الأربعاء - 02 كانون الأول 2020
بيروت 16 °

إعلان

من الشيّاح إلى الكحّالة: رحلة مليئة بالمطبات الطائفية

فاطمة أمين
من الشيّاح إلى الكحّالة: رحلة مليئة بالمطبات الطائفية
من الشيّاح إلى الكحّالة: رحلة مليئة بالمطبات الطائفية
A+ A-

منذ نحو الشهر، قرّرتُ غضّ النظر عن طلب الهجرة الذي كنت قدمته إلى كندا. وعوضاً عن ذلك، شراء أرض صغيرة في لبنان، كخطوة أولى في الطريق نحو تحقيق استقرار يطال ما تبقى من الحياة، مع اتمامي الـ 36 سنة، محاوِلة ترتيب مستقبلي، كما أحّب.

أتصوّر بيتاً صغيراً في الجبل، مع حديقة كبيرة، يصلُح أن يكون بيت ضيافة، لا يبعد كثيراً من بيروت، محوطاً بالكثير الكثير من الأشجار.

إلاّ أن واقع عدم سهولة اختيار فتاة اسمها فاطمة لأرض، بناءً على تصوّرها وميزانيتها، أحبطني. فكان السؤال الأول الذي أوجهه عندما أستفسر عن أي إعلان لبيع أرض: هل تبيعون الأرض لبنت اسمها فاطمة؟ ثم عدلتُ عن الفكرة، خوفاً من العرقلة التي قد أواجهها في البلدية لاحقاً في ما يتعلق برخص البناء أو رخص تشغيل بيت ضيافة، حيث تبيّن أن منطقة جزين، ومعظم قرى الشوف، لا تسمح بالبيع لـ"غريب".

ومع المخاطر الاقتصادية المتلاحقة والسريعة الوتيرة، بدأت بخطة بديلة، وهي البحث عن بيت أو شقة جاهزة. قلت أضمن.

الاحتمال الأول كان شراء البيت الذي أسكن فيه منذ سنة في الشوف، ولكن عائلتي عبّرت عن خوفها في حال "صار مشاكل"، ولم أفهم أو أحلّل المعنى أو الخوف كثيراً.

فبدأت عملية البحث عن شقة في بشامون وجوارها، متفادية منطقة الحدت لمعرفتي السابقة بالاعتبارات السياسية.

ولكن الصدمة الحقيقية كانت عند اكتشافي أن أكثر من منطقة محرّمة عليّ كما أنّ أكثر من منطقة أخرى محرّمة على غيري، في هذه الـ10452 كم2. كفرشيما، وادي شحرور، الكحّالة، وبطشاي!

"بس عفواً، ما قلتيلي اسمك وعيلتك؟" سألني السمسار في الكحّالة، وأضاف: "آه، حضرتك من الطائفة المسلمة الكريمة؟".

أما الصدمة الأكبر، فكانت عندما أرسلت إعلان بيع بيت في كفرشيما لصديقتي "الدرزية" التي بدورها تبحث عن بيت، فكان ردّها أنّ المنطقة تبيع فقط للمسيحيين، "وين عايشة أنت؟".

فبالرغم من انهيار سعر الليرة، وتوقُّف الأشغال والمصالح، وقلّة الطلب على الشراء، تبيّن أن البعض يفضّلون الخسارة، وربما الفقر على الاختلاط بـ"الآخر الغريب".

"الغريب" في هذه الحالة، الذي هو أنا، من مواليد بيروت، المزرعة، ونشأ في الشيّاح "الجهة الإسلامية"، تطّوع لخمس سنوات في الصليب الأحمر اللبناني، قسم الشباب، وتخرّج من الجامعة اللبنانية واليسوعية. شطب مذهبه من القيد سنة 2010، كخطوة صغيرة نحو المواطنة.

في إطار عملي، أنا الغريبة، أعمل في مشاريع تهدف إلى تقليص الهوة بين الشباب من مجتمعات وجنسيات مختلفة عبر الثقافة والفنون. ولألتقي بغرباء، زرت 30 بلداً، وأكثر من 100 مدينة. ولم يرفضني أي منها، بناء على اسمي!

بعمر الـ29، سكنت في منطقة الجية، وبعد ست سنوات انتقلت إلى كفرحيم لأتعرّف إلى هؤلاء الغرباء، المختلفين عمّا ألفت.

سكنتُ في الجيّة، في حي "المسيحين" الغرباء، لأني أردت العيش بالقرب من البحر.

وسكنت في كفرحيم "الدرزية"، لأني أردت تجربة العيش في الجبل.

في الجية، تعلّمت الكثير عن نفسي، عن الوحدة، والبحر. صادقت جاري التسعيني وقطّة بيضاء، دون أن أؤسس حزباً، أو أقلب موازين القوى السياسية والدينية في البلدة.

وفي كفرحيم، يعلّمني أبو وسيم عن الأرض والزرع، وتساعدني أم وسيم بكيفية إعداد اللبن والجبنة. وحتى هذه اللحظة، لا تغيير في الحي، سوى أنّ عصفوراً قد بنى عشّه في البيت الذي وضعته له على الشرفة.

كنت أقول لنفسي، عندما أشتري بيتاً يوماً ما، سأتفادى المناطق التي قد تقصفها إسرائيل، مناطق فالق اليمّونة، والبيوت القريبة من التوتر العالي. لكن، على ما يبدو، التوتّر موجود في كل مكان.

كم هو مؤسف ومُعيب هذا التقسيم والانعزال بحق الإنسان، وكم يفقد هذا البلد نكهة الاختلاط وتبادل العادات.

هل المتوقع منّي الآن أن أشتري بيتاً في المزرعة؟ ومن أين لي بالنصف مليون دولار؟ هل يُخاف منّي بسبب اسمي فقط؟ وهل ثمة خريطة تدّلني إلى أي مناطق يحقّ لي البحث فيها عن بيت، من دون علمي بذلك؟

رغم الإحباط، سأظلّ أبحث، لا أطلب الكثير، أطلب بيتاً صغيراً، مطّلاً، و"مش بكندا".

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم