الجمعة - 18 أيلول 2020
بيروت 30 °

بروباغندا فارغة في السرايا... فوق جُثّة الاقتصاد

المصدر: النهار
مجد بو مجاهد
Bookmark
بروباغندا فارغة في السرايا... فوق جُثّة الاقتصاد
بروباغندا فارغة في السرايا... فوق جُثّة الاقتصاد
A+ A-

ما حصل في السرايا الحكوميّة خلال الساعات الأخيرة كان أشبه بخطوة إضافية في الترويج لبروباغندا إعلانية فارغة في سياق الحملة الدعائية المغلوطة التي يروّجها "حزب الله" تحت مسمّى "التوجّه شرقاً"، والتي شرح اقتصاديون الكثير عن عدم صحتها بالدلائل العلميّة التي تدحض ما يروّج له محور الممانعة من تصورات لا تتلاقى مع المنطق العلمي في ظلّ أسلوب قرع الطناجر الفارغة. الهجوم الذي ساقه رئيس الحكومة حسان دياب في الساعات الماضية، كان ترافق مع حراك أوعز إليه "حزب الله" سابقاً تحت مسمى "التوجه شرقاً".

لكن لماذا كلّ ما يدور في السرايا من لقاءات، لا يمكن صرفه على أساس نتائج ملموسة؟ ببساطة لأن المشاريع تحتاج أرضية اقتصادية سليمة ولا يمكن إغفال إصلاح الاقتصاد أولاً في ظلّ دولة مفتقرة إلى الإمكانات المادية وهي تحتاج قبل أي شيء إلى سيولة دولارية. أما التهليل لمشاريع يروّج لها بعض الوزراء مع الصين في مجالات الكهرباء وسكة الحديد على طريقة نظام عقد الـ B.O.T، فقد كانت مدعاة استغراب لدى مراجع مالية قرأت ما يحصل على أنه حملة دعائية لا أكثر، في قولها لـ"النهار" إنه "في الوضع الاقتصادي اللبناني الحالي ليس في مقدور المواطن أو الدولة أن يدفع مستحقات، متسائلة كيف يمكن استثمار مشروع الكهرباء على سبيل المثال لحساب الصين الخاص وممّن ستتقاضى الجباية؟ من المواطن مباشرة أو من الدولة؟ وكيف ستؤمّن العملة الصعبة (الدولار) من الدولة أو من المواطن في ظل الوضع الاقتصادي الحالي؟".

تضيء هذه المعادلة على إحدى ركائز نظام عقد الـB.O.T المتمثلة بتحويل الأرباح الناتجة عن المشاريع إلى الخارج على مدى سنوات حتى انتهاء مدة الامتياز. ولكن عن أي أرباح نتحدث في ظل حكومة تريد الركض على رجل مكسورة قبل أن تعمل على معالجة الانزلاق الاقتصادي ومداواته أولاً قبل التفكير في "ماراثون" المشاريع؟ وأبعد من ذلك، فإن الوضع اللبناني المفتقر إلى الاستقرار في ظل أزمات سياسية كبيرة والاتجاه أكثر نحو الانسلاخ عن المجتمع الدولي، لا يساهم في اجتذاب استثمارات ورساميل بشكل عام وسيحوّل البلاد إلى أرض معزولة، فيما يعتبر الاستقرار والانفتاح من أبرز شرايين الحياة الاقتصادية.

المثير للقلق أن تجربة الصين مع دول العالم الثالث ليست مشجعة، لناحية ما عرف بتجربة "فخّ الديون". ومن الأمثلة ما كان أبلغه رئيس الوزراء الماليزي محمد مهاتير في العاصمة الصينية بأن بلاده ألغت ثلاثة مشاريع اقتصادية عملاقة كانت ستمولها بيجينغ، مؤكداً أن الموضوع يتعلق في عدم قدرة كوالالومبور على السداد. وكذلك فعلت سيراليون بعد إلغائها مشروعاً بتمويل صيني لبناء مطار.

أين تكمن خطورة ما تقترفه الحكومة أيضاً؟ تفيد المعلومات بأن المفاوضات توقفت في المرحلة الراهنة بين الحكومة وصندوق النقد الدولي الذي طلب برنامجاً جدياً للتفاوض وركّز على ضرورة اعتماد الجدية في إصلاحات قطاع الكهرباء خصوصاً، لأن الاستمرار على الوتيرة الحالية مجرّد مضيعة وقت. وتقول مصادر مواكبة لـ"النهار" إن حلقات المفاوضات المتوقفة حالياً من المستبعد استئنافها مجدداً إلا من خلال تحقيق نتائج ملموسة من قبل الحكومة أو عبر تشكيل حكومة جديدة لأن المطلوب مادة للتفاوض غير حاضرة على الطاولة.

في سياق آخر ومن منطلق عام، تحتّم الواقعية العالمية القول إن أي شركة تريد الدخول إلى لبنان تحتاج إلى ضمانات على اختلاف العقود، وإن أي تسهيلات مقدّمة مرتبطة بقدرة الدولة على تسديد المستحقات خصوصاً إذا كانت الشركة ستستثمر في قطاع عام. ويكمن الشرط الثاني في توافر العملة الصعبة (الدولار) للدفع، في وقت يتساءل فيه اقتصاديون لماذا تستثمر شركات جديدة في بلد متخلّف عن دفع ديونه؟! ويتمثل الشرط الثالث في القوانين إذ يحتاج أي مستثمر إلى حماية قانونية في زمن يشهد فيه لبنان تردد الشركات في المجيء إليه (الصناعية على وجه الخصوص) لأن الاستثمار بمشاريع ضخمة يحتاج إلى حماية وضمانات قانونية.

إذاً ما يفوت "حزب الله" عملياً، هو الإدراك بأن للاقتصاد قواعد علمية ولا يمكن التعامل معه على أساس تصوّرات وهمية من شأنها أن تجرّ لبنان نحو نماذج شبيهة بطهران وأريتريا. والسؤال الذي يطرح على لسان اقتصاديين وسياسيين في هذا الاطار: لماذا لا يعمل "الحزب" على تأمين هبة أو مساعدة مالية ضخمة أو وديعة في المصرف المركزي من قبل إحدى دول "الشرق" التي يعمد إلى إنتاج حملة إعلانية مسوّقة لها؟! وهل باستطاعة إحدى هذه الدول أو في نيتها تقديم هبة من هذا النوع؟ سبق لمحور الممانعة أن سوّق لخبرية من هذا النوع عند ولادة الحكومة ولم يرشح عنها نتائج!

التاريخ يقول بأن الدول التي قدّمت المساعدات والهبات الغنية للبنان واحتضنته، تمثلت بالولايات المتحدة الأميركية التي منحت لبنان مساعدات بقيمة 5 مليارات دولار في آخر 5 سنوات، وفي دول الخليج العربي وعدد من الدول الأوروبية.

[email protected]

الكلمات الدالة