السبت - 19 أيلول 2020
بيروت 29 °

الخطر على صحة الأطفال من كورونا... لئلا يسرق المرض مستقبل الجيل المقبل

نيل راسل ونادية لافرتي*
الخطر على صحة الأطفال من كورونا... لئلا يسرق المرض مستقبل الجيل المقبل
الخطر على صحة الأطفال من كورونا... لئلا يسرق المرض مستقبل الجيل المقبل
A+ A-

في عام 1971، وهي السنة التي تأسست فيها منظمة أطباء بلا حدود، توفي أكثر من 15 مليون طفل دون سن الخامسة. وخلال الأعوام المتتالية من حينه انخفض هذا العدد بشكل واضح، ومردُّ ذلك الانخفاض في معظمه إلى البرامج الطبية المنقذة للحياة، كتلك التي تديرها أطباء بلا حدود. في كل عام نعالج نحو ستة ملايين طفل. ونلقح نحو مليوني طفل ضد الحصبة ونساعد في ولادة أكثر من 300 ألف طفل بأمان. نعمل في بعض الأماكن الأكثر فقراً وخطورة والتي يصعب الوصول إليها. وننقذ فيها حياة الناس التي قد يفقدونها بسهولة لولانا.

والآن يواجه العالم جائحة #كوفيد-19، وهي أزمة غير مسبوقة في تاريخ أطباء بلا حدود في العمل الطبي الإنساني الدولي. وفي حين أن الأطفال أقل عرضة للوقوع في براثن الفيروس بشكل مباشر، فإن التداعيات الجانبية للجائحة تمثل ربما أكبر تهديد قد نراه في حياتنا على صحة الأطفال.

وخلافاً للدول التي تعرضت حتى الآن لوباء كوفيد-19، حيث ينصب التركيز الأكبر للاهتمام على كبار السن، نرى أنه في الدول التي لا تملك الكثير من الموارد وفيها أنظمة صحية ضعيفة تكون صحة الأطفال غالباً أكثر عرضة للخطر. والكثير من الأسر فيها قد مرت مسبقاً بلوعة فقدان طفل. وبينما تصارع الدول جائحة كوفيد-19، يرى الآباء والأمهات في هذه الدول مستقبل أولادهم في خطر بسبب خسارة الخدمات الأساسية المنقذة للحياة التي تضررت بشدة أو حتى وُضعت جانباً.

ورغم أنه من الواجب علينا جميعاً أن نستجيب بسرعة ومباشرة لهذا الخطر الصحي العالمي فقد تكون آثار الاستجابة لهذه الجائحة مدمرة على صحة الأطفال، لا سيما في الظروف الإنسانية. وقد أظهرت تفشيات سابقة لمرض إيبولا أن أولئك الذين يموتون من الأسباب غير المباشرة قد تفوق أعدادهم من يموتون من المرض ذاته. ومع ازدياد التوجه العالمي في الأولويات والموارد نحو كوفيد-19، فإن القرارات التي نتخذها الآن كممولين ومنفذين للرعاية الصحية سيكون لها أثر حاسم على صحة الأطفال أثناء وبعد الجائحة.

توقعات بازدياد سوء التغذية نتيجة كوفيد-19

يُرجَّح أن يكون الأثر المباشر لكوفيد-19 على الأطفال في الظروف الإنسانية أكبر منه في الدول الغنية، حسبما يبدو حتى الآن. وفي حين يؤثر كوفيد-19 على البالغين أكثر من غيرهم بشدة حتى الآن، لا نعرف بعد كيف قد يؤثر على الأطفال في أماكن تعمل فيها أطباء بلا حدود، يعانون فيها غالباً من أمراض ضمنية كسوء التغذية أو السل أو فيروس نقص المناعة البشرية. كما لا يمكننا التنبؤ بكيف يمكنه التفاعل مع الأمراض المعدية الشائعة في هذه الأماكن كالملاريا والحصبة.

