الإثنين - 26 تشرين الأول 2020
بيروت 26 °

إعلان

إنّهم يُغرقون البلد في هاوية لا قعر لها!

حنا صالح
إنّهم يُغرقون البلد في هاوية لا قعر لها!
إنّهم يُغرقون البلد في هاوية لا قعر لها!
A+ A-

كان المشهد مريعا ليل الجمعة السبت في 12 حزيران. على امتداد الشارع بين مبنى العازارية وكنيسة مار جرجس المارونية، كانت أعداد قليلة بين مقنعين وأغلبية من الصبية يحطمون بعض المحال التجارية ويحرقون الأخرى. منذ زمن كانت تطلق التهديدات بحرق "الدون تاون"(..)

ما جرى شكل استهدافاً للعاصمة، لبيروت، التي كانت أول انتصار على المحتل الاسرائيلي، والمدينة الرمز التي حضنت كل الوطن. يقول الراوي: الصورة توضحت لي مع وجود تلفزيون لبنان، التلفزيون الرسمي، يغطي "ليف" ما يجري، وهي المرة الأولى له منذ 17 تشرين! كان هناك بضعة عشرات في شارع بشارة الخوري يقطعون الطرق بحرق المستوعبات والاطارات، تنتنقل بينهم بضعة دراجات نارية. تُركوا لتقديم الصورة الأسوأ عن كيفية استغلال جائعين، وكأن هذا الأسلوب هو الطريق المفضي إلى تحسين وضعٍ معيشي بائس، وإطعام الأفواه، وتبديد قلق المحاصرين بالبطالة والفقر ولا يكف الجوع عن طرق أبوابهم! كل المعتصمين من الثوار على جسر الرينغ غادروا المنطقة، وهم تبينوا بسرعة حقيقة ما يدور. كانت هناك قوى عسكرية غير قليلة، لكنها حتى العاشرة، ساعة مغادرتي المنطقة لم تتدخل فيما بادر فوج الاطفاء إلى التدخل السريع! إنها ببساطة "ثورة" الأحزاب الحاكمة، أحزاب مأزومة لا تتورع عن إغراق البلد لتعويم سلطانها!

لم تخطيء ثورة تشرين عندما بادرت من اللحظة الأولى إلى إعلان حجب الثقة عن حكومة الأقنعة، التي تحركها من الخلف قوى المنظومة المتحكمة بمرجعية حزب الله. فقدمت الدليل تلو الدليل على أن وظيفتها أن تكون ظلاً ينفذ المطلوب فلا يتحمل مشغليها المسؤولية المباشرة! وهكذا تبلورت السياسة والنهج: إجترار كلام عن مكافحة الفساد، وفي الواقع أنسوا الأموال المنهوبة والمهربة إلى الخارج وانسوا كل مزاريب الفساد فلا شيء بشأنها. أما التهريب فهو "خط أحمر" واستباحة الحدود نهج لا مساس به. أما التعيينات فعموما حدث ولا حرج عن تسليمها للمحاسيب والأتباع ولو أدى ذلك إلى خرق للدستور، وتجاوز للقوانين، ومصادرة للصلاحيات، وهركلة الدولة بما يجب أن تكون الحامية لمصالح الناس والبلد، بالذهاب إلى تقديم مصالح الفئات الأكثر إغراقاً في الطائفية والمذهبية وأيضاً المرتهنة، يعني "بياعة" مقابل كرسي الحكم!

ويقترب الضغط الأميركي. قانون "قيصر" يوضع في التطبيق بعد أيام قليلة، قائمة الحزب الجمهوري الأميركي لفرض عقوبات على داعمي حزب الله تبدو طويلة، وجهات أوروبية نبهت: عليكم الامتثال، وضربت مثلاً من أن شركات صينية مستثمرة غادرت سوريا. لم تخرج الحكومة التي يرعاها حزب الله بأي قرار بشأن مواجهة العقوبات، بل اشتد منحى التهريب إلى سوريا لتخزين المحروقات والطحين، واتسع الضغط على المصرف المركزي والقطاع المصرفي إلى عدم تطبيق العقوبات، وبدأ التذاكي كطلب ضخ الدولار لدعم السلع الأساسية، غير المحروقات والقمح والدواء، والهدف الاستمرار في إيجاد المسارب لتهريب الدولار إلى سوريا!

نجح الفيلم الأميركي الطويل ليلة الخميس باقتياد رياض سلامة حاكم المركزي مخفوراً إلى بيت الطاعة، والفيلم تلا التعيينات إياها! الحاكم بأمر منظومة الفساد المسؤولة عن دفع البلد إلى هوة لا قعر لها، نفذ على الدوام قرارات الحكومات المتعاقبة منذ العام 1993، فمول الهدر ومزاريب الفساد التي تقررت بقوانين أبرمتها المجالس النيابية المتتالية. مع التردي الاقتصادي واتساع المديونية حيث بلغ نحو 60% من إجمالي الدين بعد العام2010 ، ومن ثم تتالي العجز السنوي في ميزان المدفوعات منذ العام 2011، بدأت مرحلة مد اليد على الودائع التي عارضها فترة وجيزة رئيس جمعية المصارف فرانسو باسيل، رفض التمويل المطلوب للدولة، فتم كسر موقفه بعد التلويح بسجنه.

البقرة الحلوب جف ضرعها، وبعد التسوية الرئاسية ازداد التردي فسياسة عزل لبنان عن محيطه الطبيعي وأخذه قسراً إلى محور الممانعة انعكس في تراجع التدفقات المالية، أي دخول الدولار، وتفاقم مع التراجع الاقتصادي في المنطقة والعالم. ورغم بدء الاهتزازات المالية، استمرت نفس السياسة، فاتسعت الأزمة التي جرى التستر عليها من قبل كل الجهات الرسمية رغم مؤشرات الافلاسات وتزايد البطالة، ولم توضع تحت المجهر إلا بعد ثورة تشرين التي قالت بالمحاسبة والمساءلة والتغيير السياسي وحمّلت المتحكمين مجموعين المسؤولية عن المنهبة والانهيار.

مع تفاقم الوضع دخل رياض سلامة المحظور بالنسبة للممسكين بالحكم، عندما اعلن بعد خطة إفلاس الدولة التي أعلنتها حكومة الدمى، أن الدولار الذي يُضخ في السوق ينتقل إلى الخارج، وكشف أن التهريب الذي يتركز على المواد الاستراتيجية المدعومة( مشتقات المحروقات، القمح والدواء) يستنزف سنويا 4 مليارات دولار والأمر مستمر منذ 5 سنوات! أي أن لبنان البلاد المأزوم اقتصادياً والذي ينؤ بأكبر مديونية وفّر دعماً لميزان المدفوعات السوري بقيمة 20 ملياراً خلال 5 سنوات!

تجاوز الموظف الكبير الخط الأحمر، وهوالذي ابتدع الأساليب والاجراءات لتمويل فسادٍ مقونن في ميزانيات ومشاريع، وينبغي تلبيسه قراراً كبيراً وهو ضخ الدولارات المتبقية لتُخزن دعماً للنظام السوري، وتم وضعه أمام معادلة دفع هذه الفدية من جيوب المودعين مقابل الحفاظ على رأسه! قرروا التلطي خلف توقيعه والمضي في إغراق البلد، و"كلن يعني كلن" يعرف أن كل دولار سيتم ضخه سيخسره المودع اللبناني.. إنها مرحلة متقدمة في نهج السطو على أموال المواطنين وجني الأعمار!

مهام كبيرة أمام ثورة تشرين، فكل يوم تبقى فيه حكومة الدمى في موقع القرار يزداد الثمن المترتب على اللبنانيين المتروكين أمام كل أشكال التعسف والترويع والجوع، وتطول الجلجلة ويتأخر الخلاص. ويتأكد تكراراً أن مطلب إقالة الحكومة أمراً ملحاً في مرحلة مفصلية في تاريخ لبنان، ويتأكد يوماً بعد يوم أن المواجهة طويلة وأن من يحمي الحقوق هو ميزان القوى. الأكثرية الشعبية المتضررة التي تواجه خطر دفع أكلاف الانهيار والفساد وكل النهب، أمام تحدي بلورة قوتها في استنباط أُطر منظمة حقيقية تلتقي على عناوين التغيير في تحالف جبهوي حقيقي. في السياق العودة المدروسة إلى الساحات أكثر من ضرورة، والتشبيك الجدي البعيد عن مظاهر الفولكلور هو أيضاً بين الأولويات ويتطلب بصيرة ورؤية مسؤولة!

وبعد، ما يتقاضاه المواطن يتحول أكثر فأكثرإلى أوراق "مونوبولي"، وسيأتي اليوم الذي نعترف فيه كمواطنين أنهم سرقوا أعمارنا ورغيفنا وكل الجني الحلال، بعدها ستتسع بقعة الضوء ويعصف هواء تشرين النظيف والآتي قريب!

الكلمات الدالة