الجمعة - 18 أيلول 2020
بيروت 28 °

استدرجه إلى فخّه... كيف يحارب بايدن ترامب بسلاح الصين؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
Bookmark
استدرجه إلى فخّه... كيف يحارب بايدن ترامب بسلاح الصين؟
استدرجه إلى فخّه... كيف يحارب بايدن ترامب بسلاح الصين؟
A+ A-

بايدن ينزلق إلى ميدان ترامب

توجّه الإدارة الحاليّة أصابع الاتّهام إلى بيجينغ بكونها تسبّبت بانتشار الجائحة لأنّها تلكّأت عن التعامل معه بجدّيّة بين كانون الأوّل وكانون الثاني. لقي هذا الاتّهام قبولاً شعبيّاً لدى الجمهوريّين وحتى لدى قسم من المستقلّين.

لكنّ الديموقراطيّين رأوا ذلك محاولة لتوجيه ترامب اللوم إلى الآخرين عوضاً عن الاعتراف بمسؤوليّته في الارتفاع الكبير لحالات الإصابات وأعداد الوفيات. وبدأوا التركيز على التصريحات الإيجابيّة التي أطلقها ترامب حول أداء الصين في محاربة الوباء بين كانون الثاني وشباط.

قد تكون فرصة الفوز أكبر بالنسبة إلى من يستطيع إدارة دفّة النقاش إلى الوجهة التي تناسبه. يملك ترامب اليد العليا في هذا المجال. فتوجيه الاتّهام إلى الصين لم يعد مقتصراً على الإدارة الأميركيّة بل انضمّت إليها في ذلك دول أوروبّيّة.

من جهة ثانية، دخلت الولايات المتّحدة والصين لعبة اتّهام متبادل حول منشأ الفيروس وطريقة انتشاره بما يصعّب على بايدن والديموقراطيّين البقاء بعيدين من هذا النقاش. بالفعل، اتّهم بايدن ترامب بعدم قدرته على محاسبة الصين ووثوقه بقياداتها. وثمّة مشكلة ثانية بالنسبة إلى بايدن وهي حصول ابنه منذ سنوات على أسهم خاصة في إحدى الشركات الصينية، وقد بلغت أكثر من مليار دولار.

لا شكّ في أنّ هذه ستكون إحدى أبرز نقاط ضعف بايدن في معركته المقبلة. فتحوّل الصراع الإعلاميّ إلى أيّ من المرشّحين هو "الأضعف" بالنسبة إلى التعامل مع بيجينغ يجعل بايدن في موقف دفاعيّ.

غير أنّ اتّخاذه لموقف هجوميّ أيضاً لم يرضِ جميع الديموقراطيّين. ويبدو أنّ نسبة 77% من الأميركيّين تعتقد أنّ الصين مسؤولة عن تفشّي الوباء، وفقاً لاستطلاع رأي شركة "هاريس"، كما أنّ نسبة 54% تريد مطالبتها بالتعويضات.


هدف محتمل للحرب الإعلاميّة الصينيّة

سبق لمؤيّدي ترامب أن أكّدوا اهتمام الصين بدعم بايدن في الانتخابات الرئاسيّة. لكنّ الصين نفت وجود أيّ مصلحة لها بالتدخّل في ذلك الاستحقاق. يصعب تخيّل أن تستخدم بيجينغ أسلوب روسيا بالتدخّل في الانتخابات، وفقاً للاتّهام الذي وجّهه المجتمع الأمنيّ الأميركيّ إلى موسكو. لكن من الناحية النظريّة، لن يكون مستغرباً تفضيل بيجينغ بايدن على منافسه ترامب، بما أنّ الأخير أطلق ضدّها حرباً تجاريّة انتهت بتوقيع المرحلة الأولى من الاتّفاق في كانون الثاني.

ففوز ترامب مجدّداً يعني على الأرجح الاستمرار بفرض الضغوط على الصين من أجل التوصّل إلى اتّفاق أكثر شمولاً بعدما يتمّ تخطّي أزمة كورونا. لكن إذا كانت الصين ستمتنع عن قرصنة حسابات حملة ترامب كما فعلت روسيا سنة 2016، فإنّ بإمكانها استخدام الحرب الإعلاميّة الدائرة اليوم لإضعاف موقع الرئيس الحاليّ. في الواقع، قد يكون هذا هو الهدف الأساسيّ من الحملة الإعلاميّة الصينيّة قبل أن يكون الترويج لصورة بيجينغ حول العالم.

احتفظ بايدن بنظرة إيجابيّة إلى الصين، إذ قال منذ عشر سنوات، إنّ صعود الصين هو "تطوّر إيجابيّ لا للصين وحدها بل لأميركا أيضاً". وخلال الصيف الماضي، تحدّث بايدن عن أنّ الصين لا تنافس الولايات المتّحدة. أتى التذكير بهذه الوقائع عبر إعلان انتخابيّ للجمهوريين من خلال فيديو يظهر كيف كان بايدن مخطئاً حول الصين طوال أربعين عاماً.

السيناتور الجمهوريّ توم كوتون كتب أنّ بايدن هو "خيار الصين" في الانتخابات، مستشهداً بمقال آخر لمجلّة "فوربس" جاء فيه أنّ بايدن هو "الرجل الذي يستطيع إنقاذ الصين في 2020". الكاتب السياسيّ نيلز فراي رأى أنّ بإمكان بايدن التراجع عن هذه الخطابات ومهاجمة الصين خلال الحملة الانتخابيّة، لكنّ قدرة بيجينغ على التنبّؤ بسلوكيّات بايدن ستكون "نعمة" لها بالمقارنة مع سلوك ترامب. ويعتقد الصحافيّ توم روغان أيضاً أنّ الصين سترغب على الأرجح برؤية ترامب يخسر في الانتخابات المقبلة.


بحاجة إلى الزخم

سيكون على بايدن الإجابة عن الكثير من الأسئلة الأميركيّة المتعلّقة بنظرته الإيجابيّة الطويلة المدى إلى الصين. وحين فرض ترامب حظراً على سفر الصينيّين إلى الولايات المتّحدة انتقده نائب الرئيس السابق باعتبار تصرّفاته تنمّ عن "هستيريا ورهاب الأجانب ونشر الخوف".

إنّ انتقال حملة بايدن للتركيز على هذا الحيّز من النقاش يعني أنّه انتقال إلى ملعب ترامب المفضّل بما أنّ انتقاداته العامّة إلى الصين تعود إلى حملته الانتخابيّة سنة 2016. حتى أنّه لم يتوانَ عن اتّهامها باحتمال أن تكون قرصنت البريد الإلكتروني لحملة هيلاري كلينتون.

يستطيع ترامب عبر نقل السباق الانتخابيّ إلى المضمار الصينيّ أن يعيد بعض الزخم إلى حملته بعدما فقد القسم الأكبر منه. وكان بإمكان الرئيس الحاليّ الترويج لأدائه بخفض نسب البطالة إلى مستويات قياسيّة السنة الماضية. اليوم، ومع تبخّر هذه النتائج بفعل جائحة "كورونا"، قد يكون ربطُ بايدن بالصين السلاح الأهمّ المتبقّي لدى حملة ترامب. ويمكن أن يكون هذا السلاح أمضى من فكرة التركيز على قدرات الرئيس القياديّة في أوقات الأزمة.


"عبثيّة مطلقة"

في مقابل وسم بايدن_بيجينغ الذي أطلقته حملة ترامب ضدّ بايدن، ردّ الأخير بدعاية مضادّة تظهر أنّ ترامب "خضع للصينيّين" مع صور لزيارة قام بها إلى بيجينغ والتقى فيها بالرئيس شي جينبينغ. تلقّت هذه الدعاية انتقاداً بارزاً لكن هذه المرّة من خارج المعسكر الجمهوريّ.

كتب بروفسور الإعلام والعلوم السياسية في جامعة نيويورك بيتر بينارت أنّ بايدن أخطأ في أكثر من نقطة، حيث أنّ الانفتاح الأميركيّ على الصين ليس خطأ وقد ساعد سابقاً في تطوير لقاح لإنفلونزا الخنازير، فضلاً عن أنّ أوباما نفسه زار الصين. ثانياً، قال الإعلان إنّ ترامب خضع "للصينيّين" لا "للحكومة الصينيّة" الأمر الذي يثير التفرقة العنصريّة.

ولخّص بينارت فكرته بأنّ "العبثيّة المطلقة" لبايدن تكمن في مهاجمة ترامب لأنّه غير قوميّ كفاية بدلاً من انتقاده لأنّه غير عالميّ بما فيه الكفاية، واصفاً إيّاه بأنّه انزلاق إلى لعبة الجمهوريّين التي "لا معنى لها" والمتناقضة مع تاريخ الديموقراطيّين.

في انتخابات محورها تبادل الاتّهامات حول من هو الأقلّ تشدّداً إزاء الصين، سيكون مفيداً النظر إلى ما بعد انتهاء الاستحقاق الرئاسيّ الأميركيّ بغضّ النظر عن هويّة الفائز مع سؤال جوهريّ في الأذهان: هل ستنتهي آثار الحملات الانتخابيّة في تشرين الثاني؟ أم سيتعدّى الاستقطاب الذي ولّدته حول الصين ذلك التاريخ ليشكّل جزءاً لا يتجزّأ من سياسة الإدارة المقبلة إلى بيجينغ؟

الكلمات الدالة