الخميس - 22 تشرين الأول 2020
بيروت 29 °

إعلان

كيف بدأت الصين تخسر الحرب الناعمة في أوروبا؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
كيف بدأت الصين تخسر الحرب الناعمة في أوروبا؟
كيف بدأت الصين تخسر الحرب الناعمة في أوروبا؟
A+ A-

حين اتّجهت الصين إلى الفوز

خلال الفترة الماضية، تلقّى الاتّحاد الأوروبيّ عشرات السهام الانتقاديّة بسبب فشله بإظهار وحدته حين كان بأمسّ الحاجة إليها: مكافحة جائحة "كورونا". عندما انهارت إيطاليا تحت وطأة الوباء لم تجد يد المساعدة من قبل بروكسل. وكانت هولّندا من أبرز الدول التي رفضت منح صندوق خطّة إنقاذ منطقة اليورو قروضاً للدول التي تواجه الصعوبات.

كذلك، وقفت ألمانيا وهولندا ودول أخرى من الشمال ضدّ وجود قرض مشترك للدول التي ترزح تحت ديون مرتفعة كإيطاليا وإسبانيا باعتبارها متساهلة في إدارة موازناتها. وفي آذار، قالت رئيسة البنك المركزيّ الأوروبّيّ كريستين لاغارد إنّ البنك غير مفوّض بمساعدة إيطاليا. والأهمّ أنّ دولتين مثل فرنسا وألمانيا منعتا تصدير المعدّات الطبّيّة في وقت حرج. في ذلك الوقت، تدخّلت روسيا والصين عبر إرسال مساعدات طبّيّة إلى إيطاليا وغيرها.

لم يكن مناهضو المشروع الأوروبّيّ وحيدين في انتقاد بروكسل. حتى المؤيّدون لهذا المشروع لو يوفّروا حبرهم في مسار الانتقاد. فمدير برنامج أوروبا في صندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة جان تيشو رجّح أن يكون الاتّحاد الأوروبّيّ الخاسر الجيوسياسيّ الأكبر من جائحة "كورونا"، لكنّه شدّد على أنّ الاتّحاد كان قوّة مستنزفة حتى قبل تفشّي الفيروس.

تقبيل العلم الصينيّ

كان التحرّك الأوروبّيّ شبه منعدم في وقت كان من الطبيعيّ أن يستغلّ القوميّون والشعبيّون هذه الأزمة لتعزيز أجنداتهم. موافقة البرلمان المجريّ أواخر آذار على منح رئيس الحكومة فيكتور أوربان سلطات واسعة لمواجهة كورونا أحد تجلّيات ذلك. وقال حينها ردّاً على انتقادات الأوروبّيّين: "إذا لم يكونوا قادرين على تقديم المساعدة – لأنّهم لا يقدرون على ذلك – فعليهم على الأقلّ عدم منع المجريّين من الدفاع" عن أنفسهم.

سيطر الخوف على الاتّحاد الأوروبّيّ بسبب تمدّد النفوذين الصينيّ والروسيّ داخل دوله. لكنّه امتدّ إلى خارج نادي بروكسل، كما حصل مع صربيا التي تتفاوض لدخول هذا النادي. ومع وصول المساعدات الصينيّة، برز مشهد تقبيل الرئيس الصربيّ ألكسندر فوتشيتش العلم الصينيّ في مطار العاصمة بلغراد. وقال إنّه لن ينسى لبيجينغ هذا الموقف الذي "أنقذ المئات وربّما الآلاف من المواطنين الصرب."

وسبق لفوتشيتش أن انتقد الاتّحاد الأوروبّيّ بسبب عدم توجيه المساعدات إلى بلاده. وكانت الصين قد أرسلت مساعدات طبّيّة أيضاً إلى إسبانيا وفرنسا وتشيكيا وغيرها. وتظهر هذه المؤشّرات قدرة الصين على كسب أصدقاء جدد من أوروبّا، وهو أمر مقلق للاتّحاد. ومع ذلك قد يكون هذا الاستنتاج متسرّعاً. هذا ما يؤكّده الباحث البارز في "المعهد الدنماركيّ للدراسات الدوليّة" والباحث الرائد في "معهد أكسفورد لدراسات الطاقة" لوك پاتَي.


فرق بين الترحيب والإعجاب

أعلن پاتي سابقاً أنّ المساعدات الألمانيّة والفرنسيّة للدول الأوروبّيّة تخطّت تلك التي قدّمتها الصين، علماً أنّه لا ينفي غياب التحرّك الأوروبّيّ في بداية الأزمة. و لكن ما الذي يجعله واثقاً من أنّ الصين لن تكسب أصدقاء جدداً بفعل مساعداتها؟

"بالتأكيد، دعمها هو مرحّب من الجميع"، يجيب پاتي "النهار". غير أنّه يضيف: "لكنّني لا أعتقد أنّ الاستجابة ستغيّر بشكل دراميّ كيف يتمّ النظر إلى الصين بشكل واسع حول أوروبا. في المجر وصربيا، يميل أولئك الذين يشيدون ببيجينغ إلى أن يكونوا سياسيّين مشكّكين أصلاً بالاتّحاد الأوروبّيّ ومقرّبين من بيجينغ."

تعمل بيجينغ وفقاً للمثل الشعبيّ "لا تدع أزمة جيّدة تذهب هباء". وهذا ما أخاف بعض المراقبين الأوروبّيّين خصوصاً في أواسط آذار، حين كان الاتّحاد الأوروبّيّ يتخبّط في مواجهة الجائحة. كذلك، أرادت الصين تقديم نفسها كشريك أساسيّ لبروكسيل عوضاً عن الولايات المتّحدة. ومع ذلك، كان آخرون يقولون إنّه من المبكر تقديم إجابة حاسمة بما أنّ الأوروبّيّين كانوا يستعدّون للاتّفاق حول سياسة مساعدات قارّيّة. ثمّ برزت لاحقاً مشاكل تقنيّة في بعض التجهيزات التي أرسلتها الصين إلى إسبانيا وتركيا وهولندا. حتى أنّ إسبانيا طالبت بيجينغ منذ أيّام بإعادة الأموال التي دفعتها مقابل شراء رزمة ثانية من التجهيزات معيوبة خُصّصت لاستبدال رزمة أولى تبيّنت فيها أيضاً أخطاء تصنيعيّة. لكنّ الصين أعلنت أنّ شركة "شنجن بيوإيزي بيوتكنولوجي" التي أرسلت تلك المعدّات لم تكن تملك رخصة من الصين كي تبيع منتجاتها. في هذه الأثناء، لا تقدّم إشادات دول أوروبّيّة بالصين أيّ محوّل استراتيجيّ في الصراع على النفوذ داخل أوروبا وفقاً لپاتي. عوضاً عن ذلك، ما يراه پاتي في هذه الإشادات هو مجرّد ضغط على بروكسل:

"هذا يعزّز مسارات موجودة في استغلال البعض للصين كسلاح استفزازيّ ضدّ الاتّحاد الأوروبّيّ بدلاً من أن يكون انتصاراً لقوّة بيجينغ الناعمة. ففي نهاية المطاف يبقى هؤلاء النقّاد كثيري الاعتماد على التجارة والاستثمار من الاتّحاد الأوروبّيّ. هذا لن يتغيّر بعد الجائحة."

حين بدأ المشهد بالانقلاب

ليس تحليل پاتي خسارة الصين اكتساب قوّة ناعمة إضافيّة هو دعوة لبروكسل كي تطمئنّ: "يتعيّن على الاتّحاد الأوروبّيّ أن يكون أكثر مبادرة وثقة في مواجهة الروايات الكاذبة التي تصوّر الصين كمزوّد أكبر للدعم في أوروبا."

ثمّة ملامح حذر متنامٍ في أوروبا من الصين. تقترب أسوج من إغلاق آخر "برنامج كونفوشيوس" في البلاد لتعليم اللغة والثقافة الصينيّتين. أتى ذلك بعدما سجنت بيجينغ السويديّ غي مينهاي بعدما نشر من هونغ كونغ كتباً ممنوعة في الصين. من جهة أخرى، أعلن الباحث في "معهد أبحاث السياسة الخارجية" جوزف دو ويك أنّ ديبلوماسيّة الصين حول "كوفيد-19" ترتدّ عليها في أوروبا التي احتفظت طويلاً بثقة وبنظرة إيجابيّة تجاه بيجينغ.

أعاد الباحث هذا الأمر إلى استخدام الصين لغة تهديديّة في المجال التجاريّ شبيهة باللغة الأميركيّة وإلى استخدامها حملات إعلاميّة تضليليّة كما تفعل روسيا. ومن بين أحد الأمثلة مطالبة الصين الأوروبّيّين في بداية الأزمة بأن يقدّموا المساعدة لها من دون ضجّة إعلاميّة، وهو ما لم تفعله بيجينغ عندما ردّت الجميل.

اللافت في الأصوات الأوروبّيّة المنتقدة أنّها صادرة عن أصوات لها صداها في صناعة السياسة مع الصين. فبويتيكوفر هو أيضاً رئيس وفد البرلمان الأوروبّي لشؤون العلاقات مع الصين. وقد ذكر أنّ المشكلة معها تتمثّل في "حقيقة إدارة" الصين بداية للوباء، والموقف "العدواني للغاية" الذي تتّخذه وزارة الخارجيّة الصينيّة في بيجينغ و"البروباغندا المتشدّدة" التي تعلي من شأن حكم الحزب الصينيّ إزاء الديموقراطيّة. ووصف رئيس غرفة التجارة مع الصين في الاتّحاد الأوروبّيّ الأجواء مع الصين بأنّها أقرب إلى "السمّيّة".

يبدو إلى الآن أنّ الأجواء العامّة في النظرة الأوروبّيّة إلى بيجينغ تميل إلى السلبيّة. لكنّ كلّما طال أجل مكافحة "كوفيد-19" أصبحت الوقائع على الأرض أكثر عرضة للتبدّل. ربّما لا يزال بإمكان الصين تبديل النظرة الأوروبّيّة إليها. فالأوروبّيّون لم ينخرطوا في حرب تجاريّة مع الصينيّين كما رفضوا تسمية الفيروس ب "فيروس ووهان" أو "فيروس الصين" كما فعلت واشنطن. وتبادلهم التجاريّ مع بيجينغ إلى تصاعد. فهل تبادر بيجينغ إلى فتح حوار عميق مع بروكسيل حول مآخذها أنّ لديها حسابات أخرى؟

الكلمات الدالة