الثلاثاء - 07 كانون الأول 2021
بيروت 19 °

إعلان

أرشيف "النهار" - بعد انتخابات صيف 1992 بمن حضر، لوائح محضرة لانتخابات صيف 1996

المصدر: أرشيف "النهار"
A+ A-

نستعيد في #أرشيف_النهار مقالاً كتبه اميل خوري بتاريخ 2 نيسان 1996، حمل عنوان "بعد انتخابات صيف 1992 بمن حضر، لوائح محضرة لانتخابات صيف 1996... الأكثرية الوزارية والنيابية تؤيد اعتماد المحافظة دائرة انتخابية، لا مبرر لتغيير الحكومة إلا إذا طرأ اتفاق على حكومة ائتلافية".

اذا كانت انتخابات صيف 1992 جرت بمن حضر وانبثق منها مجلس نيابي لا يمثل كل الجسم السياسي في البلاد بفعل المقاطعة، فان انتخابات صيف 1996 قد تكون انتخابات لوائح محضرة ينبثق منها مجلس نيابي يعرف شكله سلفا من خلال التحالفات التي تتدخل الجهات النافذة لاقامتها، وان جمعت فيها متخاصمين ومرشحين غير متجانسين ولمجرد "رفقة الطريق" من اجل قطع الطريق على من تعتبر هذه الجهات انهم خصومها ولتحارب وصولهم الى النيابة، ما لم يخضعوا لها ويصبحوا تحت سقفها. لذلك لن تكون المعركة معركة انتخابات بمعناها الحقيقي، بل معركة تأليف لوائح يكون للسلطة ومن وراءها وامامها اليد الطولى في تركيبها. واذا كانت الدائرة الصغرى المتمثلة بالقضاء قد استبعدت فلتسهيل مهمة من "يفبرك" نوابا من خلال تأليف اللوائح لأن المرشح القوي في الدائرة الصغرى او القضاء لن تستطيع المداخلات اسقاطه، وليس لتأليف اللوائح فيها دور اساسي كما في الدائرة الكبرى.

ومن اجل ان يبقى تأليف اللوائح هو الأساس في الانتخابات المقبلة، طرحت فكرة لبنان كله دائرة واحدة ولما تبين انها فكرة يصعب هضمها، طرحت فكرة اجراء الانتخابات على مرحلتين: القضاء اولا ولبنان كله ثانيا علها تكون اكثر قبولا وترغيبا، وذلك بادخال المرشحين من باب القضاء ومن ثم اخراج غير المرغوب فيهم من باب لبنان كله دائرة واحدة. انتخابات للتعيين ولاغراء المعارضين وجعلهم يقبلون بهذه الفكرة، طرحت في التداول اسماء عدد منهم لادخالها اللائحة على مستوى لبنان، فيتحقق التوازن السياسي المفقود ويتأمن فوز هذه اللائحة بسهولة وربما بشبه تزكية اذا تعذر تشكيل لائحة منافسة. فتكون الانتخابات على هذا النحو اشبه بالتعيين على غرار ما هو جار في معظم دول المحيط.

ويعتبر الرئيس الهراوي ان اقتراحه يضمن دخول عدد من المعارضين المسيحيين المقبولين سوريا مجلس النواب العتيد ويحقق التوازن السياسي الذي صار مفقودا بفعل مقاطعة الانتخابات الماضية، ويغلب تيار الاعتدال داخل المجلس. ويضيف ان الاصرار على رفض اقتراحه سوف يجعل المعارضين باتجاهاتهم المتعددة يواجهون انتخابات صعبة على مستوى المحافظة حتى في جبل لبنان، لأن اللائحة التي سيتم تأليفها سوف تضم جميع المرشحين الاقوياء، ولان الجهات النافذة سوف تتدخل لتجمع فيها جميع المتخاصمين من حلفائها ولكي تقطع الطريق على امكان تشكيل لائحة منافسة لها من المعارضين الذين يخاصمونها، اذ ان لائحة تجمع فاعليات اساسية في كل قضاء تكفي لتبديد مخاوف وزراء ونواب من اصوات المسيحيين في الجبل، فاذا ضمت اللائحة جنبلاط وارسلان والمر ولحود وحلو وبويز والخازن وغيرهم، يصبح من الصعب تشكيل لائحة مكتملة تنافسها، باعتبار ان المرشحين البارزين من دروز وسنة وشيعة سوف تضمهم لائحة السلطة. وربما ان الانتخابات النيابية المقبلة سوف تجرى اما على اساس اقتراح الرئيس الهراوي معدلا واما على اساس المحافظة عند استبعاد هذا الاقتراح، فان سوريا لن تميز بين الاقتراحين ما دام لا بحث في جعل القضاء دائرة انتخابية ولا تقسيم للمحافظات اذا كان سيثير خلافا بين حلفائها او يتخذ منه المعارضون ذريعة لتكرار المقاطعة ورفع شعار ضرورة ان يكون هذا التقسيم شاملا وواحدا ومتوازنا.

