الأحد - 20 أيلول 2020
بيروت 31 °

المدارس الخاصة أمام تحدي الاستمرار: الأهالي لا يسدّدون الأقساط، المعلمون لا يقبضون والتلامذة متروكون للمجهول

غسان حجار @ghassanhajjar
Bookmark
المدارس الخاصة أمام تحدي الاستمرار: الأهالي لا يسدّدون الأقساط، المعلمون لا يقبضون والتلامذة متروكون للمجهول
المدارس الخاصة أمام تحدي الاستمرار: الأهالي لا يسدّدون الأقساط، المعلمون لا يقبضون والتلامذة متروكون للمجهول
A+ A-

لم تعد الأزمة المدرسية تقتصر على العام الدراسي 2019 – 2020 الذي يكاد ينطوي في الأيام المقبلة مع انتهاء السنة الدراسية "أونلاين" وما تركته من تداعيات، بل إن الأزمة الحقيقية تكمن في السنة الدراسية المقبلة 2020 – 2021 في ضوء جملة من التحديات التي تتجاوز مصاعب الحرب ومطباتها، إذ إنها تهدد مدارس كثيرة، وتصيب التعليم الخاص، الدعامة الحقيقية للتربية، في الصميم. أن تقفل مدرسة في بيروت أو في المتن وكسروان وطرابلس وصيدا ليس أمراً مهماً، إذ إن المدن والأقضية المكتظة شهدت طفرة في المدارس، ويمكن التلامذة الانتقال من مدرسة الى أخرى، أما في القرى والمناطق البعيدة، فإن إقفال مدرسة يعني تشريد التلامذة، ودفع ذويهم الى النزوح بحثاً عن ملجأ تربوي آمن لأبنائهم، بعيداً من المدرسة الرسمية الفاشلة، الا في المرحلة الثانية، سواء وافق المعنيون على هذا التوصيف أم اعترضوا عليه. أمام هذا الواقع، فإن المشهد للعام الدراسي المقبل، سيكون مختلفاً، والواقع الديموغرافي للمناطق قد يتغيّر جذرياً، إذا لم تتوافر الحلول، وهي صعبة ومعقدة، في الواقع الراهن للخزينة اللبنانية.

في لقاء تربوي – إعلامي في الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية طُرحت المشكلات والتحديات، والتي أفضت الى سؤال أساسي: "ماذا ستفعل المدارس الخاصة للعام الدراسي 2020 – 2021؟". وعن هذا السؤال يتفرع سؤالان أساسيان: ماذا لو استمرت جائحة كورونا، وما هي الاجراءات التي ستتبع في ضوء نجاح نسبي لتجربة الدراسة من بعد (أونلاين) التي لم تكن مدارس كثيرة تهيأت لها، وخصوصاً مع ضعف الانترنت في لبنان؟

والسؤال الثاني الأبرز: ماذا ستفعل المدارس في ظل الضائقة المالية وتمنّع الأهل عن سداد الأقساط وعجز المدارس عن دفع الرواتب وتوفير المصاريف الأخرى؟

يقول الأمين العام للمدارس الكاثوليكية الأب بطرس عازار إن الهجوم على المدارس ينمّ عن عدم معرفة، فالأرقام واضحة، وهي خير دليل على الأزمة التي يواجهها القطاع التربوي في لبنان عموماً.

فالمدرسة الخاصة تقوم بعمل جبار، وتخفف الأعباء عن الدولة، إذ إن ثلثي تلامذة لبنان يدرسون في القطاع الخاص، ويتلقون التعليم الأفضل. يبلغ عدد تلامذة لبنان 1072350، يستوعب منهم التعليم الرسمي 343753 تلميذاً فقط. (رسم بياني 1) ولا قدرة لديه على استيعاب الأعداد الأخرى فيما لو أقفلت المدارس الخاصة. وبدل أن تعمد الحكومات المتعاقبة الى دعم تلك المدارس لضمان حسن تعليم اللبنانيين، تراها تضيّق عليها الخناق، سواء بسلسلة رتب ورواتب أرهقت الموازنات، أو بدرجات لم تتمكن المدارس من دفعها، أو بتشريعات أخرى توحي أن الدولة تنتقم من المدارس الخاصة بدلاً من تكريمها ودعمها. وقد أدت تلك التشريعات الى وضع إدارات المدارس في مواجهة مع المعلمين، ومع الأهالي، ومع الرأي العام.

