الإثنين - 21 أيلول 2020
بيروت 26 °

أثر الحراك الشعبي والثورات على الدساتير

الدكتور علي خشان- وزير العدل الفلسطيني الأسبق
أثر الحراك الشعبي والثورات على الدساتير
أثر الحراك الشعبي والثورات على الدساتير
A+ A-

تعدّ الدساتير ﺃﺴﺎﺱ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ القانونية ﻟﻠﺩﻭل، ﻓﻼ يُتخيّل وجود ﺩﻭﻟﺔ حديثة بدون دستور ينظّم شؤون الحكم فيها، فإن خلت ﺩﻭﻟﺔ من الدستور عمّت الفوضى ﻭانتشر ﺍﻟﻔﺴﺎﺩ.

ويتأثر الدستور بالظروف ويتكيّف وحاجات ﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ والثقافات السائدة، فالدستور كما هو معلوم وليد المجتمع يتطور دائماً بحكم احتياجاته ومصالحه المختلفة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومن البديهي تغيير الدستور كلما اقتضت الظروف أو التطورات ذلك، ولا يمكن أن يكون الدستور جامداً بالمطلق وإلا نكون قد رمينا المجتمع بالجمود، فالمجتمع متطور والدستور يجب أن يخاطب تلك المصالح ويشبعها.

إن قراءة مفردات الوثيقة الدستورية تتحقق باستكشاف العلاقة بينها وبين سياقها الاجتماعي، وكذلك باستكشاف المتغيرات التي تشكل المضامين الدستورية بالنحو الذي تشكلت به حيث إن الوثيقة الدستورية ذات طبيعة استراتيجية بالأساس وهي في الغالب، نتيجة لتحولات مجتمعية وتحركات شعبية،‬ حيث تقوم النخب الاجتماعية والسياسية والثقافية بدور هام للتوجيه لوقوع هذا التحول، ‬وتقنينه وفق أطر دستورية.

لا تتحقق الديمقراطية والسيادة لدولة ما إن لم تكن دولة قانون قائمة على علاقة منسجمة في ما بين الحاكم والمحكوم بطريقة متوازنة، وتخضع لدستور يعمل على حماية المصالح العامة ويحترم ويضمن الحقوق العامة والحريات، هذا على الرغم أن بعض السياسيين يتعامل مع القضايا السياسية بطريقة توحي بأن هناك طلاقاً بائناً ما بين الدراسة والسياسة.

ولكن كيف نوفق بين الحراك الشعبي الذي أجبر العديد من الحكام على التنازل عن الحكم أو أطاحهم أو زلزل عروشهم "أو مسّ بمكتسبات بعضهم" على أقل تقدير، والإجراءات الدستورية في تعديل وتغيير الدساتير؟

هذا ما شهدناه في مصر وتونس وسوريا واليمن والسودان والجزائر تحركت الشعوب مستخدمة مصطلح "الشعب يريد إسقاط النظام"، وتظهر بساطة هذا الشعار كم كان الوضع السياسي في العالم العربي صعباً ومعقداً، وكم كانت سيطرة الحكام والقادة والزعماء هشّة إلى حد فرار بعضهم وتنازل البعض واستعانة البعض بالأجنبي لقمع شعبه، وتمسك بعضهم بكرسي باستماتة حتى ولو كان ثمن ذلك الآلاف من الجثث.

لهذة الأسباب ولغيرها من الأسباب التي لا نريد الخوض فيها لمقتضيات الوقت والمقام، وبما أن التفصيل في وصف الداء في النظام السياسي لا ينسجم ولا يتطابق مع التعميم في اقتراح الدواء، أضف إلى ذلك أن السلطة أياً كان موقعها أو توجهها، لم تعد امتيازاً شخصياً لأحد يمارسها تعالياً أو استبداداً بل يباشرها من يتقلدها نيابة عن الجماعة ولصالحها، وتقيد بالقيم التي تعد موجهاً ومرشداً للمشرع والحاكم على السواء.

وتطبيقاَ لما تقدم، فإن التوافق مع أحكام الدستور يفترض ألا تنفصل النصوص القانونية التي نظم بها المشرع موضوعاً معيناً عن أهدافها ليكون اتصال الأغراض بالوسائل الموصلة إليها منطقياً وليس واهياً بما يخلّ بالأسس الموضوعية التي يقوم عليها الدستور، كذلك فإن صور الاعتداء على هذا الدستور أو الحقوق والحريات التي يكفلها من قبل جهة ما، سواء بإنكار أصل وجودها أو من خلال تقييد آثارها بما يحول دون مباشرتها، لا يعطي تلك الجهة الحق في الاحتجاج بالدستور الذي لم تُحترم أحكامه ومواده.

إن الأصل في صياغة القواعد القانونية أن تكون عامة ومجردة وألا توضع لمصلحة شخص بعينه كالرئيس أو مؤسسة معينة كمنح البرلمان سلطات فوق ما يرد في الوثيقة الدستورية وإلا عُدّ ذلك انقلاباً صارخاً على القانون ووصمة عار في جبين الشرعية لن تمحوها أية قرارات أو تبريرات تصدر من هنا وهناك.

ويجب أن يكون همّ النواب الأساسي في سنّهم القوانين هو المصلحة العامة، وأن تخدم التوجهات الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان، وألا تكون قراراتهم سياسية محضة وإلا عُدّ ضربة قاصمة لدولة سيادة القانون وتدخلاً سافراً في عمل السلطة القضائية ومبدأ الفصل بين السلطات.

لقد تعلمنا درساً هاماً من الحراك الشعبي وهو أن الدساتير لا توضع سفاحاُ ولا تخُلق عنوة أو بالإكراه بل تكون بالتفاوض والحوار واحترام الجميع، ولا توضع لفئة دون أخرى من الشعب، فعندما نقوم بصياغة النصوص الدستورية فإننا نتعامل مع الجميع كمواطنين يخضعون للقانون وفقاً لمبادئ العدالة والمساواة.

لقد طرحت مسألة قدرة الشعب على حسن الاختيار في الانتخابات التي تلت الثورات في تونس ومصر، على أثر فوز الأحزاب الإسلامية، وبعد ذلك في الجزائر والسودان بعد الحراك الشعبي الذي بدأ في كلا البلدين والذي أسفر عن تنازل بوتفليقة والإطاحة بالرئيس عمر البشير.

وكان الجدل يدور في أروقة السياسيين والقانونيين حول السؤال التالي:

هل ساهمت الدساتير في تحقيق أهداف الثورات والحراك وفي إقامة دولة القانون والمؤسسات، أم أنها ساهمت في إجهاض تلك الثورات؟

لقد جاءت الدساتير الجديدة كردّة فعل على دساتير التوريث التي كانت سائدة ما قبل الحراك العربي والتي جعلت من التعديلات الدستورية مبرراً وجسراً للتوريث كما كان عليه الوضع في مصر وما أثير حول قضية توريث جمال مبارك مروراً بالدستور السوري الذي تم تعديله خلال ساعات ليتيح لبشار الأسد تولي السلطة بعد وفاة والده حافظ الأسد، وكذلك ما كان يثار عن محاولات توريث أبناء علي عبدالله صالح ومعمر القذافي وغيرهم.

ورغم أن الثورات أثمرت وضعَ دساتير جديدة حيث اعتقد البعض أن تلك الدساتير ستحول دون ظهور أو صناعة ديكتاتوريات جديدة، وأنها ستعمل على إيجاد توازن حقيقي بين السلطات، ومساحة أوسع للحريات العامة وضمانات لحرية الإعلام، ومنح البرلمان قوة حقيقية في وجه مؤسسة الرئاسة.

لكن كل ذلك لم يتحقق للأسف ولم تظهر قيمة كل هذه المبادئ لأن البرلمانات في معظمها، تمت صناعتها وتشكيلها بطريقة هندسية محكمة من أجهزة نافذة أو حركات أو أحزاب أو زعامات مسيطرة.

ونضرب مثالاً على ذلك بالمواد الدستورية التي تحول وتمنع تعديل مدة الرئاسة حيث تم التحايل على الدستور وجرى تعديلها في بعض الدول، ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬وأصبحت تعيش في حالة هشاشة دستورية من الناحية العملية، فرئيس الجمهورية يفعل ما يريد وقتما يريد بالطريقة التي يريد، ما أدى إلى ضعف في بنية الدولة ومؤسساتها، وعادت الأمور إلى ما هو أسوأ قبل الثورات والحراك الشعبي، وأدى الأمر في نهاية المطاف إلى استبدال ديكتاتور بآخر، وإلى تأبيد سيطرة الرئيس على الشعب باسم الدستور والتعديلات الدستورية، رغم ادعاء معظم الرؤساء بأنهم لن يترشحوا لمرة أخرى وبأنهم سيتنازلون فوراً إذا طلب الشعب منهم ذلك، وهذا لم يتم ولن يتم أبداً.

إن تجارب الدول والشعوب أكدت على أن الدولة تكون قوية بمؤسساتها وثبات الدستور وسيادة القانون سيادة حقيقية، وليس بتقوية شخص رئيس الجمهورية أو الزعامات التقليدية فيها.

الكلمات الدالة