السبت - 19 أيلول 2020
بيروت 30 °

إيران تتّهم وأميركا تردّ... ما شروط اقتراب مقاتلة من طائرة مدنيّة؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
Bookmark
إيران تتّهم وأميركا تردّ... ما شروط اقتراب مقاتلة من طائرة مدنيّة؟
إيران تتّهم وأميركا تردّ... ما شروط اقتراب مقاتلة من طائرة مدنيّة؟
A+ A-


"انحراف"

حصل التدقيق البصريّ الذي تحدّثت عنه الولايات المتّحدة فوق قاعدة التنف الأميركيّة بالقرب من تقاطع الحدود السوريّة-الأردنيّة-العراقيّة. أي في موقع جغرافيّ يهدف إلى التضييق على "الممرّ الإيرانيّ" الذي يربط طهران بساحل المتوسّط. في تلك الأجواء، رافقت مقاتلتا "أف-15 سي إيغل" طائرة تابعة لخطوط "ماهان" الإيرانيّة الموضوعة على لائحة العقوبات الأميركيّة منذ سنة 2011. وكانت الرحلة متوجّهة من طهران إلى بيروت. \r\n

ومع انتشار حالة رعب بين ركّاب الطائرة بسبب مناورة عنيفة قام بها القبطان لدى اقتراب إحدى المقاتلتين منه، تنضج كلّ الظروف لإدخال الحادثة في إطار استراتيجيّ. علماً أنّ حادثة مماثلة بين أيّ دولتين أخريين أمكن أن تتّخذ طابعاً عرضيّاً.\r\n

أعلنت الولايات المتّحدة أنّ اقتراب مقاتلتيها حدث "ضمن مسافة آمنة" وفقاً لما قاله الناطق البارز باسم القيادة المركزيّة الأميركيّة بيل أوربان. وقال إنّ "أف-15" اقتربت من طائرة "ماهان" إلى مسافة 1000 متر وإنّه بمجرّد أن علمت المقاتلة بأنّها طائرة مدنيّة، "فتحت بطريقة آمنة مسافة عن الطائرة". ووصف أوربان "المهمّة الروتينيّة" بأنّها حصلت "وفقاً للمعايير الدوليّة".\r\n

وفي وقت لاحق، راجع أحد المسؤولين في وزارة الدفاع تلك المسافة فقال إنّها بلغت 1500 متر. وأبلغ شبكة "سي أن أن" سبب الحادثة بالإشارة إلى أنّ الطائرة بدت "منحرفة عن" ممرّ جوّيّ تجاريّ تمّ تأسيسه في تلك المنطقة. وذكر أنّ مقاتلة أميركيّة واحدة اقتربت من الطائرة التجاريّة فيما ظلّت الثانية بعيدة نسبيّاً. \r\n

وصف وزير الخارجيّة الإيرانيّ محمّد جواد ظريف ما قامت به الولايات المتّحدة بأنّه انتهاك تلو انتهاك للقانون، في إشارة إلى أنّ مقاتلتها أرادت حماية قوّاتها الموجودة في سوريا بطريقة "غير شرعيّة".


ما هي المسافة الآمنة؟\r\n

قد تكشف الأيّام المقبلة المزيد من الملابسات التي حصلت خلال الحادثة. حتى ذلك الحين، يبقى السؤال الأساسيّ عن مفهوم "المسافة الآمنة" التي يمكن أن تحافظ عليها المقاتلات الحربيّة بالقرب من طائرة تجاريّة. يضاف إليه سؤال آخر عن شروط اقتراب تلك المقاتلات من الطائرات التجاريّة وآليّة الابتعاد عنها من دون تشكيل أيّ خطر على سلامة الركّاب.


\r\n

توجّهت "النهار" بهذا السؤال إلى الطيّار الخاص والملازم المتقاعد في القوّات الجوّيّة الإيطاليّة والخبير في شؤون الأمن المعلوماتيّ دايفد شنشوتي فأجاب: "على العموم، المسافة الآمنة الموصى بها خلال المرحلة الأولى من الاعتراض هي 300 متر".\r\n

وأضاف: "بعدها، بإمكان المعترِض أن يقترب أكثر من ذلك (على سبيل المثال، إذا كان هنالك حاجة لقراءة تسجيل الطائرة المعترَضة، وتقييم الوضع عليها، وغيرها)".\r\n

ولمزيد من التفاصيل حول مراحل الاعتراض، أحال شنشوتي "النهار" إلى ما كتبه على مدوّنته "ذي افيايشنست" (الطيّار) حيث تناول بإسهاب الأمور التي يجب أخذها بالاعتبار عند تحليل حوادث كهذه:\r\n

إنّ اعتراض طائرة مدنيّة يجري بالتوافق مع التوصيات الخاصّة لمنظّمة الطيران المدنيّ الدوليّ (إيكاو) والقواعد الجوّيّة (راك). توصي "إيكاو" خدمة مراقبة الحركة الجوية وقبطاني الطائرتين بإطلاع بعضهم على التحرّكات. ليس واضحاً، بحسب الكاتب، ما إذا تمّ إعلام المراقب الجوّيّ بالاعتراض. وبالاستناد إلى المجال الجوّيّ الذي يحصل فيه التدقيق البصريّ، يتمّ إطلاع الخدمة المدنيّة للمراقبة الجوّيّة على التدقيق من قبل نظيرتها العسكريّة – حيث تتوفّر خطوط الاتّصالات – لتهيئة قبطان الطائرة كي يرى المقاتلات وهي تقترب منه. كذلك، من غير الواضح ما إذا كان قبطانا "أف-15" قد اتّصلا بقبطان "ماهان" على موجة الطوارئ الدوليّة 121500 ميغاهيرتز "في أتش أف".\r\n

لفت شنشوتي النظر إلى معايير السلامة التي على المقاتلات اتّباعها عند عمليّة التدقيق بحسب "إيكاو" مثل الانتباه إلى محدوديّة قدرة الطائرات التجاريّة على المناورة، والحاجة إلى تفادي اعتراض الطائرة في مسارها وتجنّب تحرّك قد يثير اضطرابها. ويشير إلى أنّ طائرة مجهّزة بنظام تفادي الاصطدام الجوّيّ (أكاس) قد تلتقط إشارات المقاتلة على أنّها تهديد بالاصطدام فتناور بطريقة تظهر للمقاتلة بأنّها غير ودّيّة. لذلك، على قباطنة المقاتلات المجهّزة بمستجيب رادار مراقبة ثانويّ (أس أس آر) إطفاء جهاز معلومات ضغط الارتفاع ضمن نطاق لا يقلّ عن 37 كيلومتراً من الطائرة. أمّا مراحل الاعتراض التي ذكرها شنشوتي نقلاً عن التوصيات، فيمكن تلخيصها بالتالي:\r\n

على المقاتلة الاقتراب من الطائرة يساراً من الخلف وتتقدّم على مسار أعلى بقليل وأمام الطائرة المعترَضة ضمن رؤية القبطان في المرحلة الأولى. وعلى المقاتلة المشاركة الأخرى البقاء بعيدة، بشكل مفضّل خلف وفوق الطائرة. وإذا كان ضروريّاً الانتقال إلى المرحلة التالية، والاقتراب إلى ما دون 300 متر من الطائرة، فيجب فعل ذلك بخفّة وعلى الارتفاع نفسه، وفقط ضمن مسافة تسمح بتلقّي المعلومات المطلوبة بصريّاً، ومن دون إجفال الركّاب أو الطاقم. وتواصل أيّ مقاتلة أخرى التحليق بعيداً. وفي المرحلة الثالثة، تنفصل المقاتلة بشكل سلس وعلى طريقة الغوص الخفيف.


تضخيم؟\r\n

إلى أن تتبيّن سائر التفاصيل المرتبطة بالحادثة، من المتوقّع أن تلجأ إيران إلى تضخيم ما جرى، مع أو بدون خرق أميركيّ لمعايير السلامة. فالفيديوات والصور المنتشرة حول ذعر وإصابات الركّاب واضحة، وهذا كافٍ لتشنّ إيران حملة إعلاميّة قويّة ضدّ الولايات المتحدة. في الآونة الأخيرة، توجّهت الأنظار لمعرفة مجريات التحقيق في إسقاط الحرس الثوريّ الطائرة التجاريّة الأوكرانيّة في كانون الثاني عن طريق الخطأ. \r\n

وقد نُشر اتّصال هاتفيّ تمّ تسريبه يظهر إيران وكأنّها أبقت على المجال الجوّيّ مفتوحاً للطائرات المدنيّة كي تحتمي بها من الردّ الأميركيّ حين كانت تقصف القاعدتين العسكريّتين الأميركيّتين في العراق. انطلاقاً من هذا الواقع، إنّ الحدث الأخير في أجواء التنف قد يزيح الأضواء ولو قليلاً عن التحقيقات في مسألة إسقاط إيران الطائرة الأوكرانيّة.\r\n

كذلك، ليس مستبعداً أن تفتح خطوط "ماهان" الجوّيّة شهيّة الأميركيّين للضغط أكثر على طهران. فهي الخطوط التي اتّهمتها واشنطن بنقل مقاتلين من الحرس الثوريّ لدعم حكومة الرئيس السوريّ بشّار الأسد كما بمساعدة حكم الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. ولم تتوانَ إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب عن معاقبة شركات صينيّة لتعاملها مع تلك الخطوط. لهذه الأسباب، يصعب حاليّاً معرفة ما إذا كان التدقيق الأميركيّ في الطائرة المدنيّة طبيعيّاً أو شكلاً من أشكال الضغط على إيران. على الأقلّ، ليس قبل جلاء المعركة الإعلاميّة.

الكلمات الدالة