الخميس - 01 تشرين الأول 2020
بيروت 27 °

إعلان

"خي جيديوس" لمارلين سعاده: لولا حريق البداية لما كان إشراق النهاية

المصدر: "النهار"
رضا نازه- المغرب
"خي جيديوس" لمارلين سعاده: لولا حريق البداية لما كان إشراق النهاية
"خي جيديوس" لمارلين سعاده: لولا حريق البداية لما كان إشراق النهاية
A+ A-

جاءت القصة على شكل سباق مسافة طويلة بشكل مطرد منعكس. المتسابقون فيها عليهم أن يركضوا كل في اتجاهه حتى يلتقوا في نقطة ما، لكن رغم اللقاء يمضي كل في ركضه لحال سبيله، ويكتفي من اللقاء بطرفة عين. القصة بدأت مثل السباق الطويل حين يظن المتفرج/القارئ أنها تجري إلى ما لا نهاية فتفاجئه الملتقيات على غير موعد وبشكل لذيذ. ذلك أنها قصة تمتد أحداثها لسنوات على خلفية الحرب وشرورها. وكان اختيار الكاتبة أن تكثفها في مائة صفحة ونيف، كأنها هي نفسها تسعى لاستحضار أحداث في غمار الحرب، مع الحيطة من الاسترسال في استحضار الحرب التي كانت من شهودها الأحياء حتما. كان عليها أو لها ذلك حسب الاختيار أو الاضطرار. اختيار من حيث أن للكاتب الحق في اختيار شكل السرد وتطويعه لغرضه الحكائي. والاضطرار من حيث أنها باكورة الكاتبة في عمر بالكاد جاوز العشرين، لكن الكاتبة لم تنشرها في حينها حتى أنضجت السنين أوان نشرها. ويبدو أنها لم تُجرِ عليها تعديلا كبيرًا كما كتبتها أوّل مرّة. ذلك أنّها -عن اختيار هنا- أرادت أن تحتفظ لها بنَفَسها الأوّل الذي ملؤه الفطرة والبراءة وعدم التقعّر في الحكي. أو أجرت تعديلا بما يفيد أنّ البرابرة والبربرية ليس لها دين أو حد، بل هي وحش كامن في أي كان ومع من كان، قريبًا أو بعيدًا، من نفس الجلدة أو المعتقد أو من غيره. وما الجوار وجوار الجوار ببعيد.

أ- العنوان أولا: خي جيديوس

يقول المعجم "الجادسة" هي الأرض التي لم تُحرَث بعد. و"خي" قد تحتمل معنى أخ أو تحتمل معني حي. حي ليس بمعنى الحي التام الحياة ولكن بمعنى الباقي أو المتبقّي أو الناجي بعد كارثة. والوصف ينطبق على الشخصيّة الأخيرة، حيث منها كان بدء السباق وبها كان الختم. وِسام طفل العاشرة، يفرُّ من مذبحة وتصدمه سيارة يفقد على إثرها ذاكرته، ورُبّ ضارّة نافعة في زمن الحرب. تكفله امرأة صاحبة مقام اجتماعي وصاحبة دار نشر، تطويه طيًّا في هوية جديدة. لكن لا هويته الموسومة الأولى ولا هويته الثانية تعصمانه، حين تنكشف خيوط القصة، من الحيرة التي لا يفكُّ خَبالها إلا أن يصير خي أو حي جديس في عماد جديد. كان عليه أن يصير شخصًا جديدًا، كأنه أرض لم تفلح بعد. أو حاول.

ب- الأشخاص: متوازية شربل ووسام

في خضم الفقد واللقيا كان اللقاء بين شخصيتين لهما المسار نفسه وإن بشكل خفي أو معكوس. شربل. شربو إيل. سر إيل. سر الرب. ووسام أو عصام أو خي جيديوس. أو الطفل الذي تقاذفته الأحداث والكوارث والزلازل ليضرب مثال الخلق من زوجين في واحد. خير وشر. والشر ليس شرًّا محضًا بل هو جسر على خير لا يُتوقع ولا يخطر على بال ولو من بين فرث ودم ودمع. شربل يحمل ألم كونه ابنًا نجم عن اغتصاب في زمن الحرب. ووسام الذي نفته الحرب عن أهله وأخته مريم، وحمّلتها غصّتين أو ثلاثًا عنه: غصّة فقده. وغصّة حملها من اغتصاب. وغصّة تهمتها بقتل أخيها المفقود. وغصص أخرى تشبه رجمة الحجارة التي هوت حين انفرطت من تحتها. لم تفلتها الهموم لا منجمعة ولا منفرطة. موازاة لافتة بين الآلام وطريقة الموت. وسواء اختارت الكاتبة هذه الطريقة أو حكت عن حدث وقع فعلا، فقد وقع الحافر على الحافر والواقع كان على سَمْت الرمز وقدره.

ثم الشخوص الآخرون كانوا إلى حدٍّ ما ثانويين.

ج- متوازية هبة ومريم

حتى مريم وهِبة اللتان تبدوان شخصيتين محوريتين تسيران بشكل متواز، لكنهما كانتا فقط جسرًا للقاء شربل وخي جيديوس في هدوء الدير. بيت الجرس كما سمّاه شربل في حوار ساذج فطريّ مع الراعي. والحوار من اللحظات القويّة للنص، وتبدأه راجيًا ألا تنتهيه كي تسمع كلام الفطرة يتلمّس الحقيقة. حوار من نوع حوارات "الأمير الصغير" (للكاتب الفرنسي "سانت إكزيبيري") مع الكائنات التي يلتقيها، ويكون عبارة عن تبادل كلمات بسيطة تحمل في أوانيها معاني القلب الكبيرة. وعطفًا على مريم وهبة نقول، إنّ الشخصيّة الأولى (مريم) عاشت وماتت على غصص الفقد والاغتصاب وضياع حب أخ مغيّب لم تعلم بموته فتيأس، ولم تجده فتسعد به وتبرّئ نفسها، وتقي عرضها من لسان "حنة" غير الحنون. هذه المسافة بين المرء واسمه لافتة هنا، وكم من حامل اسم كأنّه الدفلى، ريحها طيب وطعمها زعاق. ثم موتة مريم تحت حجارة كبيرة كأنّها رجمت بها من تحت قدميها، وكأنّها أخذت بكبيرة لم تقصدها، ثم لعل موتها القاسي يكون كفّارة مطلقة وخلاصًا أبديًّا من كلِّ مقاساة أو جريرة. والثانية (هبة) كأنّها كانت تعيش بانطوائها وكآبتها تسبيقًا من دَين حزن وحدادٍ، ستؤدّيه حين تموت في حادثة مفاجئة تعصف بالحب، وتنسي وحدها ألم الحرب والفراق والمنفى. فإذا كل شيء كأنه.. لا شيء في صورة شيء. لكنها لا تمضي حتى يُكشَف أو ينكشف لها هوية من تحب، وتحل خيوط لغز قديم كان لابد أن ينحل، ولكن.. قبيل موتين لأجل حياتين. هنا مفهوم الفداء يحضر بشكل ثنائي عن قصد أو غير قصد.

د- الأسماء: تنورين

اللافت من كل الأسماء تنّورين. تنّورين: بيتَي نار، فرنَيْن إن صح الترميز والتأثيل. تنّور الحب وتنّور الحرب. فضلا عن كونه يحيل على أغنية مشهورة لفيروز تدور أحداثها في الطريق إلى تنّورين. ثم أسماء أخرى لم نكن لنعرفها لولا الحرب. كأن الحرب رغم عقوقها تعق (من العقيقة) عن ضحاياها من أشخاص وأماكن، بحيث تُبرز أسماؤهم كأنهم يولدون أول مرة. من كان يسمع عن سريبرنتسا؟ من كان يسمع عن بانيالوكا؟ من كان يسمع عن بنت جبيل أو عيترون أو صبرا وشاتيلا؟ لولا الحرب. هل الحرب شرٌّ محض؟ أم أنّها في لحظة تكون الدرس الوحيد الذي سيُحفظ من بين الدروس، في فصل كبُر فيه اللفظ دون معنى والجسمُ دون روح؟

الأشياء بخواتمها. وخاتمة القصة هدوء وسكينة واكتشاف الذات بعد يُتم معنوي وضياع. ثم تهيّئ لرسالة إغاثة منكوبي حرب أخرى بين إخوة أعداء مرة أخرى. بل دائمًا أبدا أشرس الحروب ما كان بين إخوة. ومَن مِنَ البشر ليس أخًا للآخر؟ّ! وكلّهم لآدم، وآدم من تراب..

هـ- لولا حريق البداية لما كان إشراق النهاية

هذه قراءة من طرف خَفيّ لقصّة جميلة كُتبت بنفَس شبابي بادٍ، وهو نَفَس أوّل رواية أو الرواية الأولى، وكان عليها أن تُنشر كما هي. وقد أصابت الكاتبة الأديبة مارلين سعاده في ذلك إذ لم تُجرِ عليها كبير تعديل لأجل صدق البداية وصفائها.

*مالين سعاده، خي جيديوس، منشورات مؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية، الطبعة الالكترونية موقع E-Poets Society، 2020.

الكلمات الدالة