الثلاثاء - 29 أيلول 2020
بيروت 30 °

إعلان

"حجابي لم يحمِني"... قصص لا تروى عن التحرّش في مصر

المصدر: "النهار"
القاهرة- ياسر خليل
"حجابي لم يحمِني"... قصص لا تروى عن التحرّش في مصر
"حجابي لم يحمِني"... قصص لا تروى عن التحرّش في مصر
A+ A-
وما يعزز هذا التوجه هو آراء نشرها مشايخ ودعاة إسلاميون تقول بأن ملابس المرأة هي السبب الرئيسي في التحرش بها. لكن على الجانب الآخر بدأت أصوات غاضبة تتصاعد بقوة، رافضة هذه الرؤية التي ترسخت عبر عقود متتالية من تزايد تأثير تيارات الإسلام السياسي. وهذه الموجة الصاعدة، ترى أن الدعاة هم أساس المشكلة وهم من أشعل تلك الفتنة داخل المجتمع.

وقضية أحمد بسام زكي "متحرش الجامعة الأميركية"، قلبت المعادلة بصورة جلية، واستفزت مشاعر الكثيرين، فعلى الرغم من "تحرشه واغتصابه عشرات الفتيات" على مدار السنوات الماضية -حسبما تقول وسائل إعلام محلية، إلا أن أي منهن لم تتجرأ للحديث علانية أو تتقدم ببلاغ رسمي ضده.\r\n

نقطة تحول

من بين السيدات اللاتي استفزّهنّ الجدل الدائر، هالة صفوت، وهي شابة مصرية متخصصة في شبكات التواصل الاجتماعي. وشعورها بالاستفزاز دفعها إلى الكتابة لأول مرة عن إحدى حوادث التحرش التي تعرضت لها قبل نحو 15 عاماً، حين كانت ترتدي حجاباً طويلاً وملابس فضفاضة، وكانت "متشددة دينياً" حسب وصفها.\r\n

وتروي الشابة المصرية في تدوينتها أنها عند ذهابها إلى الجامعة، "اقترب مني فتية صغار، في المرحلة الابتدائية، ثم ضربوني من الخلف، وظلوا يضحكون بصورة مفرطة. التحرش بالنسبة لهم مدعاة للضحك. لقد تجمدت مكاني من الصدمة، وظللت أبكي لنحو نصف ساعة، أتساءل: يا رب ما الخطأ الذي فعلته؟ أرتدي تنورة لونها كحلي واسعة وفضفاضة، وغطاءين للرأس فوق بعضهما يبدوان كخمار، وملابسي تكاد تتجرجر على الأرض من فرط اتساعها".\r\n

وتقول هالة لـ"النهار": "لقد تعرضت للعديد من حوادث التحرش، لم أشعر أن حجابي يحميني، كما يروّج الدعاة والمشايخ الذين كنت استمع إليهم جميعاً تقريباً، وكانوا السبب الرئيسي في تشدّدي الديني. لم أستطع الحديث علانية يوماً، أو أتجرأ على تحرير محضر رسمي بما تعرضت له من حالات تحرّش، لأنني كنت أخشى من المجتمع، وأخاف على من حولي، وأحرص على تجنب جرح مشاعرهم".\r\n

وحين طلبت "النهار" من الشابة المصرية صورة لها كي تنشرها مع التقرير لتوضح كيف كان مظهرها محتشماً، قالت: "لم ألتقط صوراً في هذه الفترة، كنت أعتقد أن التصوير حرام، لقد كنت متشددة للغاية، يمكنكم استخدام هذه الصورة، التي ارتدي فيها غطاء للرأس وملابس واسعة، لقد التقطتها قبل قليل من اتخاذ قراري بخلع الحجاب، لأنني لم أشعر أنه يحميني من التحرش".\r\n

ثقتي ازدادت

\r\n

إيناس كمال، صحافية وكاتبة كانت ترتدي الحجاب سابقاً، ورغم تناولها للعديد من قضايا المرأة بصورة جريئة على صفحتها على موقع "فايسبوك" وفي وسائل الإعلام، أخيراً، إلا أنها تبدو متحفظة للغاية حين تتحدث عن تجربتها الشخصية مع التعرض للتحرش، خاصة خلال فترة ارتدائها الحجاب.\r\n

تقول إيناس لـ"لنهار": "لقد تعرضت كثيراً لهذه المواقف السخيفة خلال ارتدائي الحجاب، رغم أن ثيابي واسعة، وأنا طول عمري لا أرتدي ملابس ملفتة حتى بعد أن تخليت عن الحجاب. الغريب في الأمر أنني بعدما خلعت حجابي، انخفض معدل التحرش بي بصورة واضحة، ويبدو أن السبب في ذلك هو أنني بت أسير بثقة أكبر، وهو ما يجعل من يفكر في التحرش بي يعيد التفكير ألف مرة قبل أن يفعل".\r\n

وتضيف "كنت أتعرض دائماً للتحرش اللفظي وهو أقبح أنواع التحرش، ثم تجد أن أحدهم يقترب منك وكأنه يريد أن يشعرك بالتهديد، وهذا أمر سخيف ومثير للرعب أيضاً. ومن بين المرات العديدة التي تعرضت للتحرش فيها، قمت بتحرير محضر في واقعة واحدة".\r\n

"ذهبت لمعاينة شقة للإيجار، وتعرضت للتحرش من قبل البواب (حارس العقار)، وعندما ذهبت للنيابة، كنت أرتدي ذات الثياب، وقلت لوكيل النيابة، هل هذه الملابس بها ما يدعو للتحرش؟ لقد كنت أشعر بعدم الأمان أكثر مما أنا عليه الآن، الأمر بالغ السخافة أن يتحدث أحدهم ويقول إن ملابس المرأة هي السبب في التحرش بها... إنهم يكذبون".\r\n

السبب "الحقيقي"

تقول ندى عبد الله الباحثة في مجال حقوق المرأة ومؤسسة مبادرة "حقك بإيدك" ضد التحرش لـ"النهار": "السبب الرئيسي في التحرش بالمرأة بشكل عام، ليس ملابسها، ولكنه الذين روجوا للأفكار التحريضية ضد النساء، وهو تحريض له صبغة دينية، ومن بين هؤلاء عبد الله رشدي، وكذلك أبو إسحاق الحويني وغيره من شيوخ الوهابية الذين حصلوا على تمويلات ضخمة من إحدى دول الخليج المعروفة". \r\n

هؤلاء وأنصارهم، حسب رأي الباحثة "هم من أسسوا لفكرة أن المرأة عبارة عن قطعة لحم، وجسدها فتنة، وجسدها ليس ملكا لها، ولكنه ملك زوجها وعائلتها والمجتمع، وشرف المرأة ينحصر في غشاء البكارة وفي جسدها، أما شرف الرجل ففي كلمته". \r\n

"هؤلاء المحرّضون، حملوا المرأة التي لا ترتدي الملابس وفقاً للكتالوج الذي روّجوا له (في إشارة للنقاب أو الحجاب)، مسؤولية التحرش" تقول ندى، "وما يكذّب إدعاءاتهم، أنه على سبيل المثال، أفغانستان والسعودية، ونحن نرى أن النساء هناك تغطى من أعلى رأسها وحتى أخمص قدميها، ومع هذا فإن أعلى معدلات التحرش والاغتصاب والعنف ضد المرأة في العالم تحدث في تلك الدول التي تتحدث باسم الدين، والدين بريء من ذلك".\r\n

حتى المنقّبات


رامي يحيى هو كاتب ساخر وشاعر، نشأ في أسرة سلفية التوجه، وكان هو نفسه متشدداً دينياً في مرحلة مبكرة من شبابه، قبل أن يتحول إلى واحد من أشد منتقدي تيارات الإسلام السياسي والتشدد الديني في مصر، وكانت نساء أسرته يرتدين النقاب، على ما يسمى محلفة، وهي ثياب فضفاضة للغاية، وغالباً يكون لونها أسود.\r\n

ويقول رامي لـ"النهار": "ارتدت أختي النقاب في فترة التسعينات، ولم تسلم يوماً من المعاكسات، ووقوف السيارات ودعوتها للركوب بها، والتلويح لها بالنقود، أو بالأعضاء التناسلية من قبل قادة تلك السيارات في بعض الأحيان".\r\n

ويضيف رامي: "كتبت مقالاً حول التحرش الجماعي الذي تعرضت له فتاة المنصورة، قبل نحو شهر، وقلت خلاله إن السائد اليوم هو لوم الضحية، والتوقع بأنها لا بد أن تكون ارتكبت خطأً تسبب في التحرش بها".\r\n

"الناس هنا يبحثون عن الخطأ الذي ارتكبته الأنثى، ما جعل الرجل أو الرجال يتحرشون بها"، يقول الكاتب الساخر، "يتساءلون: ما الذي كانت ترتديه؟ كم كانت الساعة؟، أين كانت تسير؟ مع من كانت؟ وكل حالة من تلك الحالات لها تهمة جاهزة. فإذا كانت ترتدي ثياباً قصيرة فهي شمال (عاهرة)، أما إذا كانت ملابسها طويلة، فلابد أنها كانت ضيقة، وإذا كانت ترتدي النقاب، فلا شك في أن عينيها هي السبب".\r\n

الكلمات الدالة