الأحد - 20 أيلول 2020
بيروت 31 °

لماذا قد يميل "الرئيس" بايدن للتدخّلات العسكريّة الخارجيّة؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
لماذا قد يميل "الرئيس" بايدن للتدخّلات العسكريّة الخارجيّة؟
لماذا قد يميل "الرئيس" بايدن للتدخّلات العسكريّة الخارجيّة؟
A+ A-

شهدت الولايات المتّحدة الأسبوع الماضي تغيّراً ملموساً في استطلاعات الرأي التي أعطت الهامش الأوسع لصالح بايدن على حساب الرئيس الحاليّ دونالد ترامب. وصل هذا الهامش إلى 11%. لكنّه بعيد من أن يكون حاسماً، خصوصاً أنّ الفترة الفاصلة عن الانتخابات لا تزال طويلة نسبيّاً، كما أنّ دروس 2016 بعدم استعجال إعلان الفوز مترسّخة في أذهان كثر وفي مقدّمتهم الديموقراطيّون.

لكن بالحديث عن المتغيّرات الأميركيّة، ستكون الولايات المتّحدة أمام متحوّلات دوليّة بارزة بدءاً من مطلع السنة المقبلة. مع بروز الصين كقوّة عالميّة صاعدة والتفكّك النسبيّ في التكتّل الغربيّ، سينبغي على واشنطن استعادة زمام القيادة العالميّة. هذا ما وعد به بايدن ناخبيه إذا أصبح رئيساً. يمكن أن يكون هذا التعهّد مريحاً لحلفاء واشنطن الغربيّين. لكنّ تلك الراحة قد لا تستمرّ طويلاً.


جزء من سلسلة أخطاء

يعود ذلك أوّلاً إلى تغيّر طبيعة المجتمع الأميركيّ واهتماماته والذي انعكس تغيّراً في طبيعة القيادة، وثانياً لأنّ بايدن لا يشتهر بكونه كثير الدقّة في تحليله للقضايا الخارجيّة. يأتي هذا التشكيك على الرغم من أنّه خدم سابقاً كعضو بارز في لجنة العلاقات الخارجيّة في مجلس الشيوخ لمدّة 4 سنوات وكرئيس لها لفترة موازية. حتى أنّ الرئيس السابق باراك أوباما اختار بايدن ليزيد من رصيده في الشؤون الخارجيّة. قد يكون اهتمام الأخير حاليّاً منصبّاً على التحدّيات الداخليّة بعد تفشّي "كورونا" ومقتل فلويد، غير أنّ خطاباته في المضمار الخارجيّ لم تعجب الكثير من المهتمّين بهذا الشأن.

الكاتبة السياسيّة في مجلّة "ذي أطلانتيك" كوري شايك تعدّد سريعاً أخطاءه: صوّت ضدّ حرب الخليج الأولى سنة 1990 التي حقّقت نتيجة سريعة ولصالح حرب العراق سنة 2003، "وندم على كلا التصويتين". ثمّ عارض رفع عدد القوّات التي جلبت بعض الاستقرار في العراق وأفغانستان كما عارض قتل أسامة بن لادن.

تضيف شايك أنّ بايدن يعاني من نقص في صياغة فلسفة حول كيفيّة استخدام الجيش بطريقة فعّالة ويعاني أيضاً من حدس خاطئ غالباً حول لحظة استخدامه. وتكتب شايك أنّ بايدن انتقد ترامب حين أعلن انسحاباً مفاجئاً من شمال شرق سوريا في تشرين الأوّل الماضي لكنّه لا يطبّق كلامه في أفغانستان. ومع أنّه شدّد على "الوجوب الأخلاقيّ" في تحرّك واشنطن العسكريّ ضدّ الإبادة الجماعيّة واستخدام الأسلحة الكيميائيّة، بقي مشكّكاً بالتدخّل في سوريا.


ما مدى اختلافه عن ترامب؟

هنالك أكثر من مراقب يعتقد أنّ بايدن لا يتمتّع بسياسة خارجيّة متناسقة. مع ذلك، يمكن تلمّس مؤشّرات عن توجّهات نظرته الدوليّة من خلال علاقته الوظيفيّة بأوباما. من المرجّح مثلاً أن يواصل سياساته السابقة في استهداف الإرهابيّين عبر استخدام طائرات من دون طيار واستخدام وحدات أميركيّة خاصّة، تحت شعار "مكافحة الإرهاب +". ومن المتوقّع أيضاً أن يعيد إدخال الولايات المتّحدة في اتّفاقيّة باريس للمناخ والاتّفاق النوويّ مع إيران، إذا واصلت الأخيرة التزامها به.

وفي أحيان كثيرة تبدو أفكاره متعارضة مع أفكار ترامب في الشكل وحسب. فهو رأى أنّ قائد قوّة القدس قاسم سليماني استحقّ مواجهة العدالة بعد هجماته ضدّ الأميركيّين لكنّ توجيهات ترامب بقتله كانت "تصعيداً هائلاً" نافياً حقّه بشنّ حرب على إيران من دون موافقة الكونغرس. ومع ذلك، وصف إيران بالقوّة "المزعزعة للاستقرار".

يؤيّد بايدن حلّ الدولتين ويرى أنّ ضمّ الضفّة الغربيّة سيخنق فرص السلام، لكنّه يوافق على استمرار وجود السفارة الأميركيّة في القدس، بعدما نقلها ترامب إليها. حتى أنّه يرفض ربط المساعدات العسكريّة لإسرائيل بوقف الاستيطان. وانتقد الصين بسبب ممارساتها التجاريّة و "تسلّطيتها العالية التقنيّة" وهاجم المرحلة الأولى من الاتّفاق التجاريّ لأنّها تصبّ في مصلحة الصين وفقاً لرأيه، لكنّه انتقد أيضاً فرض الرسوم على سلعها.


"قوّة خير"

إنّ محاولة بايدن استقاء سياساته الخارجيّة من سياسات أوباما لن تكون كافية. في عهد الرئيس السابق، شكّلت روسيا تحدّياً كبيراً للغربيّين في أوكرانيا وأوروبا عموماً كما في سوريا، ولم يستطع أوباما إيقافها بشكل جدّيّ، على الأقلّ ليس دائماً. كما لم يتّخذ إجراءات لمنعها من التدخّل في الانتخابات الرئاسيّة إلّا بعد خسارة هيلاري كلينتون. وكانت وزارته الخارجيّة قد قبلت بحضور مراقبين روس لتلك الانتخابات، على الرغم من أنّها وجدت حينها في مجيء هؤلاء لمراقبة الاستحقاق الانتخابيّ جزءاً من حملة علاقات عامّة.

ومع أنّ "الاستدارة" نحو شرق آسيا كانت جزءاً أساسيّاً من سياسته، فشل أوباما في احتواء الصعود الصينيّ. بالتالي، هنالك الكثير ممّا تغيّر في أربع سنوات. وهذا يستدعي بدوره رؤية ديموقراطيّة جديدة للسياسة الخارجيّة، لا مجرّد إعادة عقارب الساعة إلى الوراء والانطلاق من حيث توقّف أوباما، وفقاً لما قاله الديبلوماسيّ الأميركيّ الذي خدم في وزارة الخارجيّة ثلاثين عاماً بيتر مولرين في حديث إلى مجلّة "فورين بوليسي".

يقول مسؤول سابق في إدارة أوباما للمجلّة نفسها إنّ بايدن يرى الجيش الأميركيّ كقوّة للخير في العالم، لذلك، دعمَ التدخّل العسكريّ في البلقان والعراق لكنّه بات أكثر حذراً من هذا المنحى. وأضاف المسؤول أنّه لا يستطيع وضع بايدن في تصنيف خاص: "هل تطوّر أو تمتّع دوماً بموقف غامض حول استخدام القوّة؟"


ستعزّز قبضتها على السلطة

ثمّة أجوبة كثيرة لا يمكن معرفتها من اليوم. لكن بالمقابل هنالك نقاط قليلة يمكن البدء بربطها. إنّ عدم قدرة بايدن على صياغة رؤية خارجيّة واحدة ومتجانسة يعني ازدياد احتمال لجوئه إلى قرارات بناء على الحدث نفسه. ويظهر أنّه لن يستبعد القوّة العسكريّة الأميركيّة للتعامل مع الأزمات الكبيرة.

يرى محلّلون ينتمون لليسار الأميركيّ ومن المؤيّدين لتخفيض اعتماد واشنطن على القوّة العسكريّة أنّ بايدن ينتمي بشكل أو بآخر إلى "التدخّليّة الليبيراليّة" التي حدّدت سياسة الحزب الديموقراطيّ منذ نهاية الحرب الباردة. ويذهبون أبعد من ذلك حيث يتوقّعون أن تحتفظ "مؤسّسة" السياسة الخارجيّة في واشنطن بالسيطرة وحتى أن "تعزّز قبضتها على السلطة تحت رئاسة بايدن."

إذا صحّ هذا التوقّع فهذا يعني أن الولايات المتّحدة ستشبه نفسها إلى حدّ كبير في السياسة الخارجيّة حتى ولو تغيّرت الإدارة المقبلة. هنالك عوامل أخرى ستبقى مجهولة مثل الفريق الذي سيحيط نفسه به وحجم تسوياته مع أقصى اليسار الذي سيكون له فضل أيضاً في إيصاله إلى الرئاسة - إذا نجح. لكن، وبانتظار أجوبة لن تتأكّد قبل وقت على تولّي بايدن المحتمل للرئاسة، يبدو فعلاً أنّ التحدّيات الخارجيّة اليوم تميل إلى تقليص الفروقات بين الحزبين عوضاً عن توسيعها.

الكلمات الدالة