السبت - 19 أيلول 2020
بيروت 31 °

"مسبار الأمل"... بِمَ تَفيد الإمارات من التطلّع إلى النجوم؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
Bookmark
"مسبار الأمل"... بِمَ تَفيد الإمارات من التطلّع إلى النجوم؟
"مسبار الأمل"... بِمَ تَفيد الإمارات من التطلّع إلى النجوم؟
A+ A-

بنت الإمارات محطّتها الفضائيّة سنة 2014. وبعد سبع سنوات على الحدث، سيدخل مسبارها الأوّل مدار المرّيخ، وبالتزامن مع الذكرى الخمسين لتأسيس الاتّحاد. اللافت أنّ غالبيّة المهمّات التي تُرسل إلى المرّيخ تأخذ ما بين 10 إلى 12 سنة من التحضير، وفقاً لما تذكره شبكة "سي أن أن" الأميركيّة. وهذا يعني أنّ الإمارات أنجزت فترة التحضير بحوالي نصف هذه المدّة الزمنيّة. وستتبع الصين الإمارات في 23 تمّوز وواشنطن في الثلاثين منه. لكنّ مهمّة أوروبّيّة-روسيّة تمّ تأجيلها بسبب عوائق فرضتها جائحة "كورونا".

جزء من حرب باردة؟\r\n

لطالما ارتبط السباق لاستكشاف الفضاء بالسباق الاستراتيجيّ في الحرب الباردة بين الولايات المتّحدة والاتّحاد السوفياتيّ. وشكّلت "حرب النجوم" التي تجسّدت في "مبادرة الدفاع الاستراتيجيّ" واحداً من أهمّ أسباب خروج واشنطن فائزة بمواجهة موسكو. اليوم، قد يكون السباق نحو المرّيخ جزءاً من "الحرب الباردة" الجديدة بين واشنطن وبيجينغ. ويبدو أنّ هنالك اصطفافات جديدة على طريق السباق نحو الفضاء. \r\n

تعمل وكالة الفضاء الأميركيّة "ناسا" على مهمّة دوليّة للعودة إلى القمر، وانضمّت قوى كثيرة إلى هذا المشروع، من بينها دول أوروبّيّة إضافة إلى الهند وأوستراليا وإسرائيل والمملكة المتّحدة. لكنّ رئيس وكالة الفضاء الروسيّة دميتري روغوزين رفض الانخراط في هذا المشروع، واصفاً إيّاه بأنّه "مشروع سياسيّ" يشبه حلف شمال الأطلسيّ. يأتي ذلك مع العلم أنّ روسيا شريك للولايات المتّحدة في برنامج محطّة الفضاء الدوليّة. وقال روغوزين إنّه سيفضّل انضمام روسيا إلى الصين كشريك في استكشاف الفضاء. \r\n

في ما يخصّ السباق نحو المرّيخ، ترى رائدة الفضاء المستقبليّة لورا سيوورد فورسيك أنّه ليس جزءاً من صراع استراتيجيّ. فورسيك وهي مؤسّسة شركة "أَستراليتيكا" الأميركيّة المختصّة في مجال التدريب والاستشارات وصنع السياسات الفضائيّة، تشرح لـ "النهار" لماذا يكتظّ شهر تمّوز الحاليّ بالمهمّات نحو المرّيخ:

"يصطفّ (كوكبا) الأرض والمريخ ليصبحا قريبين نسبيّاً من بعضهما البعض كل 26 شهراً. اصطفاف الأرض-المريخ القريب في شهري تمّوز وآب الحاليّين أعطى العديد من مهمّات (استكشاف) المرّيخ فرصة إطلاقٍ في الوقت نفسه: (مهمّة أمل) الإمارات العربيّة المتّحدة، مهمّة تيانوين الصينيّة، ومهمّة "برسيفيرنس" (العزيمة) التابعة لـ "ناسا‘". وأضافت أنّ مهمّة وكالة الفضاء الأوروبية "إيزا" لم يكن بإمكانها الانطلاق هذا الصيف، وبالتالي عليها انتظار 26 شهراً آخر حتى الاصطفاف التالي بين الكوكبين.

أبعد من الكوكب الأحمر\r\n

الهدف بالنسبة إلى الإمارات أبعد من المرّيخ. هي تريد إلهام أطفال المدارس وتحفيز صناعاتها العلميّة والتكنولوجيّة التي ستمكّن الإمارات من معالجة القضايا الحسّاسة مثل الغذاء والمياه والطاقة واقتصاد ما بعد البترول، بحسب ما يؤكّده مدير برنامج "مسبار الأمل" عمران شرف.

