الأحد - 25 تشرين الأول 2020
بيروت 33 °

إعلان

"الدولة المدنية" مصطلح مخادع وغير علمي

المصدر: "النهار"
المحامي نديم البستاني
"الدولة المدنية" مصطلح مخادع وغير علمي
"الدولة المدنية" مصطلح مخادع وغير علمي
A+ A-

"الدولة المدنية" مصطلح يجمع بين الإيهام والمتعة، يخفي الحديث عن الدين والشريعة الإسلامية، كما يخفي الحديث عن العلمانية. فالتيار العلماني اليساري يعتقد نفسه أنه يمتلك النخبة ويريد استغلال الحاضنة الشعبية التي توفرها التيارات الإسلامية؛ بينما هذه الأخيرة تتوخى صك براءة كي تثبت بأن مشروعها الإسلامي يتوافق مع الحداثة. إنه تعبير رمادي فارغ من المضمون لا بل خدّاع، كل الغاية منه تحقيق تحالف سلطوي ضيّق يخدم مصالح أطرافه، وليس اعتماد مشروع مبدئي لبناء دولة علمانية حقيقية.

وهذه الدولة لا يمكن أن يتكرس مفهومها العلماني إلا ضمن جوهر الدستور وجوهر القانون وكيفية تفسيره وتطبيقه، وليس فقط عبر الاكتفاء بالإطار الشكلي الخارجي لهوية متبوئي مراكز السلطة أو لكيفية إجراء الإنتخابات أو لكيفية سن القوانين. لذا، من أجل جدية مقاربة مطلق أي نظام، يتوجب على الدوام الإحاطة بثلاث إشكاليات مترابطة من دون إمكانية اجتزائها، ولا جعل أية واحدة منها تختصر الأخرى. هذه الإشكاليات هي: كيفيّة تكوين السلطة، كيفية توزيع السلطة، كيفية ممارسة السلطة، بحيث أن جميع المنادين بنظرية حكم الأكثرية العددية البسيطة وغير المشروطة، ومن ضمنهم المتهافتين لتطبيق نظرية إلغاء الطائفية السياسية يقصرون رؤيتهم على معيار كيفية توزيع السلطة فقط، وبتغافل تام عن الأركان الأخرى، مما يفتح المجال أمام إنشاء دولة وحدوية مناقضة للعلمنة بامتياز بالرغم من تأمينها لقاعدة المساواة الشكلية بين المواطنين، إلا أنها تبقى قاصرة عن تأمين مبدأ عدم التمييز الديني على مستوى مضمون القانون وجوهر السلطة.

إن المقاربة التي تعرّي هشاشة تعبير "الدولة المدنية"، ولا سيما ما ذكرناه في مقدّمة هذه المقالة، مستمدة مما أجمع عليه العديد من الباحثين الجديين من أبناء المنطقة، من أمثال فؤاد هراجة وعادل قليقيلي وسواهما من المفكرين غير المأخوذين بحمأة الغوغائيات الإيديولوجية والشعارات الشعبوية، إذ أثارت "الدولة المدنية" ريبتهم وقلقهم بعد تشكيلها مادة دسمة للبازار السياسي وغزوها للساحات الإعلامية على أنها تعبير سهل وحلّ سحري يختصر كل المشاكل ويحقق كلّ الأماني التقدمية. ولا أجدى من التعريف الذي يوصمها إياه الدكتور مروان المعشر وزير الخارجية الأردني الأسبق ونائب رئيس مركز الدراسات في معهد كارنيغي "نقيض الدولة المدنية ليست الدولة الدينية، بل الدولة السلطوية".

فإن "الدولة المدنية" تعبير غير قانوني، غير سياسي، وغير فلسفي. المعاجم العلمية كافة في الشرق كما في الغرب لا تعترف بهذا التعبير، هناك فقط مفهوم "الدولة العلمانية".

إنها مجرد فقاعة لفظية اخترعها بعض المنظرين العرب وبقيت محصورة ضمن الاجترار السياسي المحلي، ولم تخرج إلى الحيز الدولي بفعل ركاكتها الثقيلة ولا سيما أنها ما تزال هيكلاً شكلياً مجرداً من البنيان الجدي المتماسك. وذلك بعدما تمّ اقتباسها بشكل تحويري عن نظرية "الحكومة المدنية" (civil government)

التي يتحدث عنها الفيلسوف الإنكليزي جون لوك في مؤلفه

two treaties of government المنشور سنة 1689 أي منذ ما يناهز ثلاثة قرون، وكان يقصد بها نظام الحكم المنبثق عن الإرادة التمثيلية للأغلبية البسيطة من المواطنين الذين يتكون منهم المجتمع، مع إمكانية مواءمة ذلك مع السلطة الملكية أو الأوليغارشية، وكانت تعتبر في حينها مفهوماً ريادياً أما اليوم فقد أضحت خارج التاريخ لبداهتها في عالمنا المعاصر بحيث أنها عاجزة عن الإجابة عن الإشكاليات المستجدة في زمننا الراهن.