؤخراً خلال تأدية مهمتهم، الى مشروع قانون إعلام يضع هيئة وصاية رسمية على النشر والناشرين، وغيرها. كل ذلك، جعلَ "الصوفة حمرا". \r\n

ما جرى في الحفل يتأرجح في الشكل بين فضيحة قمع وقلة دراية. السوشيل ميديا مسّها التطاول على القصيدة وأحزان الشعب وذاكرته، وفي وقت قصير تحوّلت القضية تراند. لكن في صباح الاثنين، يجوز السؤال: ماذا بعد؟ \r\n

جميلٌ أنه بقيَ فينا، رغم الانهيارات، من يهبّ وينتصر للمسّ بقيّمنا ووجداننا المثقَل بالأوجاع. الهبّة المجيدة لم تعِر اهتماماً لاحتمال النيات، ولا لقاعدة "إن بعض الظن إثم"، ولا لتبرير ونفي. وفي نتائجها، درسٌ لمن يخطط لتطاول مماثل مستقبلاً، وتأكيد مستوى حساسية عالٍ ليته ينسحب على باقي ما يُنتهك وما يصنع أحزان الشعب. \r\n

نحبّ الجيش. نصوّب على خطأ متى ما ارتكب. ننقل وجهة نظره. ندافع عن قيم أقسم جنوده الدفاع عنها. ندرك أن المرحلة صعبة. نقدّر أن في النظام المشوّه والتركيبة الطائفية السياسية القائمة والفوضى المتربصة، الجيش هو حاجة التسوية والتهدئة. الجيش الذي يعاني أفراده ما نعانيه من كوارث معيشية واجتماعية، فلا يأكلون اللحمة وتتحوّل رواتبهم الى فتات مخزٍ، ويتركون وحدهم في ساحات تبادل الرسائل السياسية بين "الميليشيات" في أحيان كثيرة. الجيش الذي يجب ألا يرضى بأن تُرتكب شناعات فنيّة باسمه، ولا ارتكابات مدانة أخرى تسجّلها تقارير المنظمات الدولية. \r\n

وبعد، تحيّة الى أحزان شعبٍ لا تثور اليوم. أحزان استفزتها 6 دولارات ضريبة على اتصالات "واتساب" شهرياً، وتسلّم بالسيطرة على جنى العمر في المصارف. تحيّة للخوف من كورونا، للخيبة، للتعب، للاستسلام للنظام وللزعماء والأتباع. \r\n

الشيء الوحيد المؤكد الآن هو جمالية الكبرياء العارم عبر "تويتر"، وعنفوان أداء نيكول حجل المقدمة الاخبارية المنتفضة، وتعصّب مقال عقل العويط في "النهار" نهراً للمتطاولين على القصائد ومعناها. \r\n

قومي يا بيروت.

@dianaskaini

[email protected]

الكلمات الدالة