الأحد - 27 أيلول 2020
بيروت 27 °

سد النهضة وتاريخ من توتر العلاقات بين مصر وأثيوبيا

المصدر: النهار
ماهر جبر – مصر
سد النهضة وتاريخ من توتر العلاقات بين مصر وأثيوبيا
سد النهضة وتاريخ من توتر العلاقات بين مصر وأثيوبيا
A+ A-

منذ فجر التاريخ فطن المصريون القدماء إلى أهمية النيل وعظمته، ونجد تأصيلاً لذلك فيما تركوه لنا من آثار سواء على جدران المعابد أو المقابر، فعندما كان يفيض النهر ويقل ماؤه يأمر الملك جنوده على الفور أن يتأهبوا بكامل عدتهم وعتادهم ليذهبوا ويكتشفوا سبب ذلك، ولا يعودون إلا بعد جريانه وعودة منسوبه إلى ما كان عليه، ونهر النيل من أطول الأنهار على سطح الكرة الأرضية، وله رافدان هما النيل الأبيض والنيل الأزرق، حيث إنه ينبع من هضبة الحبشة في أثيوبيا ويتجه من الجنوب إلى الشمال ليصب في البحر المتوسط ماراً بمصر.

لذا أدرك المصريون القدماء حاجتهم إلى النيل فوهبوه أجمل بناتهم ليستمر تدفقه بالخير والأمان، كما أنهم قدسوه واعتبروه إله الخصب والنماء، فلم يلوثوه، وبلغ تقديسهم له إلى حد اعتقادهم أن الميت عندما يقف للحساب يقسم أمام الآلهة أنه لم يلوث النيل وإنما حافظ عليه، بل إن ما جاء في كتاب الموتى أكد أن المتوفى كان يعلن أنه بريء من أشياء كثيرة من بينها أنه لم يلوث النيل، وإعتبر أجدادنا أن الشخص يحمل الجنسية المصرية فقط مع أول شربة من ماء النيل، أيضاً اعتنق الفرعون عقيدة مفادها أن حدود مصر ممتدة وشاملة لكل البلاد التي يشرب سكانها من مائه.\r\n

لذا ارتبط النيل بصراعات كثيرة بين دولة المنبع (أثيوبيا)، ودولة المصب (مصر)، تحَكَم في هذه الصراعات وضع مصر العسكري والاقتصادي، وتواجدها في القرن الإفريقي، فعندما كانت لها اليد الطولى هناك، لم تطل علينا هذه الصراعات برأسها، بينما برزت بقوة لدرجة تهديد مصر بتقليص حصتها من الماء عندما إنحسر دورها وغابت كليةً عن القارة السمراء تاركة هذه العلاقات الضاربة في القدم في مهب الريح.\r\n

وتاريخ العلاقات الدبلوماسية على المستوى الرسمي بين البلدين يزيد على ثمانين عاماً، وإن كانت مصر لها تواجد كبير في هذه المنطقة قبل ذلك بكثير منذ أيام محمد علي باشا، وحفيده الخديوي إسماعيل الذي كون إمبراطورية امتدت حتى مديرية الاستواء، لولا وقوف دول أوروبا ضده، بينما زاد تواجد مصر (جمال عبد الناصر) في إفريقيا عامةً، حيث ساعدت حركة تحرير إريتريا في الاستقلال عن أثيوبيا، نظراً لقيام مصر في هذه الفترة بتأييد جميع حركات التحرر الوطني في العالم كله، واستمرت العلاقات هكذا في عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي.\r\n

إلا أن بداية توتر هذه العلاقات تحديداً ظهرت على السطح منذ أيام السادات، حيث ساندت الخرطوم حركة تحرير إريتريا، وساندت أثيوبيا حركة تحرير جنوب السودان، بينما اتخذ السادات موقفاً مغايراً لعبد الناصر، فأعلن وقوفه مع السودان ما أدى إلى توتر العلاقات بين البلدين، إلا أن هذا التوتر بلغ مداه ليصل إلى ملف مياه النيل وذلك بعد إعلان السادات أنه سوف يقوم بتوصيل مياه النيل إلى سيناء لزراعة مساحة كبيرة من أراضيها، وأنه سيبني بئر زمزم لإسرائيل من مياه النيل، فيما اعتبرته أثيوبيا في حينها تهديداً لمصالحها، لذا استخدم الرئيس الإثيوبي مانغستو هيلا ماريام لهجة معادية وهدد بتحويل مجرى النهر، وقام بكسر زجاجة مملوءة بالدماء أمام البرلمان، قائلاً إن مصر ستلقى نفس المصير حال تنفيذها ما قاله السادات، ما اعتبرته مصر تجاوزاً لكل الخطوط الحمر، وتهديداً لها في أهم قضية تمس الأمن القومي المصري.\r\n

غير أن كل ما ذكر عن محاولة أثيوبيا بناء السد في عهد السادات، ثم قيام الأخير بضربه بعد لجوئه للأمم المتحدة وإنكارها وجود السد، هو قول عارٍ تماماً عن الصحة، ذلك أن فكرة بناء السد بدأت عام 1992 في عهد الرئيس مبارك، حينما طلبت أثيوبيا قرضاً من بنك التنمية الأفريقي لكنه رفض لاعتراض مصر آنذاك.\r\n

وفي عهد الرئيس مبارك بدأت العلاقات في التحسن على كل المستويات، لكنها ما لبثت أن عادت أسوأ من ذي قبل بعد تعرضه لمحاولة الاغتيال هناك عام 1995، لينهي دور مصر هناك تاركاً الساحة خاوية لأعدائها من كل مكان، ومختزلاً مصر كلها في شخصه.\r\n

يقول روبير اسكندر سفير مصر السابق في اثيوبيا إن أهل الحبشة لديهم قناعة غريبة بأن العرب لديهم بترولاً يبيعونه وهم لديهم ماء، فلماذا لا يبيعونه؟ وأنهم يشكون كثيراً من التحركات المصرية المستمرة ويظنون أن مصر قد تغزو في أي وقت من الأوقات بحيرة تانا المصدر الأساسي لمياه النيل التي تصل مصر، حيث تحصل مصر على 84% من مياه النيل منها. لذا كانوا لا يسمحون لأي مصري بزيارة البحيرة التي تعد منبع النيل الأزرق، ويؤكد أن أثيوبيا لا تستطيع قطع المياه عن مصر لأن الأراضي الأثيوبية ستغرق تماماً وكذلك أغلب الأراضي السودانية.\r\n

كذلك توترت العلاقات أيام حرب أوغادين بين أثيوبيا والصومال، لأن مصر وقفت في صف الصومال، وان كان التوتر قد زال بعد ذلك، لكن الأمور لم تعد كما كانت من قبل، فهناك هاجس على الدوام يقض مضجع الأثيوبيين منذ الخديوي اسماعيل بأن مصر تحاول غزوهم والسيطرة عليهم.\r\n

على كل الأحوال فإن الحل الأمثل في رأيي هو تفعيل وجود إدارة مشتركة للسد بعد أن أصبح واقعاً لا محالة، فتشارك في إدارته مجموعة من الخبراء المصريين تحافظ على مصالح مصر دون الإضرار بالطرف الآخر، وإلا فإن مصر أمامها أن تلجأ إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي بهولندا كوسيلة تحكيم لهذا الخلاف، أو إلى مجلس الأمن الذي وفي الغالب سيوصي بالإدارة المشتركة للسد كما قلنا.

الكلمات الدالة