بالفعل، تهيّئ الإمارات جيلاً شاباً من العلماء والمهتمّين بالفضاء والعلوم الحديثة. ليس حدثاً عابراً أن يكون عمر شرف 36 عاماً وعمر رئيسة وكالة الإمارات للفضاء ووزيرة الدولة لشؤون التكنولوجيا المتقدّمة ساره الأميري 33 عاماً فقط. وفي الوقت نفسه، لم يحجب "الأمل" والطموح الإماراتيّ إمكانيّة المفاجآت غير السارّة التي قد تخبّئها مسارات اكتشاف الفضاء عموماً. وأكّد عمران أنّ الإماراتيّين "يدركون بشكل كامل المخاطر المرتبطة بمهمّتهم" مضيفاً: "فلنكن صريحين. 50% من المهمّات التي تمّ إرسالها إلى المرّيخ فشلت". ولذلك قال أنّ الإخفاق هو خيار محتمل في هذه الرحلة.

لهذا السبب، أقرنت الإمارات الطموح بالواقعيّة على طريق استكشاف المرّيخ. وهذا يعبّر عن نضج واضح في طريقة مقاربة وضع الأهداف وتحقيقها. لكن ثمّة نضج آخر في طريقة اختيار هذه الأهداف أيضاً. حين وضعت الولايات المتّحدة نصب عينيها إرسال مهمّة مأهولة إلى القمر في عهد الرئيس الأسبق جون كينيدي، لم يكن هنالك حماسة كبيرة بين الأميركيّين لهذا المشروع. \r\n

فالتساؤلات تدور دوماً عن أسباب إنفاق الأموال على مشاريع مرتبطة بالفضاء بينما تحتاج المشاكل على الأرض إلى هذا التمويل لمعالجتها. لا يكمن الجواب فقط في ضرورة الفصل بين الأهدف القريبة والبعيدة المدى. يجب التركيز أيضاً على أنّ كثيراً من المشاكل على الأرض تجد حلولها في الفضاء. التغيّر المناخيّ واحد منها. مع ذلك، هنالك دوماً حاجة إلى التذكير بأهمّيّة استكشاف الفضاء لماضي البشريّة وحاضرها ومستقبلها.

مكاسب أكبر من أن تُعدّ\r\n

تستعرض فورسيك لـ "النهار" أدلّة كثيرة على هذه الأهمّيّة، مشيرة إلى أنّ هذه القضيّة تصلح كي تُشرح في كتاب بأكمله: "يستفيد العالم الحديث من الفضاء يوميّاً من دون أن يدرك ذلك بشكل كبير. نستخدم الأقمار الاصطناعيّة للتواصل وللبثّ حول العالم. نستخدم الأقمار الاصطناعيّة لتحديد المواقع لإنجاز التعاملات بالتوقيت الدقيق على الأرض، تعقّب أنظمة النقل، والتوجيهات في سيّاراتنا."\r\n

وذكرت فورسيك أمثلة أخرى مثل استخدام الأقمار الاصطناعيّة لرصد الأحوال الجوّيّة والمناخ العالميّ ومراقبة الزراعة والحدود وتحديد الاستجابات الطارئة ومراقبة الصناعة وغيرها. لا تتوقّف الأمثلة عند هذا الحدّ. فاكتشاف الفضاء يؤمّن للبشريّة تقنيّات جديدة مثل إلكترونيّات الطيران المحسّنة ومواد صلبة جديدة ومعالجات أفضل مثل الروبوتات وحتى تنقية المياه بحسب ما تسرده العالمة نفسها. \r\n

ماذا عن المرّيخ؟ تجيب فورسيك: "إنّ اكتشاف كواكب أخرى يسمح لنا بفهم كوكبنا الخاص. من المحتمل أن تكون الحياة قد انتشرت في المرّيخ سابقاً. إذا كان ذلك صحيحاً، ماذا حصل لتلك الحياة، وما الذي بإمكان تطوّر المرّيخ أن يعلّمنا عن الطريقة الفضلى للحفاظ على الحياة على الأرض؟" \r\n

وتختم العالمة جوابها بالإشارة إلى أنّ الاستثمار بمهمّات وتكنولوجيا الفضاء يخلق صناعات جديدة وهي مجرّد بداية لما يحمله المستقبل أو كما يمكن أن يخلق صناعات لمّا يدركْها العالم بعد.\r\n

بات طموح استكشاف الفضاء ميزة أساسيّة للدول التي تريد أن تثبت رؤيويّتها. لم تعد الترسانات العسكريّة والقدرات الماليّة والاقتصاديّة وحدها كافية لضمان ازدهار مستقبل قويّ. في دفاعه عن استمرار تمويل محطّة الفضاء الدوليّة، يقول النائب الأميركيّ الأسبق طوم لويس: "لقد أصبحنا عُظماءَ عبر الحلم وعبر السير خلف تحقيق هذا الحلم. بمجرّد أن نفقد قدرتنا على الحلم والوصول إلى النجوم، نتوقّف عن أن نكون عظماء". 

الإمارات تتطلّع إلى النجوم وتحجز لنفسها مقعداً بين مقاعد العظماء.


الكلمات الدالة