ويشير الى أن عدد المدارس الكاثوليكية في لبنان يبلغ 329 تتوزع على كل أقضية لبنان ما عدا حاصبيا، وتضم 184010 تلامذة 27 في المئة منهم غير مسيحيين، و13 في المئة غير كاثوليك، (رسم بياني 2 و3) "ولا تميز مدارسنا بين منطقة وأخرى، علماً أنها تراكم الخسائر في مدارس الأرياف والمناطق البعيدة حيث عدد التلامذة قليل، لكنها حريصة على استمرار الرسالة التربوية في تلك المناطق، ما يجعل الأهالي يتشبثون بأرضهم وبقراهم".

ويوضح أن نسبة تحصيل الأقساط لم تكن حتى تاريخ منتصف أيار، قد تجاوزت 39 في المئة للفصل الأول و10 في المئة للفصل الثاني، أما الفصل الثالث فقد عمدت معظم المدارس الى الغائه شرط تسديد المستحقات السابقة. لكن الأزمة الخانقة من جهة، و"اتكال" الأهالي على رسالة المدرسة من جهة ثانية، يجعلان التمنع عن الدفع كأنه أمر طبيعي.

تبين الارقام إن متوسط القسط السنوي في المدارس الكاثوليكية يبلغ 5 ملايين ليرة، وهو غير كاف لتكديس الثروات كما يروج البعض، إذ إن تحديد الأقسام محكوم بالقانون الذي يحدد الموازنة التي تتوزع على 65 في المئة للرواتب، و35 في المئة للتشغيل والصيانة ومصاريف أخرى. لكن واقع الحال جعل حصة الرواتب تبلغ ما بين 80 و85 في المئة من الموازنة، واقتصرت المصاريف التشغيلية على 15 في المئة، ما جعل مدارس كثيرة في حالة عجز وعدم قدرة على المتابعة. وقد لجأت رهبانيات الى تغذية مدارس الأطراف من احتياطها الديري لضمان استمرارها.

يذكر عازار أن 5 في المئة من التلامذة معفيون من القسط لأنهم أبناء المعلمين، و7,2 في المئة هو مجموع المنح المدرسية الكاملة، و12 في المئة نسبة المبالغ غير المحصلة، ما يجعل نحو 25 في المئة من التلامذة لا يسددون أقساطهم. وهذه الأرقام لا تلحظها الموازنات السنوية التي تفترض أن كل المبالغ محصلة. (رسم 4)

حيال هذا الواقع، تنسق ادارات المؤسسات التربوية الخاصة في ما بينها من ضمن الاتحاد الذي يجمعها، وقد أطلقت نداءات عدة ووجهت رسائل الى المعنيين، للتفاوض في ما يمكن أن تقدمه الدولة من حلول قبل وقوع الكارثة، إذ إن مؤسسات كثيرة بدأت تدرس إمكان إقفال مدارس صغيرة، أو دمج بعضها بالبعض الآخر، ما يحمّل الأهالي أعباء الانتقال الى أماكن أكثر بُعداً.

وقد حضر للغاية وفد من اتحاد المؤسسات التربوية اجتماعاً في بكركي ضم، الى البطريرك بشارة الراعي، أعضاء اللجنة التنفيذية لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك، واللجنة الأسقفية للمدارس الكاثوليكية، ولجنة الرؤساء العامين والرئيسات العامات للرهبانيات ونقابة المعلمين وممثلين عن لجان الأهل، وخلص الى اطلاق "نداء بكركي لإنقاذ التعليم في لبنان" الذي "استنكر إهمال الدولة المزمن للقطاع التربوي بشقيه العام والخاص"، واعتبر "أن المقررات التي لا تراعي خصوصية القطاع التربوي الخاص ولا تحترم وحدة مكوناته أوصلتنا هذه السنة الى مأزق اداري وتربوي ولوجستي ومادي، وحكمت على السنة الدراسية المقبلة 2020 – 2021 بالدخول في المجهول".

وحذر النداء الدولة من "مغبة عدم التجاوب السريع مع المطالب في مهلة شهر من تاريخه، والتلكؤ عن ايجاد الحلول التي تساهم في الحفاظ على الأسرة التربوية مجتمعة"، محملاً إياها "مسؤولية التداعيات الخطيرة التي يمكن أن تقع والتي تنذر بتعثر وإقفال العديد من مدارسنا مع بداية السنة الجديدة، وبالتالي توقع انهيار منظومة التعليم".

تقول رئيسة مدرسة العائلة المقدسة (الفرنسية) في الفنار الأم كليمنص الحداد لـ"النهار" إن التضامن لتجاوز "نكبة" العام الدراسي المنصرم، إن توافر، لا يلغي المشكلة الحقيقية التي تطرح مصير المدارس ومستقبلها. وتتوزع المشكلة على محاور عدة:

- المحور الأول أن احتياط المدارس نفد في الأشهر الاخيرة، اذ إن الدفع المتقطع بدأ منذ رأس السنة، فيما لم تكن الادارات قد استوفت كامل القسط الأول. وعليه فإن لا قدرة للمدارس على سداد متوجباتها منذ اليوم، وهو الأمر الذي يسيء الى العلاقة مع المعلمين والموظفين الذين يريدون تقاضي رواتبهم، وهي حق لهم. وهذا الانقطاع عن الدفع، أو التأخر أو التقصير فيه سيولّد مشكلات قد تبلغ القضاء والانفصال.

- المحور الثاني: ان المدارس باتت ملزمة تخفيف الأعباء، وبالتالي تقليص عدد الموظفين والمعلمين، وهو ما ينعكس سلباً على أوضاع المصروفين، إذ إنهم يعيلون عائلاتهم، ولا امكان لديهم حالياً لايجاد فرص عمل أخرى في ظل الضائقة المعيشية والاقتصادية.

- المحور الثالث: ان مستوى التعليم قد يُضرب أو يتراجع اذا اضطرت مدارس الى الاستغناء عن ذوي الخبرة والكفاءة، أو عجزت عن سداد الرواتب، لأن المعلمين هم من ذوي الدخل المحدود، ولن يكونوا قادرين على العمل وفق ما هو مطلوب، إذا كانوا يعانون في معيشتهم.

- المحور الرابع: التلامذة والأهل. فالأهالي في قطاعات كثيرة باتوا عاجزين ولا يتقاضون رواتبهم، وهذا الوضع المستجد سينعكس على الاستقرار العائلي، وعلى نفسية الأولاد إن في المنزل، أو في المدرسة. وحالة اللاإستقرار النفسي والاجتماعي ستؤثر سلباً على العملية التعليمية.

أمام هذه الوقائع، تقول الأخت الحداد، انه لا بد من تضامن مجتمعي كبير ولا بد من أن تتحمل الدولة مسؤوليتها، ليس تجاه المدارس فحسب، وإنما تجاه اللبنانيين، العاطلين عن العمل، والعاجزين عن تعليم أبنائهم. والدولة حينما أقرت إلزامية التعليم، وتبنت التوصيات الدولية في هذا المجال، إنما عليها القيام بخطوات تنفيذية، وهي مسؤولة عن التلميذ في القطاع الخاص أو العام، لأن كلفة التعليم في العام تتجاوز القيمة في المدارس الخاصة.

لماذا سداد المنح التعليمية الى المدارس مباشرة؟

تعرض رئيسة مدرسة مار روكز للراهبات الأنطونيات في روميه الاخت باسمة الخوري وقائع تأخر الأهالي في سداد المستحقات رغم تحصيلها من المؤسسات المعنية. وتروي أن رب عائلة يعمل في أحد الأجهزة الأمنية لم يسدد أقساطاً على ولديه بلغت الى اليوم 20 مليون ليرة، 11 مليوناً عن العام الجاري، و9 ملايين عن العام المنصرم، علماً أنه تسلم المنحة من الجهاز عن العام الماضي وهي بقيمة 9 ملايين ليرة، لكنه، وفق زوجته، اضطر الى سداد دين، أي أنه قبضها ولم يدفعها الى المدرسة. فإذا كان مديناً بمبالغ مماثلة العام الماضي، قبل بدء الأزمة الاقتصادية والمعيشية، فكيف ستكون حاله اليوم؟ وهل سيسدد منحة العام الجاري؟ وماذا سيفعل للسنة المقبلة؟

وترى أن سداد المنح من الصناديق والمؤسسات الرسمية مباشرة الى ادارات المدارس يجعل تلك المبالغ تصل الى مكانها الصحيح الذي خصصت له، ويمنع صرفها في مكان آخر، ويوفر لصناديق المدارس السيولة اللازمة للإيفاء بالتزاماتها ودفع الرواتب. أما تراكم الأقساط بهذه الطريقة، فيجعل السداد عملية معقدة، بل شبه مستحيلة، لأن الذي لم يسدد الـ9 ملايين، كيف يسدد الـ20 مليوناً؟

وتؤكد أن عملية تحويل المبالغ الى المدارس مباشرة وفق نموذج موحد تتم تعبئته أول العام الدراسي، تحول دون وقوع مشاكل بين المدارس والأهل، وتضمن دفع الأقساط، وأي تقصير في سداد الأهالي الحصة المتبقية يصير قابلاً للتفاوض أو التدوير أو التقسيط، وفق عملية درس الملفات كل على حِدة.

المعالجات المالية المقترحة

تدابير مقترحة من اتحاد المؤسسات التربوية الخاصة في لبنان الى الحكومة حول المعالجات المالية لإنقاذ المدارس من إقفال محتوم.

في الوقت الذي توجب الأزمة الاقتصادية على جميع عناصر الأسرة التربوية التعاون لتحمّل التبعات وتخفيف المعاناة، يتوجب على الدولة، كونها الراعية لجميع أبنائها، الوقوف الى جانب هذه الأسرة ومساندة التعليم الخاص لتمكينه من متابعة دوره وأداء رسالته التربوية الوطنية، وبالتالي تحمّل الدولة مسؤوليتها في مواجهة التعثّر المالي وتأمين مصادر الدعم، إذ إن التلامذة اللبنانيين يستحقون المساعدة أسوة بسواهم، بل هم الأولى بذلك، ومدارسهم الخاصة كالمدارس الرسمية جديرة باهتمام الدولة ورعايتها، وذلك من خلال تخصيص جزء من دعم الجهات المانحة لها، ومن خلال تدابير آنية ومشاريع قوانين مستقبلية نأمل تحقيقها، وأهمها:

1 – خفض رسوم الاشتراك المتوجبة على المدارس الخاصة في صندوق التعويضات لمعلمي المدارس الخاصة من 6% الى 2%، كما كانت سابقاً، من دون أن يؤثر ذلك على مالية الصندوق وقدراته لتغطية تعويضات المعلمين ورواتبهم التقاعدية، كونه يتمتع بملاءة مالية لا بأس بها، على أن تتكفل الدولة العمل على دعم الصندوق اذا اقتضت الحاجة.

2 – إعفاء المدارس الخاصة استثنائياً من رسوم الاشتراك في صندوقي التعويضات والضمان لهذه السنة وللسنة المقبلة إذا استمرت الأزمة على حالها، وكذلك من الغرامات المتوجبة لتاريخه، ضمن آلية واضحة ومنصفة.

3 – الإسراع في دفع مساهمة الدولة للمدارس المجانية من دون أي تأخير، تطبيقاً للقانون، ووضع جدول زمني واضح ومُلزم لذلك، تمكيناً لهذه المدارس وللمؤسسات المالكة لها من دفع الرواتب والأجور، إذ لا يمكن استمرارها بالقيام بواجباتها في ظل هذا التأخير القاتل الذي حرمها حقوقها بدءاً من العام الدراسي 2015/2016 وحتى اليوم.

4 – رفع قيمة مساهمة الدولة للمدارس المجانية من 150% من الحد الأدنى للأجور الى أربعة أضعافه، أو ربط المساهمة بسلسلة الرتب والرواتب، على الأقل، بدلاً من الحد الأدنى للأجور، وذلك تأكيداً على دورها المتكامل مع المدرسة الرسمية، وعلى الأخصّ في المناطق النائية، تخفيفاً لعبء الكلفة التربوية على الدولة.

5 – إلزام الصندوق والمؤسسات بتسديد المنح التعليمية المعطاة لموظفي القطاع العام مباشرة الى المدارس المعنية.

6 – مساعدة أهالي المتعلمين في المدارس الخاصة بتقديم مساهمة مالية عن كل متعلّم في الحالات الاستثنائية القاهرة، كهذه السنة، بما لا يقل عن ضعفي الحد الأدنى للأجور، وذلك لتمكينهم من متابعة تعليم أولادهم وفق مبدأ إلزامية التعليم ومجانيته الوارد في الدستور.