02-07-2020 | 22:24
15 عامًا على غياب الموسيقي توفيق الباشا الكبير بين الكبار سكن الحاضر والآتي وصار في تاريخنا قمراً للحكايات والسهر
15 عامًا على غياب الموسيقي توفيق الباشا الكبير بين الكبار سكن الحاضر والآتي وصار في تاريخنا قمراً للحكايات والسهر
Smaller Bigger

الموسيقي والمايسترو توفيق الباشا (1924-2005) هو رائد من رواد الموسيقى العربية في لبنان. ترك تراثاً غنياً في الموسيقى والفن والنتاج الاذاعي والتلفزيوني. ساهم مساهمة فعالة في نهضة الأغنية اللبنانية وأسّس مدرسة موسيقية مهمة تخرّجت على يديه فيها أعداد من الموسيقيين والفنانين. وهو أحد نجوم الإذاعة اللبنانية اللامعين (في عصرها الذهبي) وحارس هيكلها الأمين لعقود.

ولد في بيروت في العام 1924 وكان يستمع في منزله الوالدي في رأس النبع بواسطة الفونوغراف إلى اسطوانات أم كلثوم وعبد الوهاب وسيد درويش وابو العلا محمد ومحمد عثمان وغيرهم. ولكن ما كان يشد انتباه توفيق حقاً هي اسطوانات الموسيقى البحتة المتضمنة البشارف والتقاسيم واللونغات وغيرها. تأثر في طفولته بخاله الرسام والموسيقي خليل مكنية الذي دعمه وشجعه على ارتياد طريق المجد الصعب. وبتأثير من خاله أيضاً انتمى باكراً إلى صفوف النهضة القومية الاجتماعية.

ذات مرة ترنم توفيق الطفل بمعزوفة موسيقية (بشرف) فدعاه خاله إلى اسماع ضيوفه الترنيمة، ففعل بانسجام تام ودقة في الأداء ما أقنع الجميع بضرورة تعليمه الموسيقى خلافاً لإرادة والده الذي كان يريده مهندساً. وفي امسية ثانية سمعه زكي ناصيف صديق العائلة يغني "افرح يا قلبي" فاقترح على خاله ضرورة تعليمه الموسيقى لبيان موهبته. كل شيء كان مهيأ له ليتوجه نحو العزف والتلحين. ويتذكر شقيقه الفنان الراحل أمين الباشا انه "في طفولته كان يمضي وقته في رصف القناني ثم يعزف عليها بملعقته مستمتعاً بما تصدره من أصوات. وكانت تلك صلته الأولى بالموسيقى. إلى ذلك كان يستمتع بالاسطوانات اليابانية والموسيقى الكلاسيكية وكبار الفنانين المصريين". كما يروي أمين حواراً غريباً مع شقيقه توفيق وهو على فراش المرض، إذ قال توفيق: "هل تعلم يا أمين انني كنت أحلم أن أكون رساماً؟" فردّ أمين: "وكم حلمت أن أكون موسيقياً".

منذ بدايته أدرك توفيق أن دوره يكمن في التأليف الموسيقي، فالتحق بالمعهد الموسيقي للجامعة الأميركية في بيروت عازفاً على آلة التشيللو ودارساً على يد أستاذ روسي اسمه ألكسي كوغل (من الروس البيض درس على يديه زكي ناصيف والمؤرخ كمال الصليبي وشقيقه سامي)، ثم تابع على يد الفرنسي برتران روبيار دراسة مادة التأليف الموسيقي. اقام توفيق الباشا العديد من الحفلات في مدارس بيروت وجامعاتها وانديتها وكان فيها المعدّ والموزع والمايسترو. في العام 1949 عهدت إليه إدارة القسم الموسيقي في إذاعة القدس. ولكن أهم ما حصل في الإذاعة تعرفه فيها إلى المسز كوك السيدة الأميركية المحبة للشرق وروحانيته والمتصوفين الكبار. وكان همها السعي للتوفيق بين الباليه والموضوعات الدينية، ولديها فكرة إطلاق لوحة عن مولد الرسول. سمعتْ بالمصادفة عن عمل غنائي جماعي من الأجواء الصوفية لتوفيق الباشا. سمعتْ وصرخت: "هذا هو الرجل". تفرغ الباشا لكتابة المشهد على وقع "ولد الهدى" ثم مشهد الإسراء والمعراج وأصابت الفكرة نجاحاً. التحق الباشا بفرقة الباليه للشرق الأوسط والبلاد العربية كمؤلف موسيقي ومايسترو، محققاً الفوز. وقدم في فرقة المسز كوك الأعمال التي شكلت مقدمات لعمله الكبير، "الانشادية النبوية". قدمت الفرقة أعمالها على مسارح القاهرة وبغداد والقدس ودمشق وفي مومباي وكلكوتا ونيودلهي.

كان توفيق الباشا في بداية الخمسينات من عصبة الخمسة (مع عاصي ومنصور رحباني وزكي ناصيف وتوفيق سكر الذي حلّ محله عبد الغني شعبان لاحقاً) وكان يعتبر دائماً أن استاذه الروحي في الموسيقى هو سيد درويش. ويرى أن الفنان لديه مهمتان: الإنتاج وترك اثر إنساني على الإنسان. وهذا اللقب أطلق عليهم بعد خوضهم المعارك ضد التقليديين وكانت الغلبة لهم أي للتجديديين.

في العام 1953 تسلم مسؤولية الإنتاج الموسيقي في إذاعة الشرق الأدنى حتى توقفها في العام 1956 اثر العدوان الثلاثي على مصر. عاد توفيق إلى بيروت عام 1957 والتحق بالاذاعة اللبنانية وتسلم فيها الدائرة الموسيقية بقسميها الشرقي والغربي. وبقي في موقعه 24 عاماً مع انجازات في التجهيز والتنظيم وتجديد الأغنية اللبنانية ورفع مستوى الفن ومعاييره في لبنان، واعداد فرقة موسيقية غدت عمدة المهرجانات اللبنانية وواسطتها.