الجمعة - 18 أيلول 2020
بيروت 30 °

كان حليم جرداق عينَ الرضا

عقل العويط
عقل العويط
Bookmark
كان حليم جرداق عينَ الرضا
كان حليم جرداق عينَ الرضا
A+ A-

كان حليم جرداق مختبرًا لقوارير الطيب، وخلاصةً من عصارات رحيق الزوفى والناردين والورد الجوريّ والنعناع والحبق والوزّال وإكليل الجبل والياسمين. شبيهًا بالسنديان في زمن الطفيليّات والأعشاب الضارّة والهشاشات الدنيئة. ساهرًا على شعاع الشمعة وشعلة القنديل في زمن اللّاضوء. رفيقًا ليّنًا في زمن الليل. ممعنًا في بلورة ألوان الصمت والحلم في زمن الضجيج واليباب. مأخوذًا بتوزيع النسيم في زمن القيظ والشدائد. وبنشر دماثة الروح في زمن الصلف والبهورة. مؤثرًا اقتصاد التقشَّف الفكريّ على تبذير الثرثرة التي تفسد المعنى. منحازًا إلى صنع أرغفة الأشكال والخطوط والزيوح والصفائح، مخبوزةً في أفران الاختبار والاختمار والنضج.\r\n

كان حليم جرداق ينحني على الملونة والقماش والصفائح كمَن ينحني من أجل تأدية صلاة. ويعكف على الحبر والورق والكتاب والمعدن كمَن يسافر في مواهب الروح. يليّن الحديد والبرونز والنحاس مثلما يليّن اللون. يطوّع الأحجام والأساليب والدوائر والأشعّة والأنوار والبروق والظلال كمّن يستذكر أحلامًا سـ"يراها" بعد قليل. مشغولًا بالكيمياء، وبهواجس الليل والنهار، وبالرؤية الكونيّة المتكاملة، محروسًا بالتحوّلات، كحاملي أسرار التأليف والتجريد والخلط والتذويب والصهر، بغية لمّ الشمل وتوليد ما لم يسبق له أن اتّخذ شكلًا أو حجمًا أو لونًا أو مساحة. \r\n

يمكنني أنْ أسمّي حليم جرداق كائنًا رؤيويًّا، أو كيميائيًّا اختباريًّا، أو كاهنًا، أو عرّافًا، أو رقيبًا للنجوم. أو محض فنّانٍ تشكيليٍّ، رسمًا وحفرًا فحسب. لكنّي أفضّل دائمًا أنْ لا أركن إلى تسميةٍ دون غيرها. لأنّه كان خلاصة هذه التسميات، معًا وفي آنٍ واحد، مضافةٍ إلى شغفٍ دؤوبٍ بتجريد ما لا يُجرّد، وبمعرفةٍ ودرايةٍ وخبرةٍ وحذقٍ واختبارٍ وتواضعٍ أثيريٍّ جمٍّ وحكمةٍ عرفانيّةٍ كوزميّة، تذكّر كلّها بما يوصف به قدّيسو الفنون ورهبانها، على أنواعها وأشكالها.\r\n

كنتُ أزوره بلا مناسبة، قبل أنْ تعصف به أنواء العمر ووحشة الحياة وتوحّش الدهر وصغائر ناسه ومتسلّقيه ومحطّمي جوهره. وقد آثرتُ في السنوات الأخيرة أنْ أحتفظ منه بصورته المصونة في عقلي وقلبي، فنّانًا كبيرًا وزاهدًا كبيرًا وإنسانًا كبيرًا، متسقّطًا أخبار صحّته من الأصدقاء المشتركين، الذين كانوا يترفّقون بما بقي من نورانيّة تلك القامة الإنسانيّة والتشكيليّة اللطيفة والبالغة النقاء.\r\n

يعزّ عليَّ في هذه اللحظة، وأنا أودّع "عين الرضا"، أنْ أنظر إلى لبنان اليوم، مجرّدًا من معانيه ودلالاته الثقافيّة، محرومًا من قيمه ومكوّناته الجوهريّة، محذِّرًا أهل الحكم فيه من هذا الغيّ الجاهل المتفاقم، الذي يتنكّر، على أيديهم وبفعائلهم، للأسس التي قام عليها لبنان، وفي مقدّمها أسسه العقليّة والأدبيّة والثقافيّة والفكريّة والفنيّة والعرفانيّة.

[email protected]