الثلاثاء - 19 كانون الثاني 2021
بيروت 14 °

إعلان

الزلزال الليبيّ على مقياس حفتر!

الدكتور علي خشان- وزير العدل الفلسطيني الأسبق
الزلزال الليبيّ على مقياس حفتر!
الزلزال الليبيّ على مقياس حفتر!
A+ A-

بعد مرور أكثر من عام على بدء هجومه للسيطرة على طرابلس بدعم إقليمي ودولي، لم ينجح المشير الليبي خليفة حفتر في مهمته للسيطرة على طرابلس وعموم ليبيا كما كان يصبو، وتنصيب نفسه حاكماً عسكرياً وقائداً أوحد.

وخلال أيام، خسر جنوب طرابلس والعديد من المدن والبلدات ومنها صبراته والأصابعة وغريان ومدينتي ترهونة وبني الوليد، بالإضافة الى قواعد ومطارات منها قاعدة الوطية ومطار طرابلس ومطار بن الوليد. وأصبحت قاعدة الجفرة العسكرية مهددة ومدينة سرت محاصرة. وتقدمت قوات حكومة الوفاق بشكل يومي وهدفها الآن السيطرة على الهلال النفطي بالإضافة إلى الطريق الممتد حتى مدينة سبها في الجنوب وهو الطريق الذي كان يمد قوات حفتر التي كانت تحاصر طرابلس بالمؤونة والسلاح.

ومع أن المعركة لم تنتهِ بعد، الإ أن غموض الأهداف لدى المشير الذي لم ينتصر بحرب أو معركة يدل على الأوضاع الدراماتيكية التي عاشتها ليبيا خلال وجوده، فهو الوحيد القادر على جلب الفوضى لأي مكان تطأه قدماه، ومن غير المستبعد أن يتم استحداث مقياس خاص بالهزائم يسمى بـ"مقياس حفتر" تيمناً بالمقياس الخاص بالزلازل ريختر.

يوماً بعد يوم يخسر خليفة حفتر مزيداً من الأوراق سواء كانت عسكرية أو تفاوضية، والدائرة تضيق من حوله والخيارات تنفذ ممن يدعمه، فهو لا يملك أي بيادق يطرحها لحماية نفسه فكيف يقوم بحماية غيره.

والمتتبع لبواطن الأمور في ليبيا يستنتج أنه كان كلمة السر في فشل جميع المبادرات السلمية، وكما هو معروف بالهرب في المعارك فقد مارس هواية الهروب أيضاً من محادثات السلام في كل من برلين وموسكو ورفض التوقيع على أي اتفاق لوقف إطلاق النار.

وهو في ميزان السياسة صفر كبير على يسار اليسار، وهو قادر على جلب المصائب والنكبات لكل من يدعمه أو يتحالف معه. وفوق كل هذا وذاك فهو لا يملك استراتيجية واضحة ولا حليفاً دائماً، ولا يعود ذلك لأنه محترف باللعب على المتناقضات أو خبير في السياسات ولكن لكونه غير قادرعلى تحديد أهداف واضحة له يعمل على تحقيقها أو انتهاز فرص مواتية يعمل على استثمارها، بل وصل الأمر به إلى عدم القدرة على تفسير أضغاث الأحلام التي يراها والتي يحولها في كل مرة إلى كوابيس تلاحقه.

وانتقلت هذه العدوى لتشمل كل من يؤيده ويتحالف معه فلم يكن لديهم رؤية واضحة، لأن مشروع حفتر مشروع عسكري وليس مشروعاً تنموياً بنائياً ديمقراطياً، ولا يهدف من يدعمه لتحقيق مصالح الليبيين وبناء ليبيا وازدهارها، وإنما يهدف إلى رؤية ليبيا شبيهة بدول اخرى تقوم على الحكم العسكري حيث لا مجال للحكم الديمقراطي وسيادة القانون وحقوق الإنسان.

لهذا كله فإن من يؤيده لا يستطيع استخدام حرب الوكالات في ليبيا، لأن الحصان الذين يراهنون عليه خاسر، فما يحققه ويكسبه في سنوات وتضحيات جسام يفقده في أيام وفي ساعات بخاصة بعد تصدع الجبهة الداخلية وتلاشي وهم السيطرة على طرابلس.

وفي هذا الإطار بدأت الأصوات تتعالى بسبب الآلاف من الشهداء والجرحى في ظل الوعود التي ما انفك يطلقها حفتر بمناسبة وغير مناسبة وساعات الصفر التي أصبحت سراباً وأصفاراً.

وتخلى مجبراً عن حلم السيطرة على ليبيا التي كان يمني النفس في أن يتحقق بعد أن اصطدم بالواقع العملي على الأرض. وتحول هذا الحلم الى هزيمة تلو أخرى. وتعددت تلك الهزائم وتنوعت إلى الحد الذي دفع البعض الى التندر والدعوة الى اختراع مقياس خاص بالهزائم وعددها ودرجة قوتها يسمى بمقياس حفتر. وأعتقد أن صفحة حفتر ستطوى مع سقوط سرت وقاعدة الجفرة حيث ستكون حقول النفط قاب قوسين أو أدنى في يد حكومة الوفاق، ما يزيد في تأييد عدد أكبر من الدول لها.

ماذا بعد؟

وبنظرة فاحصة لما يجري على الأرض وطبيعة التحالفات الجديدة مع دخول ترکیا على خط الأزمة بضوء أخضر من واشنطن، فإن موازين القوى بدأت بالتغير، حيث إن التطورات الأخيرة تظهر أن التخلي عن حفتر أصبح أمراً واقعاً، خاصة وأن الدول التي راهنت عليه لم تضع خطة بديلة في حالة فشله. وفي خضم التطورات المتسارعة والخطيرة التي تشهدها الساحة الليبية، ينقسم الشعب الليبي على نفسه ويخوض حرباً أهلية بالوكالة في خدمة جهات إقليمية ودولية.

وتأسيساً على ما تقدم تحاول تركيا أن تجد لها موطئ قدم وحليفاً على البحر المتوسط في مواجهة ما قامت به كل من اسرائيل واليونان ومصر وقبرص من توزيع المصالح والمغانم والتنقيب عن النفط بعيداً عنها، ووجدت في ليبيا فرصة لها للرد على ذلك. وفي ذات الوقت تقوم بدعم حليف قوي معترف به دولياً والذي كان ومنذ سنوات يتطلع إلى حل سياسي سلمي بعيداً عن الحروب والمعارك .

ونعتقد أن ما شهدته سوريا من تراجع للدور الأميركي عن الساحة الدولية مقابل تمدد وحلول للدور الروسي فيها، لن يجد له تطبيقاً في ليبيا، وإن كانت روسيا تحاول أن تلعب بعناصر مخابراتية ومرتزقة فاغنر للبحث والدفاع عن مصالحها وتلعب بجميع الأوراق ضد جميع الفرقاء حفاظاً على مصالحها وسعياً وراء النفط الليبي وللحصول على قواعد عسكرية ومياه دافئة في المتوسط من الجهة الإفريقية تجوب بها أساطيلها ، وهي في سعيها هذا تتطلع لديكتاتور جديد يمكن أن يوفر لها ذلك. وقد وجدت ضالتها في سيف الإسلام القذافي نجل العقيد الليبي السابق معمر القذافي كحليف قوي يمكن أن يمنحها كل ما تريد مقابل تمكينه من الحكم الذي انتزع منه ويعتقد أنه صاحب الحق فيه ويسعى إلى عودته، في الوقت الذي تستخدم فيه الجنرال العسكري خليفة حفتر كورقة مؤقتة ساقطة تتخلص منها بسرعة عندما تتمكن من تحقيق أهدافها إن استطاعت.

وقد دفعت تلك التطورات الدولية الجارة مصر للعمل على مبادرة سياسية ارتجالية لإعادة التدوير والاستخدام فيما بين حفتر وعقيلة صالح وشخصيات غير معروفة سميت بممثلي القبائل ولكن هذه المبادرة ولدت ميتة للاسف كونها لم تأخذ بعين الاعتبار "حكومة الوفاق" بقيادة السراج المدعومة تركياً وهي الطرف الأقوى الذي يتحكم بمقاليد الأمور والجهة المعترف بها دولياً وهي الوحيدة القادرة على تأمين مصالح مصر الاستراتيجية وضمان الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة خاصة وأن حركة الوفاق هي التي أخرجت تنظيم داعش من سرت، وأعتقد أن إصرار مصر على السباحة ضد التيار لن يكون في صالحها مرحلياً ولا على المستوى الاستراتيجي بعيد المدى، والسياسة لا تقوم على المناكفات بين الدول "نتيجة للعلاقات المتوترة مع تركيا"، بل على ما يمكن أن تحققه للدولة وللشعب من مصالح.

ورغم أننا نأمل إستئناف المفاوضات استناداً إلى مخرجات إتفاق الصخيرات وصولاً إلى إنهاء الحرب الدائرة منذ فترة بدون هدف وبلا منتصر، وهو ما تدعو إليه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عبر النداءات للعودة لتفاهمات مؤتمر برلين وقرار مجلس الأمن 2510 والقرارات الأخرى ذات الصلة التي رفضها حفتر وضرب بها عرض الحائط قبل التطورات والانتكاسات الأخيرة التي تعرض لها.

غير أن دعوات الأمم المتحدة وتمنيات غيرها من الدول لم تجد لها صدى على أرض الواقع للأسف الشديد في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها ليبيا حيث إن صوت الرصاص يعلو على صوت المنطق والسلم، ولا يريد أحد أن يجلس مع حفتر إن وثق أحد فيه وفي وعوده بعد أن قطع كل الخيوط مع معظم الأطراف على الساحة الليبية وارتكب العديد من الجرائم التي قد تجعل منه مطلوباً دولياً لدى المحكمة الجنائية.

في ذات الوقت استغلت العديد من المؤسسات المالية الدولية والبنوك أوضاع البلد الأمنية وسرقت أموال الليبيين كما ان ليبيا خسرت أكثر من 100 مليار دولار نتيجة لتوقف تصدير النفط .

وعليه فإن ليبيا اليوم بحاجة ماسة إلى حكومة مدنية منتخبة تعيد للشعب الليبي كرامته، وحقوقه في ثروة بلده وتعمل على إعادة الأمن والأمان والاستقرار السياسي والبدء بمشروعات جديدة لإعادة البناء الاقتصادي وبسط العدالة الانتقالية وليس إلى نظام عسكري يفرض نفسه بالقوة.

ليبيا ليست بحاجة لصوت السلاح وليست بحاجة لمن يدق طبول الحرب ويدعو إلى الفرقة وهي بحاجة لصوت العقل والمنطق والأمن والأمان والسلام.

ليبيا بحاجة لكل الأشقاء، فهي بحاجة للجزائر وتونس والمغرب التي تعمل وبقوة وبدون تحيز لفريق على آخر وهي بحاجة للشقيقة الكبرى مصر التي يجب أن تقف على خط واحد من جميع الفرقاء على الساحة الليبية.

على الجميع أن يدخل ليبيا من أبوابها لا من نوافذها أو من خلال تقسيمها، على من يرغب أن يدخل ليبيا أن يدخل بشكل شرعي وفق قوانينها وليس من خلال قبائلها، وأن يدخلها من خلال حكومتها الشرعية المعترف بها دولياً وليس عن طريق مرتزقة يأتون من أعالي البحار.

وفي انتظار انقشاع غيوم الأزمة القائمة في ليبيا فإن الذي يتجرع آلام هذه الحرب هم المدنيون الذين يعيشون في دوامة العنف التي تضرب ليبيا ولا ينجو من أهوالها أحد.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم