السبت - 19 أيلول 2020
بيروت 27 °

المستشفى التركي للطوارئ والحروق في صيدا \r\nعنوان فاضح لفشل الحكومات المتعاقبة في تحمّل مسؤولياتها

صيدا - أحمد منتش
Bookmark
المستشفى التركي للطوارئ والحروق في صيدا \r\nعنوان فاضح لفشل الحكومات المتعاقبة في تحمّل مسؤولياتها
المستشفى التركي للطوارئ والحروق في صيدا \r\nعنوان فاضح لفشل الحكومات المتعاقبة في تحمّل مسؤولياتها
A+ A-

يكاد أكثر من مثل شعبي ينطبق على الوضع الصعب والمؤلم للمستشفى التركي للطوارئ ومعالجة الحروق في صيدا منذ أكثر من عشر سنين. هو مثل قصة إبريق الزيت أو "بين حانا ومانا ضاعت لحانا"، وقد بات يشكل عنوانا فاضحا لفشل الحكومات المتعاقبة منذ العام 2010 حتى اليوم.

هذا العنوان ينطبق أيضا على فاعليات صيدا التي لم تبذل أي جهد، وحالت مصالحها الخاصة وخلافاتها السياسية دون اتخاذ موقف موحد وضاغط على المسؤولين من أجل تشغيله، وأيضا على وزراء الصحة المتعاقبين بدءا من الوزير محمد جواد خليفة وانتهاء بالوزير جميل جبق ومرورا بالوزيرين وائل أبو فاعور وغسان حاصباني. فهل تنجح حكومة الرئيس حسان دياب ووزير الصحة العامة الدكتور حمد حسن في تشغيل هذا المستشفى الفريد من نوعه في لبنان، أم تحذو حذو الحكومات السابقة ووزراء الصحة فيها، ويبقى المستشفى طي النسيان والإهمال، وتضيع الهبة التركية بقيمة 20 مليون دولار وأرض شاسعة قدمتها بلدية صيدا التي كان يرأسها الدكتور عبد الرحمن البزري بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز 2006 وهي تساوي ملايين الدولارات، فضلا عن أكثر من مليار ليرة لبنانية صُرفت من دون جدوى.\r\n

بعد عودة الحديث عن المستشفى الى الواجهة منذ أزمة كورونا، كان مقررا ان يزور الرئيس دياب المستشفى قبل نحو ثلاثة أشهر، وتحديدا يوم السبت 18 نيسان الماضي من أجل الإعلان عن البدء بإعادة تجهيزه وتشغيله وتقديم مساعدة مادية بقيمة 7.5 مليارات ليرة لبنانية بمسعى جرى بعيدا من الأضواء بين الرئيس فؤاد السنيورة ورئيس بلدية صيدا المهندس محمد السعودي من جهة، وبين أحد مستشاري دياب. ولكن قبل حلول ظلام يوم الجمعة وبزوغ فجر يوم السبت وبسحر ساحر، أعلن المكتب الإعلامي في بلدية صيدا وبشكل مفاجئ أن رئيس البلدية تمنى على الرئيس دياب تأجيل زيارته الى صيدا بسبب ما وصفه البيان بـ"بعض التعقيدات التي طرأت". وفيما لم يشأ السعودي الذي كان منزعجا جدا مما حصل الإفصاح عن الأسباب الحقيقية التي دفعته الى الإعلان عن تأجيل زيارة دياب، أعلن المكتب الإعلامي في رئاسة مجلس الوزراء أن الرئيس دياب ألغى زيارته التي كانت مقررة الى المستشفى التركي بسبب خلافات محلية بشأن المدعوين، وفي ما بعد تبين أن بعض القوى الفاعلة في صيدا والجنوب، المتخاصمة وحتى المتحالفة في ما بينها، تقاطعت مصالحها ومواقفها في افشال زيارة دياب ولكل طرف سبب ما في "نفس يعقوب". فالجهة الداعمة لوزير الصحة، أي "حزب الله"، حاول وضع بعض الشروط التعجيزية على السعودي قبل ساعات من الزيارة، ومعظم الفاعليات في صيدا ولا سيما النائبة بهية الحريري لم تكن راضية على الزيارة ورافضة لأي مشاركة في استقبال دياب في المدينة أو خلال تفقده للمستشفى.\r\n

ونتيجة مفاوضات مضنية أجراها أخيرا رئيس بلدية صيدا مع وزير الصحة أثمرت عن توقيع اتفاق بين البلدية والوزارة في 12 أيار الفائت، حيث يصبح كامل المستشفى ملكا للوزارة وفي عهدتها، ويضمن لبلدية صيدا دورا في الاشراف والرقابة والمساعدة عند الضرورة. هذا الاتفاق سارعت النائبة الحريري الى الترحيب به ورأت فيه مكسبا لصيدا، اذا ما طُبق بحذافيره، وانجازا يسجل لرئيس بلديتها محمد السعودي، وشددت على أهمية استكمال هذه الخطوة بآلية تشغيل المستشفى ورصد الموازنات اللازمة لضمان استمرار العمل، فيما سجل النائب أسامة سعد تحفظه وشكوكه حول مضمون الاتفاق بين وزارة الصحة وبلدية صيدا، إن لجهة الدور الذي نيط بالبلدية أم لجهة عجز الحكومة وعدم قدرتها على تشغيل المستشفى.\r\n

رئيس بلدية صيدا الذي واكب التفاصيل المتعلقة بالمستشفى منذ الاحتفال بإنجازه وتجهيزه وتسلمه مفتاحه من الرئيس التركي رجب طيب أردغان في حضور الرئيس سعد الحريري ووزير الصحة سابقا الدكتور محمد جواد خليفة وفاعليات صيداوية وجنوبية قبل عشر سنين، تحدث الى "النهار" عن الاتفاق بين البلدية ووزارة الصحة والظروف والأسباب التي حالت دون الاحتفال بافتتاحه وتشغيله. وقال السعودي: "أهمية الاتفاق بالدرجة الأولى أنه جرى التوقيع عليه مع وزارة الصحة، ونحن كبلدية قدمنا كل نملك ونستطيع من أجل التوصل الى توقيع هذا الاتفاق بما يضمن العمل على استكمال تجهيز هذا الصرح الطبي الفريد من نوعه في المنطقة وتشغيله. واليوم وبعدما اصبح المستشفى في عهدة وزارة الصحة وملكا لها، نحن لا نزال ننتظر الإيفاء بالوعود وما تم الاتفاق عليه، بدءا من تشكيل مجلس إدارة جديد وتوظيف الكادر الطبي والتمريضي والافراج عن المساعدة المالية التي أعلنت عنها الحكومة بقيمة سبعة مليارات ونصف مليار ليرة لبنانية، ومنذ فترة أُبلغنا عن ارسال مبلغ من وزارة المال الى مصرف لبنان في صيدا بقيمة ثلاثة مليارات ونصف مليار ليرة، وكل يوم نراجع المصرف من دون فائدة حتى الآن".\r\n

وتحدث السعودي بإيجاز عن المعوقات التي حالت دون تشغيل المستشفى منذ عشر سنين، وقال: "بعد حفل تدشين بناء المستشفى راجعنا وزير الصحة آنذاك الدكتور محمد جواد خليفة أنا والنائبة بهية الحريري عن الفترة الزمنية التي تحتاجها الوزارة لتشغيل المستشفى، وقلنا له هل تكفي مدة ستة أشهر؟ فقال لنا اعطوني سنة لأن الوزارة بحاجة الى تدريب طاقم طبي متخصص، وبعد ذلك استقال الوزير، وعندها بحثنا في كيفية تشغيله واجرينا اتصالات مع الجامعة الأميركية في بيروت التي اوفدت فريقا أجرى تقييما أوليا وتبين أن المستشفى سيخسر في المرحلة الأولى نحو 15 مليون دولار خلال السنوات الخمس الأولى.\r\n

بعد ذلك قمنا بمراجعة وزارة الصحة وقدمنا رخصة ظلت متعثرة لغاية العام 2015، وحاولنا فتح المستشفى خلال تولي الوزير وائل أبو فاعور وزارة الصحة، وكان وعدنا بتوفير مساعدة بقيمة ثلاثة ملايين دولار، غير اننا لم نحصل سوى على مليار ليرة لبنانية. وعندما تفقّد مدير المستشفى الدكتور غسان دغمان المبنى تبين وجود نقص في التجهيزات، والقديمة بحاجة الى إعادة صيانة، وكل ذلك كان يحتاج الى تمويل. وبعد أن تبدل أبو فاعور وتسلم مكانه الوزير غسان حاصباني سعينا الى تشغيل المستشفى من خلال الشركة بين القطاع العام والقطاع الخاص، علما ان المسؤولين الاتراك ابدوا من جديد استعدادهم لتقديم المساعدة، وقبل أن نتمكن من القيام باي خطوة تساهم في تشغيل المستشفى دخل البلد في انتفاضة شعبية عارمة ومن ثم انهمك الجميع في مواجهة تفشي وباء كورونا، ومع ذلك قال لنا وزير الصحة الجديد حمد حسن بانه جاد في افتتاح المستشفى وارسل لنا نص اتفاق قمنا بتعديله قليلا، قبل التوقيع عليه ومباركته".\r\n

ولم يشأ السعودي الحديث عن الأسباب التي أدت الى افشال زيارة الرئيس دياب الى المستشفى، مكتفيا بالقول انها "باتت معروفة". وعما اذا كان لها تأثير سلبي في دفع مبلغ الـ 7 مليارات ونصف مليار ليرة، قال: "لا أعتقد ذلك"، مبديا تفاؤله بتشغيل المستشفى، "ولكن بعد عشر سنين على بقائه معطلا ونتيجة الازمات المالية والاقتصادية التي يتخبط فيها البلد، لا استطيع أن اعد أبناء صيدا والمنطقة بأن المستشفى سيعمل كما هو مرسوم له خلال المدة المتبقية لي في رئاسة بلدية صيدا ورئاسة اتحاد بلديات صيدا الزهراني".\r\n

أخيرا ثمة أسئلة لا بد من أن يجيب عنها وزير الصحة حمد حسن، خصوصا بعدما أصبح المستشفى التركي في عهدة الوزارة وملكا لها. السؤال الأول: متى ستفرجون عن المساعدة المادية من البنك الدولي التي وعدت بها الحكومة المستشفى وقيمتها سبعة مليارات ونصف مليار ليرة لبنانية؟ ثانيا: وعدتم رئيس بلدية صيدا بعد توقيع الاتفاق قبل نحو شهرين بتحويل المبلغ، وبعد فترة ابلغتم السعودي عن تحويل مبلغ بقيمة ثلاثة مليارات ونصف مليار ليرة فقط، غير أن هذا المبلغ لم يصل بعد كما قال السعودي لـ"النهار" وهو يراجع المصرف كل يوم.\r\n

ثالثا: هل هناك موعد محدد للبدء باستكمال تجهيز المستشفى وإعادة صيانة المعدات الموجودة منذ عشر سنين وتدريب الطاقم الطبي تمهيدا للبدء بتشغيله، انفاذا للغاية المرجوة التي أنشئ من أجلها، أم أن هذه الحكومة ستحذو حذو الحكومات السابقة؟