الثلاثاء - 24 تشرين الثاني 2020
بيروت 22 °

إعلان

جوسلين خويري بين لبنانها ويسوعها: لماذا يا الله؟

المصدر: "النهار"
ريما فرح
جوسلين خويري بين لبنانها ويسوعها: لماذا يا الله؟
جوسلين خويري بين لبنانها ويسوعها: لماذا يا الله؟
A+ A-

حين تريد يبدو أنك تتركها، وها قد فعلتها من دون أي إشارة على مرادك. أيها الخالق وأنت سيد الجيوش السماوية، لأي مهمة كان استدعاؤك لمن لا تزال حاجة لأهل الأرض في البقعة التي تكرست على اسم والدة الإله؟ هل نفدت لديكم ذخيرة العطاء أم أننا من فصيلة بشرية حان استحقاق إضرامنا باللهب لتسحَب من بيننا مختارين مدعوين لعوننا في مسح الإثم الذي اقترفناه بعضنا بالبعض الآخر؟ سيدي أيها الآب الأزلي نحن في لبنان نحترق، إنه زمن النار وزمن انكسار القلوب، نسألك بحق مملكتك هل جاء اختطافكم للمرأة التي استلّت سلاح الشجاعة والإنسانية والتواضع والمحبة والخير والرجاء، لتنأى بها عن سقطاتنا وعهرنا وجحودنا وكرهنا اللامتناهي، أم لتزيد في طينة عذاباتنا إضافات حارقة نتيجة عبثنا وغشنا وجرائمنا التي لا تغتفر؟ سيدي، وإن كنت أحدثك بلغة المؤمنين، فبرحيل جوسلين خويري، صار لي معك ومع قديسيك كلام آخر... أيها القديسون الأنانيون البخلاء، حين نذرت نفسها لإسمكم ومجدكم كانت شاراتكم تعبّر عن الرضى في أعمالها، لكن يوم احتاجتكم وطلبت شفاعتكم غضضتم الطرف بكم صمٌّ عميان... برحيلها لم يعد من حاجة لأي كلام، فبيننا وبينكم صفحة صمتت ربما إلى حين... وسواء ساد الصمت أم لم يسُد، ستبقى جوسلين خويري تلك الصبية التي أشعلت ذات يوم لهب العشق للسيادة والكرامة وثورة الإنسان القيّمة، والنضال المتواصل لحصاد الخير ... وكبرت الصبية -التي أجابت ذات يوم حين خُيِّرت في بدايات الحرب بين يسوع ولبنان، أنها تختار لبنان على مسيرة إيمانية رسمتها أو رُسمت لها، نقلتها إلى حيث الضوء الذي على هديه صارت ابنة للكنيسة ولمريم، وأشهرت: "إني فخورة بنضالي العسكري لكن خياري اليوم لو عاد لي السؤال، إني اخترت الحقيقة التي هي يسوع المسيح..."؛

هو كلام منقول عنها، أما كلامنا بها فسنفرد له آلاف الصفحات وعلى مدى الأجيال، بعدما أصبحت تلك المرأة رمزاً يسمو الأحزاب ويعلو الاصطفافات. الكل يحتاج بنوّتها ورونقها الذي فاح وبات أبعد من كل المسافات... أكثر ما آلمها انتفاضات "الرفاق" ومعارك الدم... حزمت أمتعتها وابتعدت، عبرت كانتونات مزنّرة بالنار لتبلسم جروح المبعدين وتطمئنهم أنهم ليسوا خونة... بكت عذابات المهجرين، رسمت خطاً بيانياً محوره الهوية المسيحية المشرقية وأعمدته الانفتاح، فذهبت إلى حيث المنبع. صلّت كثيراً وتضرعت لأجل الحق والعدالة والسلام. أكرمها القديس يوحنا بولس الثاني، فأصغى إليها وباركها.

أحبته حباً عظيماً وبنت مركزاً على اسمه لترميم العائلات المشلّعة وإعادة لحمتها في الجمعية التي أسستها وعملت لها. كانت مريم دائماً هي الحاضنة. حاورت وبنت صداقات صادقة مع من كانوا يوماً خصومها في جبهات القتال، وبدت شغوفة بالمشترك بين المسيحية والإسلام. امرأة لا تنام، تصلي، تعطي، تتواضع، تعشق البساطة، لا ترى قيمة للمادة، "فالروح الباقية وسواها مظهر يتلاشى ويضمحل مع الأيام..."، تبحث عن مريض أو جائع قبل أن يدنو من باب مكتبها. لا تدع يمناها تعرف ما تفعل يسراها.... ورغم هذا كان حضورها آسراً يملأ الزمان والمكان. في ساعاتها الأخيرة لم تستسلم، بدت متشبثة بالتفاؤل وبالحياة، وبقي الحلم متّقداً تخطط لمشاريع أيام لاحقة تتدفق بالخير على أجيال من بعدنا... المناداة الأحب لقلوب رفيقاتها ورفاقها وكل من عرفها كانت "الريسة"... وكما قاومت جوسلين وصمدت "ريسة" ترحل اليوم "ريسة" دون منّة من أحد.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم