الأحد - 29 تشرين الثاني 2020
بيروت 22 °

إعلان

كيف يتخلّى ترامب عن أقوى أسلحته بمواجهة الصين؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
كيف يتخلّى ترامب عن أقوى أسلحته بمواجهة الصين؟
كيف يتخلّى ترامب عن أقوى أسلحته بمواجهة الصين؟
A+ A-

خلال الأشهر الماضية، انتشرت مقالات الرأي التي تطالب بمحاسبة بيجينغ على تقصيرها. تغيب هذه المقالات اليوم، ربّما بشكل كامل. ساعد ذلك انشغال الولايات المتّحدة بتداعيات مقتل جورج فلويد. بالتالي أصبح العالم أمام انقسامين على الأقلّ: الانقسام العابر للأطلسيّ وانقسام الولايات المتّحدة على نفسها.


تناقضات مرحلتين

تستدعي "الحرب الباردة" بين الولايات المتّحدة والصين ذكريات الحرب الباردة بين الأميركيّين والسوفيات. لا يمكن أن تكون هذه المقارنة أكثر إثارة للتناقضات. يكتب الصحافيّ البريطانيّ جنان غانش في صحيفة "فايننشال تايمس" عن اختلاف المرحلتين. إبّان مواجهة السوفيات، كانت الانقسامات الداخليّة الأميركيّة محدودة فيما اتّحد الحزبان حول سياسات عدّة كالاقتصاد ومناهضة الانعزاليّة والتباطؤ بالاستجابة للحقوق المدنيّة وغيرها. نادراً ما خرج الخلاف السياسيّ إلى الشوارع حينها.

تطرّق الكاتب أيضاً إلى مرحلة الستّينات التي شهدت تصاعد حركة الحقوق المدنيّة ومعارضة حرب فيتنام. أدّى ذلك إلى تعديل الولايات المتّحدة سياستها الخارجيّة فأطلقت مرحلة انفتاح أو تعايش مع السوفيات لأنّها أدركت أنّها لا تستطيع مواجهة موسكو وهي منقسمة داخليّاً. لهذا يستنتج غانش أنّه ليس بإمكان ترامب اليوم أن يتشدّد مع المتظاهرين ومع الصين في آن، فالمواجهة مع بيجينغ تتطلّب تجانساً داخليّاً بالحدّ الأدنى.

يتّهم بعض الكتّاب ترامب بأنّه لا يحاول التواصل مع الأميركيّين الذين يخالفونه الرأي خصوصاً وسط الأزمة الحاليّة. ويضيفون أنّ الرئيس الحاليّ يكتفي بإرضاء قاعدته الشعبيّة. بصرف النظر عن وجود واقع كهذا من عدمه، يستطيع هذا الانطباع وحده أن ينعكس ضغطاً غير مباشر على ترامب في معركته ضدّ الصين. حتى أنّ بعض الإعلام يتّهمه بالتغطية على إخفاقاته الداخليّة من خلال مهاجمة بيجينغ.


أرقام متباينة

ساهم الرئيس الجمهوريّ بزيادة الشعور الأميركيّ المناهض للصين وفقاً لاستطلاع رأي أجرته مجلّة "بوليتيكو" وشركة "مورنينغ كونسالت" لأبحاث السوق. فمنذ كانون الثاني وحتى أوائل أيّار، ارتفعت نسبة الناخبين الأميركيّين الذين يقولون إنّ الصين هي "عدو" ب 11% حتى وصلت إلى 31%، بينما انخفضت نسبة الذين يعتقدون أنّ الصين ليست عدوّاً ولا صديقاً ب 9% فبلغت 23%. أمّا الذين يرون أنّ الصين غير ودّيّة لكنّها ليست عدوّة فقد بقيت مستقرّة خلال الأشهر الأخيرة عند 30%.

حتى ولو حافظ ترامب على هذه النسبة المرتفعة من الأميركيّين الذين ينظرون بسلبيّة إلى الصين، وهي عامل مهمّ في إعادة انتخابه رئيساً،  أو على الأقلّ هكذا أصبحت، سيتعيّن على ترامب النظر إلى ما هو أبعد من الشعب الأميركيّ لبناء تحالف في مواجهة الصين إذا كانت هذه غايته الأساسيّة. في 19 أيّار، استشهد الباحث البارز الزائر في "صندوق مارشال الألمانيّ للولايات المتحدة" نواه باركين بعدد من استطلاعات الرأي الحديثة عن تفضيلات الأوروبّيّين في السياسة الخارجيّة:

وجد 36% من الألمان أنّه على الصين أن تكون الشريك الأبرز لبلادهم واختار 37% منهم الولايات المتّحدة. وإذا كانت الأخيرة متقدّمة ب 1% على الصين في أيّار، فقد كانت واشنطن متقدّمة عليها بنسبة 26% في أيلول الماضي. وفي أيّار أيضاً، توقّع 28% من البريطانيّين أن تتصرّف واشنطن بمسؤوليّة على الساحة الدوليّة بعدما كانت النسبة 41% في كانون الثاني. وعن الدولة صاحبة الموقف الأفضل لمواجهة تحدّيات العقود المقبلة، اختار 3% من الفرنسيّين فقط الولايات المتّحدة. وفي نيسان، فضّل 36% من الإيطاليّين تعزيز العلاقات مع بيجينغ، و30% تعزيزها مع واشنطن.

بطبيعة الحال، لن يرى المراقبون "هرولة" أوروبّيّة للتحالف مع الصين على حساب الولايات المتحدة. فالعلاقات الأوروبّيّة-الأميركيّة أعمق تاريخيّاً من تلك التي جمعت أوروبا والصين كما أنّ الطرفين يتشاركان قيماً سياسيّة متشابهة. لكن كما حلّل باركين، سيكون هنالك حذر أوروبّيّ من الاصطفاف مع واشنطن في مواجهة بيجينغ.

معارك على أكثر من جبهة

مقتل فلويد سيعزّز على الأرجح الرؤية الأوروبّيّة الحذرة تجاه الولايات المتّحدة خصوصاً أنّ مظاهرات ضدّ العنصريّة انتشرت في بعض عواصمها. وما ذكرته صحيفة "وول ستريت جورنال" أمس عن توجيه ترامب البنتاغون بتخفيض الجنود الأميركيّين في ألمانيا بحلول أيلول المقبل، يظهر أنّ المسار الأميركيّ-الأوروبّيّ يتّخذ منحى أكثر سلبيّة. بحسب الصحيفة، إنّ القرار الأميركيّ القاضي بإخراج حوالي 9500 جنديّ من ألمانيا يعود إلى خلاف الطرفين حول امتناع برلين زيادة إنفاقها الدفاعيّ بالسرعة التي تطلبها واشنطن. لم يكن هذا القرار وليد اللحظة بل بدأ البحث به منذ أيلول. لكنّ ذلك لا يغيّر شيئاً في تداعياته على العلاقات الثنائيّة.

في الداخل والخارج، يبدو ترامب وكأنّه يخوض معارك على أكثر من جبهة ويتوقّع أن يفوز بها كلّها. لكنّ حظوظه في ذلك ستكون ضئيلة إذا استمرّ على المنوال نفسه. في هذا السياق، يعتقد البروفسور والباحث في معهد "تشاتام هاوس" الملكي رولان بارِس أنّ ترامب يفضّل التعامل مع الصين أحاديّاً لكنّ "أميركا لا تستطيع النجاح وحدها". وذكر أنّ الدول الغربيّة بحاجة لإعادة بناء الثقة مع بعضها كما على الفائز في تشرين الثاني إعادة اكتشاف أهمّيّة العمل مع الحلفاء. وعلى الرغم من أنّه حذّر من المبالغة في ردّ الفعل الأميركيّ، شدّد بارِس على ضرورة اعتراف الحلفاء بأنّ مخاوف الولايات المتّحدة من الصين مستندة إلى الواقع وتتطلّب ردّاً أصلب.

تكمن مقاربة الأوروبّيّين، والألمان خصوصاً، في أنّ أزمة الثقة تتعدّى شخص ترامب. حتى لو فاز بايدن بالرئاسة الأميركيّة، سيبقى انعدام الثقة قائماً بالاتّجاهات السياسيّة المستقبليّة داخل البلاد. بالنسبة إلى برلين، ترامب ليس أصل المشكلة بل أحد عوارضها وصورة من صور تجلّيات الانقسام السياسيّ في واشنطن. كلّ هذه المسارات مريحة للصين في الوقت الحاليّ، علماً أنّ ذلك لا ينفي مواجهتها لحسابات أدقّ بعد تشرين الثاني.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم