الخميس - 29 تشرين الأول 2020
بيروت 25 °

إعلان

بيروت ومجلس الأمّة وأرصفة ذاكرتي الطريّة

المصدر: "النهار"
نبيل مملوك
بيروت ومجلس الأمّة وأرصفة ذاكرتي الطريّة
بيروت ومجلس الأمّة وأرصفة ذاكرتي الطريّة
A+ A-

لم أزر بيروت ووسطها تحديداً طوال ربع قرن سوى مرة واحدة عام 2018 عشية الانتخابات النيابية. وقتها كنت في سنتي الثانية جامعيًا مع وفد من كلية الصحافة وفنون التواصل في جولة تعارف على مجلس النواب. لا أنكر أنّ ما كان يهمّني هو المبنى الذي يحتله 128 شخصًا الذين سلبوا أصواتنا في لحظة غرائزية مقابل 100 دولار أو ربطة خبز أو قنينة غاز. كنت من أولئك الغرائزيين الظلاميين العاشقين لأحد أهم الأحزاب السياسية، فرحت أتأمّل المجلس وكرسي الرئاسة فيه، حيث تقف القوى الأمنية متصدّية لأي شخص يحاول الجلوس عليها ليلتقط صورة تذكارية، فيخالف ما نصّ عليه الدستور اللبناني من حصر الجلوس على هذا الكرسي بدولة رئيس المجلس ونائبه (عند الضرورة).

ركضت قبل أن يسبقني أحد، وجلست على كرسي أحد نواب كتلتي (سابقًا قبل أن ينيرني فجر 17 تشرين) واستمعت لشرح مفصّل عن مهمات المجلس، وخيالي كان يتراقص في باحة هذا الصرح متأملاً الخشب الفاخر والكراسي الجلدية، مفتشاً في "جوارير" الطاولة عن ورقة سرية ربما قد تركها نائب ما من طريق الخطأ، متأمّلاً الميكروفون وانعكاس صورتي على الشاشة التي تعلو حائط منصّة الرئاسة، متخايلاً نفسي تحت مجهر الرأي العام... كان حلماً وتخيّلات لم أقوى على التعبير عنها.

وقتها خرجنا وهمنا الصور التي تُظهرنا ونحن على منبر الكلام المخصص للنواب، ونحن نجلس على كراسيهم لنتباهى كالمراهقين فيها على وسائل التواصل...

هذا ما ظننتني حملته من ريح بيروت، حتى أقبل مشهد البارحة والجدلية حول تخريب ست الدنيا ليذكرني بصمت فُرض في عزّ النهار على كل مَن يمرّ في ساحة النجمة، حيث المال يتكلّم، حيث بعض المحال كانت قد بدأت تقفل بسبب بدء الأزمة الاقتصادية، حيث الحواجز الاسمنتية، وترقب بنادق القوى الأمنية لحركة غير مألوفة... عين بيروت أو وسطها كان خالياً من الرؤية، خاليا من البركة. كان مجرّد أرصفة نظيفة من ناس بدأت ظهورهم تنحني من فرط الأعباء. يحدثني أحد رجالات صور الكبار الرائعين بفكرهم وشيبتهم عن بيروت 1960، عن باب إدريس وفلافل المصري، عن مكاتب ومحلات كانت تضمّ كلّ اللبنانيين، من الجنوب والجبل والبقاع والشمال، عن فاكهة تدخل بسلاسة الى السوق وبأسعار معقولة... بيروت التي تُدمّر هي بيروتنا التي ألبسوها كابوساً وسمّوه حلماً. بيروت التي أُحرقت لا ذنب لجسدها الطاهر من أفعالهم.

ضمِّدوا جراح بيروت. أعيدوها كلاسيكية. راقصوها على موسيقى فيروز صباحاً وثورة مارسيل خليفة وخالد الهبر عصرًا، وأطربوها بحفلات أم كلثوم ليلاً. ساعدوها على التعرّي من أفكارهم وصفقاتهم السوداء. بيروت هي ذاكرة المنسيين... هي الحاضر الذي لا يعبر. بيروت هي بداية كرامتنا ونهايتها. بيروت التي جبلت الزيتون بتربة الشهداء لا تستحق كل هذا الضرب... اخلعوا ثوب "المشاريع /الكوابيس"، اطردوا جميع محتلّيها باسم الشعب، وأعيدوها امرأة تنبض بالثقافة والحرية. أعيدوها آمنة إلى ذاكرتي وذاكرة أجدادي الطريّة.

الكلمات الدالة