من ناحية ثانية، فإن الخطر الأكبر على صحة الأطفال لن يكون المرض نفسه بل تداعياته الممتدة غير المباشرة. سنرى الكثير من الأطفال يموتون نتيجة لتقليص أو إغلاق خدمات صحة الأطفال المنتظمة، إضافة إلى زيادة في وفيات حديثي الولادة بسبب فقدان الوصول للولادة الآمنة والرعاية ما بعد الولادة. وحتى في الأماكن التي تبقى فيها خدمات صحة الأطفال، سيؤدي الخوف وسوء الفهم تجاه كوفيد-19 إلى إحجام الوالدين عن جلب أطفالهم المرضى إلى مراكز الرعاية الصحية، وبالتالي سيصل المصابون بأمراض مهددة للحياة إلى المرافق الصحية بعد فوات الأوان. يحصل هذا بالفعل في دول ذات دخل مرتفع، لكن عواقبه ستكون أشد قسوة بكثير في الأماكن التي تملك موارد أقل وأنظمة صحية أضعف.

يأتي كوفيد-19 في فترة حرجة جداً على الأطفال. فقبل انتشار كوفيد-19 كانت هناك توقعات بوقوع جوع حاد في عام 2020 في مناطق عدة من العالم، أما الآن فيتوقع أن يزداد سوء التغذية بشكل كبير نتيجة للجائحة. يتوقع برنامج الغذاء العالمي مستويات قياسية من المجاعة، مع خسارة الأطفال في ذات الوقت لدعمٍ غذائي مهم بسبب إغلاق مدارسهم أو مراكز تعليهم أو بسبب تقليص المساعدات الغذائية.

إضافة إلى ما تقدم، شهدنا في السنوات الأخيرة عودة ظهور أمراض كالحصبة والدفتيريا يمكن الوقاية منها باللقاح وبسهولة في دول منها جمهورية الكونغو الديمقراطية وفي مخيمات اللاجئين في بنغلاديش. هذه الأنواع من التفشيات ستتضاعف، لأن أنشطة اللقاح ستعلَّق في دول عديدة بسبب كوفيد-19. من المتوقع أنه مقابل تفادي وفاة شخص بالغ واحد من كوفيد-19 من خلال تعليق أنشطة اللقاح، قد يفقد أكثر من 100 طفل حياتهم نتيجة لذلك. ومنذ عام 2000، حالت لقاحات الحصبة دون وفاة أكثر من 20 مليون طفل. ومع وجود ازدياد في سوء التغذية الذي يزيد من وفيات الحصبة، فقد تكون نتائج انتكاس هذا التقدم مدمرة.

ستفتك الملاريا بحياة أطفال أكثر من كوفيد-19

وكما هو مشاهَدٌ في كل عام ستفتك الملاريا في عام 2020 بحياة أطفال أكثر بكثير مما قد يهدد به مرض كوفيد-19. والدول التي ستشهد ذروة في كلا الوباءين في ذات الوقت، كالكثير من دول غرب إفريقيا، لا يمكنها أن تعطي الأولوية لأنشطة كوفيد-19 على أنشطة الملاريا. تتوقع منظمة الصحة العالمية وقوع مئات آلاف الوفيات الإضافية من الملاريا، معظمهم من الأطفال ما لم تُستبقى استراتيجيات الوقاية والسيطرة.

ومع سحب المتبرعين للتمويل من مؤسسات متعددة الأطراف، من غير الواضح ما إذا كان يمكن استعادة خسارات أنشطة صحة الأطفال في الأماكن التي تعمل فيها أطباء بلا حدود، ومنظمات مثلنا، أثناء أو بعد كوفيد-19.

وحتى تاريخ كتابة هذا المقال، توفي أكثر من 300 ألف شخص من كوفيد-19. وقد صدم هذا الرقم العالم. لكن إذا خُفّضت تغطية خدمات صحة الأطفال طيلة مدة مشابهة فقد تؤدي إلى وفاة ما بين 253,000 إلى 1,157,000 طفل من أمراض لن تنتهي لمجرد تحوُّل اهتمام العالم إلى كوفيد-19.

المدى الذي يمكن لمنظمات مثل أطباء بلا حدود وغيرها أن تمنع وفيات الأطفال في الظروف الإنسانية أثناء هذه الأزمة سيعتمد بالكامل على قدرتنا على إبقاء وتوسيع أنشطة صحة الأطفال المنقذة للحياة. هذا هو الوقت الذي نحتاج فيه إلى فعل ذلك. وبينما يبقى الضوء مسلطاً على كوفيد-19 يبقى الأطفال الضعفاء عرضة لخطر الموت في الظل. يجب ألا نسمح لهذه الجائحة بأن تسرق من الجيل القادم مستقبله.

* طبيبا أطفال في منظمة أطباء بلا حدود

الكلمات الدالة