الإثنين - 28 أيلول 2020
بيروت 27 °

حفلة بعلبكّ ساعةٌ للثأر والانتقام

المصدر: "النهار"
عقل العويط
عقل العويط
حفلة بعلبكّ ساعةٌ للثأر والانتقام
حفلة بعلبكّ ساعةٌ للثأر والانتقام
A+ A-

لن أكتب شعرًا في بعلبكّ وحفلتها. لن أكتب أدبًا في معبد باخوس. لن أمدح الأوركسترا الفيلهارمونيّة الوطنيّة اللبنانيّة ولا قائدها هاروت فزليان، ولا السينوغرافيا الفذّة لجان لوي مانغي، ولا الإخراج الذكيّ لباسم كريستو، ولا جبران، ولا فيروز، ولا الأخوين رحباني، ولا كارل أورف، ولا بيتهوفن، ولا غبريال يارد، ولا سترافنسكي، ولا فيردي، ولا ليد زيبلين، ولا رفيق علي أحمد، ولا سوى هؤلاء من الذين شاركوا إعدادًا وتفكيرًا وتنفيذًا وإلهامًا في إنجاح هذه "الساعة اللازمنيّة"، التي أُحِبّ أنْ أطلق عليها تسميةً خاصّةً – ساعة للثأر والانتقام - من وحي النسمة المحيية التي فاحت ليل الأحد، وسط الخراب اللبنانيّ العميم، لتعلن أنّ الحياة لن تموت هنا، لأنّها جديرةٌ بالحياة والحرّيّة.

حفلة بعلبكّ ليل الأحد، "سرقت" من الموت اللبنانيّ الرسميّ ستّين دقيقةً، كانت ساعةً للثأر والانتقام.

الثأر للبنان، والانتقام من كلّ الذين يعملون، في الداخل والخارج، في السلطة ومن خارج السلطة، وليل نهار، وبدأبٍ مستميت، على قتله، وإشهار موته.

هذا ليس مقالًا أدبيًّا، أو فنّيًّا. إنّه مقالٌ في السياسة اللبنانيّة المباشرة، ضدّ السلطة والعهد والحكم والحكومة، وضدّ الطبقة السياسيّة، وضدّ إرادة المحتلّ والوصيّ، وضدّ السلاح، وضدّ الفساد، وضدّ النهب، وضدّ الانحطاط، وضدّ أهل الموت، وثقافة الموت مطلقًا، هنا، وفي المنطقة، وفي كلّ مكانٍ من العالم.\r\n

حفلة ليل الأحد، لم أرَ فيها إلّا "مهيرة الأعالي"، كنايةً عن روح لبنان، تلك الفرس الحرون، الأبيّة، الشجاعة، الماردة، المتمرّدة، الهاشلة في براري الحلم والحرّيّة، غير القابلة للتقييد والترويض والتدجين والتركيع والإخضاع والتخضيع.\r\n

بل رأيتُ أيضًا، فخر الدين أميرًا حرًّا سيّدًا مستقلًّا، ورأيتُ معه وفي معيّته، "الجنديّ المجهول" عبّاس، كنايةً عن أهل الوفاء والإخلاص والأمانة، ورأيتُ ابنة هذا "الجنديّ المجهول"، تلك التي تحمل اسم عطر الليل، ومعها الأغنية، حيثما ذهبتْ، تنثرها عطرًا وياسمينًا وخبزًا توزّعه على الناس، ليكون نداءَ ثورةٍ تشتغل في بساتين العقل الباطن وأوديته وجباله وأحلامه الفسيحة.\r\n

في حفلة ليل الأحد، رأيتُ المحتلّ الأجنبيّ والجاسوس المحليّ والخائن والوصيّ والحاكم الطاغية.

لقد رأيتُ المحتلّ الرمزيّ (العثمانيّ) الآتي من الخارج، ورأيتُ الحاكم الطاغية في الداخل، فاتك المتسلّط، وشهدتُ الأحوال والمآلات والمصائر، واستخلصتُ العِبَر كلّها.\r\n

لا محتلّ يبقى إلى الأبد هنا، ولا وصيّ، ولا جاسوس، ولا خائن، ولا طاغية.\r\n

بل الحرّيّة هي الباقية. \r\n

هي شمس بعلبكّ، مدينة الشمس، التي تشرق على مدى تلك الساعة غير المأسورة في الزمن.\r\n

هذا ما قالته حفلة بعلبكَ، ليل الأحد.\r\n

في الحفلة تنتصر الموسيقى. وتنتصر الأغنية. وتنتصر الكلمة. وينتصر الشعر. وينتصر الحلم. وتنتصر الثورة. والمستحيل، مستحيل الاستقلال والسيادة والحرّيّة، يصير حقيقة.\r\n

وإذ أوجّه اعتذاري العظيم إلى الفنّانين الذي برعوا في إنجاح هذا العمل، لأنّي مهجوسٌ بالدلالة السياسيّة الرمزيّة التي تنطوي عليها الحفلة، دون أنْ أُظهِر جماليّات عملهم الفذّ والخلّاق، الذي نقلنا – لساعةٍ خارج الزمن - من لبنان المقبرة على أيدي المحتلّين والأوصياء والجواسيس والخونة والحكّام الطغاة والسرّاق والمرتزقة، إلى "لبنان الشاعر" الذي لا يموت، فإنّي أتوقّف خصوصًا عند الدلالة الاستثنائيّة المتمثّلة في الجيوش الالكترونيّة المليونيّة، التي التفّت حول معنى هذا العمل، ودلالاته، وإيحاءاته: ثأرًا للبنان، وانتقامًا من طغاته والقتلة.\r\n

حفلة بعلبكّ ليل الأحد، هل كانت حفلة وداعٍ للبنان، على ما كتب كُثُرٌ على صفحات التواصل الاجتماعيّ؟!\r\n

لا أريد أنْ أصدّق. لا أريد أنْ أصدّق. لا أريد أنْ أصدّق.\r\n

بل يجب أنْ لا أحد يصدّق، على رغم الموت اللبنانيّ الرسميّ العميم.\r\n

حفلة ليلة الأحد، كانت ساعةً خارج الزمن.\r\n

وكانت ساعةً للثأر والانتقام!\r\n

[email protected]

الكلمات الدالة