فما يهم سوريا هو تجنب حصول ازمة تقسيمات او ازمة تحالفات بين الصف الواحد، يفيد منها المعارضون المخاصمون لها. ولا تمانع سوريا، تحقيقا للتوازن السياسي المشكو من خلله، في ضم معارضين الى لوائح السلطة، اذا كانوا من اهل النظام والطائف، ولا يضمرون العداء والخصومة لسوريا، بل اصبحوا في موقع آخر بسبب ظروف الانتخابات الماضية وملابساتها، وحتى من معارضين لاتفاق الطائف وللحكم القائم، بشرط ان يسلموا بالواقع الناشىء عن الظروف الاقليمية والتعاطي معه بدون عداء الى ان تتغير هذه الظروف فيتغير معها هذا الواقع بصورة طبيعية وهادئة، وعدم استباق ذلك بمواقف عدائية واستفزازية كما يفعل بعضهم منذ مدة. ويرى المراقبون ان الانتخابات النيابية المقبلة تدور في اطار صفقات وبازارات سياسية، سواء في تقسيم الدوائر وفي تأليف اللوائح، وان لا سبيل الى الاعتراض على ذلك ولا الطعن به. فالمجلس الدستوري الذي تشكل وبات المرجع الصالح للطعن في صحة الانتخابات لا علاقة له بتقسيم الدوائر ولا بتأليف اللوائح اذا حصل تدخل فيها، وتنحصر صلاحيته في التأكد من صحة الانتخابات وعدم حصول تلاعب او تزوير في صناديق الاقتراع او في فرز الاوراق واعلان النتائج. لذلك لن ترتكب السلطة ومن يديرها خطأ التلاعب والتزوير الفاضح خلال العملية الانتخابية لئلا يطعن في صحتها، ما دامت تستطيع ان تصل الى غايتها من خلال تقسيم الدوائر والتدخل في تأليف اللوائح.

مطالب المعارضة لن تستجاب اما ما يطالب به المعارضون من اجل ضمان حرية الناخب وسلامة الانتخابات ونزاهتها، سواء ما يتعلق باعتماد البطاقة الانتخابية وتشكيل حكومة ائتلافية، او بجعل القضاء دائرة انتخابية تحقيقا للتمثيل السياسي الصحيح، فلا شيء منه سوف يستجاب، حتى ان بطاقة الهوية الممغنطة التي لا يمكن تزويرها، يتطلب توزيعها 16 شهرا، اي الى ما بعد الانتخابات لتبقى الهويات واخراجات القيد المزورة قابلة للاعتماد في الانتخابات المقبلة، ولو ان السلطة كانت عازمة فعلا على اجراء انتخابات حرة ونزيهة لاستكملت وضع البطاقة الانتخابية وتوزيعها قبل موعد الانتخابات، او أقله لوزعت بطاقة الهوية الجديدة للحؤول دون حصول تلاعب وتزوير. وزارة الداخلية ضمان؟ اما مطالبة فريق من النواب بتشكيل حكو،مة حيادية للاشراف على الانتخابات فلا تلقى تجاوبا من المعارضين الذين يفضلون بقاء الحكومة الحالية لكي تتحمل مسؤولياتها على حكومة تسمى "حيادية" وتشكل في النتيجة غطاء الارتكابات وتجاوزات تعجز عن منعها،، وفي رأيهم ان لا مبرر لتغيير الحكومة الحالية الا اذا تم اتفاق على تأليف حكومة ائتلافية تضم ممثلين لكل الاحزاب والتيارات وتستطيع ان توحي الثقة والطمأنينة لجميع المرشحين، وان تحول دون حصول ارتكابات وتجاوزات، لأن المراقبة الدقيقة لسير عملية الانتخاب تكون منها وفيها ووزارة الداخلية هي الاساس في حكومة الانتخابات. فعندما تم تزوير الانتخابات في 25 ايار 1947 ولم يصدر رد فعل عن صبري حماده الذي كان وزيرا للداخلية، استقال كميل شمعون من الوزارة احتجاجا، وكذلك استقال هنري فرعون بصفته وزير دولة مكلفا الاشراف على الشؤون الانتخابية عندما شعر بأن الجو الانتخابي العام غير سليم. وكانت الدولة كلما ارادت ان توحي انها حريصة على اجراء انتخابات حرة، تأتي بالحاج حسين العويني لرئاسة الحكومة التي تشرف عليها.

وعندما كان تقي الدين الصلح وزيرا للداخلية في عهد الرئيس شارل حلو واشرف على انتخابات فرعية جرت في منطقة جبيل وفاز فيها العميد ريمون اده، تعرض لعتب "الشهابيين" ولومهم لانه وقف بحزم ضد اي تدخل في تلك الانتخابات وراح بعضهم يصفه ب"التقي الوفي" اشارة الى انه لم يكن وفيا لهم فقدم الواجب والضمير على الصداقات والعلاقات الشخصية. وعندما تولى سليمان فرنجية وزارة الداخلية في الحكومة التي اشرفت على انتخابات 1968 اطمأن خصوم المكتب الثاني واركان "الحلف الثلاثي" الى ان الانتخابات ستجرى في أجواء حرة ونزيهة، وهو ما حصل فعلا. فكانت النتيجة ان اكتسح مرشحو "الحلف" كل الجبل. والسؤال الان هو: في اي اجواء ستجرى الانتخابات النيابية المقبلة، ومن سيضمن نزاهتها والحياد فيها ويؤمن لها المناخات السليمة الصافية البعيدة من اي شكل من اشكال التدخل لكي يقول الشعب كلمته بحرية ويعبر عن رأيه وارادته بدون ضغط او اكراه؟

اميل خوري

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم