السبت - 26 أيلول 2020
بيروت 27 °

ذاكرة أفلام غنيّة تفتقدها صالات السينما في طرابلس

المصدر: "النهار"
رولا حميد
ذاكرة أفلام غنيّة تفتقدها صالات السينما في طرابلس
ذاكرة أفلام غنيّة تفتقدها صالات السينما في طرابلس
A+ A-

"السينما عشقي وحياتي"، بهذه العبارة يختصر نبيل السباعي تجربته المتوارثة عن أبيه في تاريخ السينما الغنيّ في طرابلس، المدينة التي انتشرت دور السينما في كل منطقة من مناطقها، من باب التبانة شمالاً، حتى باب الرمل جنوباً، والميناء غرباً، أما في داخلها، فقد كانت تعج بالصالات في كل زاوية وحيّ، وأكثر ما تتكثف في محيط "التل".


بدأ آل السباعي العمل في السينما من خلال عمل الوالد سعدي (١٩٣١)، بحسب ابنه نبيل (١٩٦٥)، الذي يتابع مسيرة والده اليوم، منتقلاً من سينما الأفلام ٣٦ ملم إلى الديجيتال، وصناعة المدمجات، مركّزاً عمله في مركز الشركة التي أسسها الوالد قريباً من بولفار المدينة، وبين عدة صالات سينمائية، وتحديداً بمواجهة أهم صالة، أي الكولورادو، وأعطى لشركته تسمية الدار التي عمل فيها منذ ستينيات القرن الماضي أي "الريفولي"، الواقعة على بعد مئة متر من موقع الشركة الحالي، والتي أزيلت منذ سنوات قليلة بصفقة تجارية عقارية.

يروي نبيل لـ"النهار" أن والده "بدأ في يفاعته متعهداً "البوفيه"، أي بائعاً للحلويات والمكسرات على باب سينما "الحمرا" على التل، أسفل المبنى التراثي الشهير، مبنى السلطان، ومطلع الخمسينيات، وقد انخرط في أجواء السينما، ولعب دور المروج الدعائي للأفلام، كشرط لاستمرار عمله بائعاً في الصالة، فكان يحمل اللافتات الإعلانية لفيلم معين، ويجول بها في المدينة، رافعاً صوته ومنادياً الجمهور لحضوره".

يقول نبيل إن أول فيلم روَّج سعدي له هو فيلم "شمشوم ودليلة" سنة ١٩٥٩، وهو أول فيلم بالعربية يعرض في طرابلس بينما كانت الأفلام سابقاً بالإنكليزية أو الفرنسية، لكن مترجمة. ويذكر أن شابين حملا لافتة الفيلم الدعائية، وجالا بها في المدينة وصولاً إلى مدرسة الأميركان في القبة، حيث تبنى أحد المسؤولين الفيلم، وأوصى التلاميذ بحضوره كونه فيلماً حقيقياً".

لقي الفيلم رواجاً شديداً في المدينة، بحسب نبيل، وأقبل عليه الآلاف، واكتظت الصالة به لأسبوع كامل، وما هي إلا سنوات قليلة، حتى بدأ سعدي بتعهد أفلام من الشركات العاملة في بيروت، بعد أن تعرف إليها من خلال معايشته لحركة السينما في المدينة، ويفيد نبيل أن "الشركات البيروتية أحبت والده، ورغبت في مساعدته لعلمها أن عنده عائلة كبيرة مؤلفة من أربعة عشر ابناً وبنتاً"، وكان يؤمّن الأفلام لصالات المدينة الكثيرة، ولمدة أسبوع، وإذا رغب في تمديد العرض، كان عليه أن يمدد الاتفاق لأسبوع جديد، ويدفع من جديد المبلغ عينه".

مع مرور الوقت، تعهد سعدي سينما "الليدو" القريبة من ساحة الكورة وسط المدينة، ويقول نبيل: "كنت أساعد والدي في العمل، مع أشقائي الأكبر سناً مني، ويوم تعهد والدي سينما "الليدو"، صعدت لترتيب بعض الأمور في علية السينما، فقرأت اسماً آخر عليها غير الاسم المتداول، وهرعت إلى والدي أخبره أن اسم الصالة الحقيقي ليس "الليدو"، وإنما سينما "رويال"، لكن سعدي لم يأبه لذلك، وواصل العمل بالإسم المعهود الذي تعهد الصالة بناء عليه".

كما تعهد سعدي سينما سميراميس مع شريك له، وكان يؤمّن الأفلام لعرضها في الهواء الطلق في مقهى التل العالي في الخمسينيات والستينيات، واشتهرت منها الأفلام العربية لمحمد عبد الوهاب، وفريد الأطرش، وعبد الحليم حافظ وسواها الكثير.

وينتقل نبيل إلى الثمانينيات يوم اشترى النائب السابق أحمد حبوس صالة سينما "كولورادو"، فتولى سعدي تأمين الأفلام لها، ويقول "إن الدعاية المترافقة مع الأفلام كانت بسيطة، وكنا نغنيها ببعض العبارات والرسوم بأيدينا، وأذكر أن أول فيلم عرضه الوالد في هذه الصالة هو فيلم "كارامبولا".

ومع مرور الوقت، ظل الوالد يؤمّن الأفلام لمختلف الصالات، ومنها "الريفولي"، و"الأوبرا"، و"الكابيتول"، و"الريو" وسواها من الصالات.

أما أهم العروض التي حققها السباعي فكان عرض فيلم "محمد خاتم الأنبياء" سنة ٢٠٠٣، وقد جال السباعي به البلدات والقرى المحيطة بطرابلس، واستحصل على إذن من وزارة التربية لعرضه في المدارس، ولقي رواجاً منقطع النظير.

ويتحدث عن زيارات قام بها أبطال أفلام عند بداية عروضها، ويقول: "كنا نجول في المدينة داعين الناس لحضورها مجاناً، تأميناً للجمهور الذي عادة ينتظر الوقت المناسب لحضور الفيلم، لكن زيارة الممثلين الحقيقيين لا تستطيع الانتظار الطويل، وكان الجمهور يلبّينا، وتزدحم الصالات بهم".

من الأفلام التي حضرها أبطالُها فيلم "شمس الزناتي" لعادل إمام، وكان يعرض في "الكولورادو"، كما حضرت الممثلة ناديا الجندي والممثل فاروق فيشاوي عرضَ فيلمهما "امرأة هزّت عرش مصر"، ثم "عامر في تل أبيب". وحضر نور الشريف افتتاح فيلم "المصير" سنة ٢٠٠٠ وكانت أجواء المدينة مضطربة، وقد عُرض بالتوازي في صالتي "اللاس ساليناس" في أنفة بالكورة، التي امتلأت بالمشاهدين، وفي الريفولي بطرابلس.

يتولى نبيل اليوم إدارة شركته للأفلام المدمجة، ويغرق بين رفوفها في صالة شركته "ريفولي"، ويحتفظ فيها بمئات البوسترات الإعلانية للأفلام التي تعهدها الوالد، وتابعها هو وأشقاؤه بعده، ويبدأ بعرضها واحداً تلو الآخر، ويتحدث بإسهاب عن كل منها، بطولته، وتاريخه، وفي أي الصالات عرض، وعام العرض. يتحدث بشغف، والسعادة ملء قلبه، لا يريد أن يتوقف، ويذهب بعرض البوسترات بالعشرات، شارحاً وموضحاً تاريخها دون ملل.

"ذاكرتها تاريخ حياتي، وهي ثروة لو شئت أن أبيعها. أتمنى أن لا أحتاج لذلك، اللهم إلا إذا فرضت الظروف علي بيعها لتغطية تكاليف الحياة في الظروف القاسية التي نعيش"، يختم نبيل حديثه والسعادة بادية على وجهه. المهم أن يتحدث عن السينما، وعن شؤونها، "فهي حياتي".

الكلمات الدالة