الثلاثاء - 29 أيلول 2020
بيروت 30 °

إعلان

كنّا قبل كورونا... كنّا بعد كورونا

المصدر: النهار
أسامة مهران
كنّا قبل كورونا... كنّا بعد كورونا
كنّا قبل كورونا... كنّا بعد كورونا
A+ A-

عندما استقر الحال وتشرفت بالكتابة في "النهار"، كنت كمن يبحث عن دابة في الأرض لكنه لا يُدرك مروّضها، وكمن كان عضوًا في قافلة مهملة لسنوات، وظن أصحابها بأن كل ما تحقق لهم بعد ذلك لم يكن سوى سراب.

بطبيعة الحال "النهار" ليست بحاجة إلى نهارٍ آخر، إلى تصويب مزيد من شموس الكلام نحو كوكبها المشع، تمامًا لم نكن ونحن نعاصر الجائحة الكبرى، أن نرمي بغير رامٍ، أن نتسلق أشجار اللبلاب كي نلتقط الثمرات والأعناب، أو نركب ذلك النهر الخالد من أجل شربة ماء، أو داء بدواء.

إن الصحافة المغلوب على أمرها، ومخادع التنوير المرجومة بالفيروس اللعين في عقر دارها، ومصادر التوثيق المحفوفة بمخاطر العدوى، وسلاحف المقاومة، أولئك أو هؤلاء أصبحوا في ذمة التاريخ كائنات مجهولة المصدر، شأنها في ذلك شأن كورونا، وشأننا في ذلك شأن المخلوقات الزائلة على الكوكب المأزوم، ديناصورات إلا كثيرًا، هالة كبرى من دون أجنحة، وسحابة صيف امتدت آبارها لتغرق بقية فصول السنة.

كورونا يحكم بالإعدام المؤقت على الصحف الورقية في الكويت، ويحكم بأحكام إقصائية غير مؤجلة على جامعة بيروت الأميركية بعد نحو قرنين من العطاء، ويجعل من امبراطوريات النفط مجرد ثكنات لصهاريج محدودة الإقامة، لا سعر لها، ولا قيمة، لا جاه لديها ولا أموال، لا تأثير يذكر، أو تغيير ذي بال، أو "تحفيل" على مواقع شبه إلكترونية.

اخترت أن أبدأ بـ"كورونا"، وأن أنتهي إلى ما بعد كورونا، آثرت على نفسي وعاهدتها أن أرى بدقة رغم تقدم العمر، وأن أفحص بأمانة رغم إلحاح المناعة غير المكتسبة، وحزمت أمتعتي وذهبت إلى مرفأ الانتظار الطويل، لعالم بدأ يتشكل، ولأمة أوشكت على الزوال، ولأرض سوف تلفظ من بطنها كل "كراكيب" الزمن غير المأسوف عليه.

كنا قبل كورونا أوغادًا لا نستفيد من أخطائنا، "حوشًا" ننتقم من بعضنا البعض، نسفك الدماء من دون مقابل، نأكل من دون أن نجوع، ونعتدي على الحرمات من غير فائدة ترتجى أو حمل ثقيل يزهق أرواحنا، فعلنا كل ما في وسعنا، احتل نفر متغطرس منا أو طائش، ألغى شعوبًا، اعتدى على الجغرافيا الحيوية لكون أقل حيلة من عوامل التعرية، وحكم بأمر الشيطان وليس بأمر الله، في كل مرة يرفع فيها الأشقاء مصاحفهم على أسنة رماح ملتهبة.

جاء الإنسان كي يعمر الأرض، وخلقه الله عز وجل كي يكون مستخلفًا في ثرواته، مديرًا معظمًا لها، وكبيرًا منظمًا لمصادرها، ومحافظًا مألوفًا لدى بني البشر.

لكن الإنسان طغى، استكبر، استعلى، استفحل، وأصبح لديه من المنغصات أكثر مما كان يمتلك من إمكانات، كثير من السيوف المسممة، والطلقات سريعة الانتشار، ومخازن الأسلحة المخصصة في تعذيب "المعذبون في الأرض"، جميعها جميعها، أسرة بيضاء كانت تنتظر ساكنيها، وكانت تفيق كل يوم فإذا بها تجدّ الجثامين الحية وهي تلقى من نوافذ اليأس على المغارات في شوارع أيامنا، وفي حقول مدافننا، وفي ساحات أحلامنا، بل وفي عوز الضعيف عندما تضيق به الأرض فينطلق من "لحظة على الغصن" إلى "لحظة أخرى على الغصن".

ما قبل كورونا كان أكثر بشاعة من عصر كورونا، ما قبل كورونا كان أمانة تخون، وعدالة تظلم، وحياة تقتل، وجنان تشتعل، وغابات تحترق، وأناس يشرقون كل يوم مع الغروب، وآخرون يغربون مع الشروق، أصداف البحر تتحول إلى قناديل مميتة، والكفاءة الإنسانية سابقة الإعداد والتجهيز، لم تكن سوى مصالح شخصية سابقة الإعداد والتجهيز.

يقول المنجمون إن جائحة كورونا تتكرّر كل 700 سنة، لكن الإسم تغيّر، واللون تبدل، والأثر اللعين أُعيد تشكيله وتحويره وتقبيح أعتى ملامحه.

عالم ما قبل كورونا كان أسوأ من كورونا، وعالم ما بعده، سيكون أمرًا مقضيًا لا ناقة لنا فيه ولا جمل.

الامبراطوريات الآسيوية تتشكّل في وجه الأميركيين والأوروبيين، والمقاومة غير الحيوية من الغرب هي التي أخرّت علاجاً سريعاً لكبح جماح الجائحة، وصراع الامبراطوريات غير المستدامة هو الذي يلقى باللائمة على معمل مارق في "ووهان" الصينية، أو على عالِم مُغتال بعد اختياله على الأرض فرحًا بالكشف العظيم، عالَم ما قبل كورونا أشرس من كورونا، أكثر تمييزًا بين الأخ وأخيه، بين العرق الصافي والأصل الملون بألاعيب السنين وتواريخ المعمورة المزورة.

لم يكن غريبًا ولا مريبًا أن نُبتلى بـ"كورونا" أو غيره، فنحن أصل البلاء وعنوانه، ونحن نهاية الوباء وسكانه.

-كاتب صحافي من البحرين.

الكلمات الدالة