السبت - 26 أيلول 2020
بيروت 26 °

الجماجم الفارغة

رائد جرجس
الجماجم الفارغة
الجماجم الفارغة
A+ A-


يتمرّس اللبنانيون في إضاعة الفرص. ينتحبون، ويلعنون ويتباكون على فرص ضائعة كانوا شهودًا غير مبالين حين ارتسمت لهم في غير محطة من التاريخ القريب. ولا تقتصر هذه الفرص الضائعة على السياسة فقط، بل تشمل أيضًا الاقتصاد والمال والمصالحة الوطنية والإعمار الفعلي واللائحة تطول. نبدأ من الوضع الراهن، حيث لا يختلف اثنان على صعوبة وعمق الأزمة الاقتصادية والمالية. لكن يبدو أن كثيرين نسوا أو تناسوا أن هذه الأزمة ليست مفاجئة، وقد تحدث عنها خبراء اقتصاديون من مختلف الاتجاهات منذ أكثر من سنتين، محذرين من أزمة خطيرة آتية لا محالة إذا لم يُصلح أهل الدولة ما يتصدع من أساساتها. فبدل الانكباب على المعالجة الجدية لتفادي الأسوأ، تلهى من هم في موقع القرار أو الطامحون إلى المشاركة في الحكومات، بطريقة تشكيلها وعدد وزرائها ولمن ستكون الغلبة عند التصويت. بدت الحكومات المتعاقبة كجمجمة فارغة يزينونها بأدوات تجميل لا تخفي قبحها وعدم منفعتها. لذا يعكس الوضع الراهن أزمة فكر ومحنة عقل متزن في لبنان، يعاني منها اللبنانيون منذ وقت طويل. وأعدد هنا في اختصار شديد فرصًا ضائعة متتالية منذ انتهاء الحرب في لبنان لتحقيق إنجاز ما، أو تقدم ما، أو إعطاء بارقة أمل لمستقبل أفضل.

إنتهت الحرب في تسعينات القرن الماضي، وبدل الولوج إلى مؤتمر وطني للمصالحة وتنقية الذاكرة كما حصل في جنوب أفريقيا، حُمّلت فئة من اللبنانيين مسؤولية الحرب دون غيرها وكأنها كانت الطرف الوحيد في الحرب. وتمعّن من كانت له الغلبة في "شيطنة" هذه الفئة، فدفعت أثمانًا سياسية وغير سياسية حتى اليوم. فتبددت فرصة جدية للبدء ببناء دولة سليمة ووطن جامع لكل أبنائه بعد الحرب. وللأمانة، هنالك من يحمّل مسؤولية كبيرة لقوى الاحتلال التي سيطرت على لبنان بعد الحرب فمنعت تلاقي اللبنانيين وهذا فيه شيء من المنطق. لكن من غير المنطق والجائز أن يرتمي كثيرون في أحضان سلطة الأمر الواقع، فيشاركونها تهديم أسس الدولة والوطن بدل بنائها، وسرقة مقدراتها وتدمير مؤسساتها. وبعد سنوات من هذه الممارسات، تتهم فئة من اللبنانيين من كانوا في السلطة - وبعضهم لا يزال - بالتواطؤ والسرقة وإفلاس الدولة. وبالرغم من ذلك توالت الفرص في السنين الماضية من المؤتمرات الدولية لدعم لبنان إلى انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي والاحتلال السوري، والانتخابات النيابية وغيرها. ولكن بعد الهرج بان المرج، حكومات سُمّيت وطنية لم تنتظم إلا بتضييع الوقت والفشل، وتشابهت جميعها بسوء الإدارة والمماحكات السياسية واقتسام المغانم وازدياد الدين العام. وللاختصار نصل إلى الماضي القريب حين تأملنا خيرًا بانتخاب رئيس بعد فترة تعطيل طويلة، قال عنه مناصروه ومعارضوه أنه يمثل قاعدة شعبية كبيرة تمنحه زخمًا ضروريًا للحكم والنجاح، وهو يستمد كذلك قوة إضافية من حلفاء أقوياء داعمين له. إلا أن الواقع أتى مغايرًا للحسابات النظرية، فتغير الأشخاص وبقي الثابت طريقة العمل...أو غير العمل. وعودٌ زادت، وانجازات غير ملموسة إن وُجدت، تختفي أمام هول الكارثة. لقد برهن اللبنانيون وزعماؤهم أنهم أبطال تضييع الفرص، وكلما أضاعوا فرصة بسبب أخطائهم وخطاياهم المستمرة، لا يغيرون ممارساتهم بل ينتظرون فرصة أخرى لإضاعتها. من الممكن تبرير الفشل والوضع الراهن المتأزم بألف سبب وسبب، ولكن ما لا يمكن تبريره هو ذهنية الزبائنية والمصلحة الفردية والأنانية في التعاطي السياسي والعمل في الشأن العام التي تتقدم كلها على المصلحة العامة وتتناقض مع مبادئ قيام دولة فعلية تحمي كيانًا أهم من وطن وهو لبنان. خطيئتهم كبيرة وخطيئتنا أكبر في حال السكوت عنها. فهل سنتمكن يومًا من تحقيق الأهداف بدل إضاعة الفرص، وأولها التخلص من "الجماجم الفارغة"؟


الكلمات الدالة