الجمعة - 27 تشرين الثاني 2020
بيروت 22 °

إعلان

من المستفيد من ضرب مسيحيي الشرق؟

حمزة عليان
من المستفيد من ضرب مسيحيي الشرق؟
من المستفيد من ضرب مسيحيي الشرق؟
A+ A-

ماذا سيضيف لإردوغان تحويل "آيا صوفيا" إلى مسجد؟ هل ينقص "تركيا العلمانية" المساجد؟ أم سيزيد نفوذ هذا البلد؟

ربما يجلب لذويه عداوة المسيحيين، وربما يظهر أمام المسلمين أنه "الخليفة" الذي سعى لتثبيت دولة الخلافة؟

اليوم اللاعب التركي تخطى حدوده الجغرافية المرسومة وأعلن عنها "الزعيم" الذي لا ينازعه أحد أن حدودها هي حدود الإمبراطورية التي انتهت منذ زمن، والساعي إلى إعادة مجدها بخطوات مدروسة؟

نظرة إلى خريطة القواعد العسكرية التركية في المنطقة كي يدرك المتابع حجم هذا الدور، بدءاً من سوريا بحكم الأمر الواقع، ثم العراق مروراً بقطر والصومال وصولاً إلى ليبيا البعيدة جداً عن مفهوم الأمن القومي.

الأحلام التي تراود عقل أردوغان قد لا تكون بعيدة عن المشاهدة، فالرجل يتصرف بثقة ولديه قوة عسكرية واقتصادية يركن إليها بعدما وصلت بلاده إلى مراكز متقدمة.

يلجأ باعث الحياة بالإمبراطورية العثمانية إلى استخدام الدين ضمن أدوات الحكم ولتعزيز النفوذ، ففي الداخل يعمل على استقطاب الجمهور الذي فقده بعد انتخابات بلدية إسطنبول وفوز منافسه المعارض، وهو يعني أن من تسلم رئاسة بلدية إسطنبول يقرع أبواب الرئاسة بشكل أو بآخر وهذا ما يخيف صاحب القصر.

أما في الخارج، فالتوسع يمنحه الفرصة لأن يقدم نفسه كزعيم للمسلمين، وعلى حساب أهم دولتين منافستين هما السعودية ومصر ولما لهما من ثقل وتاريخ للإسلام السني كمرجعية دينية وسياسية.

ما حصل بالأمس، كان انقلاباً أبيض على علمانية أتاتورك الذي جعل "آيا صوفيا" متحفاً وإرثاً حضارياً للمسيحيين، يأتي اليوم "خليفة المسلمين" ليعيده كمسجد؟

لقد أحكم أردوغان سلطته على مؤسسة الجيش وطوَعها في خدمة مشروعه كحاكم مطلق بعد أن استفرد بالمعارضة وأسكتها على غرار ما فعله بوتين في روسيا أو بشار الأسد في دمشق.

يبدو أن مشروع أردوغان يحتاج إلى عباءة "الإخوان المسلمين" وها هو يحتضنهم وينشئ تحالفاته مع الدول على قاعدة من كان صديقاً للإخوان فهو حليفي أو أظهر العداء لهم فهو خصمي!

إختار الزمن الذي أحرق فيه أوراقه بالانتساب إلى النادي الأوروبي، فإعلانه تحويل "آيا صوفيا" إلى مسجد أغلق الباب بوجهه للدخول كعضو إلى المنتدى الأوروبي.

كان مفهوماً وإلى حد كبير أيام الفتوحات الإسلامية أن تتحول المعابد الوثنية إلى مساجد، لكن فتح معركة مع الغرب والمسيحيين اليوم ستصيب مسيحيي الشرق بشرخ مؤلم وكبير.

التسمية لن تغير من طابع هذا الإرث بشيء "فآيا صوفيا" سيبقى معلماً تاريخياً. لكن المراقبين الدوليين اعتبروا القرار الأردوغاني، كأنه طعنة لمسيحيي الشرق، فالأرثوذكسية عانت الاضطهاد منذ بداياتها الأولى. ومن إمبراطور إلى إمبراطور كانت تدفع الثمن من وجودها..

اليوم لدى مسيحيي الشرق انطباع أن أردوغان يعمل على ضرب قلب الكنيسة المسيحية الشرقية، فهي التي تملك قواسم مشتركة مع الإسلام والمسلمين وتحديداً الحركات الصوفية وعندها خبرة الحياة معهم.

وإذا ما أردنا تعداد البطريركيات التقليدية التاريخية الخمسة فهي في روما وأنطاكية والقسطنطينية والإسكندرية وأورشليم، وآخرها البطريركية الروسية، من هؤلاء فإن أربع من تلك البطريركيات متواجدة في ديار الإسلام، هنا يكون السؤال مشروعاً، ما هي الرسالة التي يود أردوغان توجيهها؟

إن أكثر فئة سيلحقها الضرر من وراء هذا التوجه والقرار هي مسيحيو الشرق، والذين يدفعون الثمن تباعاً؟

الذين قرأوا رسائل أردوغان من مسيحيي الشرق توقفوا أمام هذه الاندفاعة التي قد تجرف معها ذاك الإرث الحضاري والتاريخي الذي أعطى لهذه المنطقة قيمة مضافة.

قد لا يستغرب البعض أن يكون هناك كنائس تحولت إلى مساجد، منها المسجد الأموي في دمشق، والذي كان كنيسة يوحنا المعمداني، وجامع العرب في منطقة غلاطة في إسطنبول كان كنيسة بيزنطية من القرن السادس الميلادي.

وهناك على الجانب الآخر مساجد تحولت إلى كنائس، مثل مسجد قصر الحمراء في غرناطة بالأندلس أصبح كنيسة سانتا ماريا، ومسجد قرطبة أصبح كاتدرائية ومسجد بالمردوم في طليطلة أصبح كنسية ماريا.

صحيح أن تحويل دور العبادة من دين إلى آخر مارسته الأديان، لكن ذلك ارتبط بقيام إمبراطوريات أو زوالها، وممالك جديدة غيرت معالم المناطق التي حكمتها، فماذا سيقال عن مرحلة أردوغان الآن؟

تركيا كانت مقراً للمسيحية الأرثوذكسية قبل العهد العثماني، فهل يعمل أردوغان على شطب هذا الوجه من التاريخ دون النظر إلى تبعاته الإنسانية والحضارية والتاريخ المشترك؟

فهل اللعب بالتسميات أمر محمود أم يدخل على الخط لاعبيون آخرون وينادون بأن يتم تحويل مراكز مقدسة عند المسلمين إلى متاحف؟

وتلك قصة لن تنتهي!

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم