الإثنين - 21 أيلول 2020
بيروت 30 °

قوائِم فلسطين

المصدر: "النهار"
نجم الدين خلف الله
قوائِم فلسطين
قوائِم فلسطين
A+ A-

وَلَجْتُ الشقّةَ الفاخرةَ التي وقَّعْتُ عَقْدَ كِرائِها منذ أسبوعٍ. قيل لي إنّها في حالة جيِّدة وأنَّ المستأجِر السَّابق هو أحد المسؤولين السّامين في سفارة فلسطين بتونس. أجلتُ نَظري في زَوايا البيت الفسيح. شدَّتني أرائكُ الصالون ولوحاتٌ ترَكَها مُعلّقةً على الجُدران، وبعضُ الكراتين الصغيرة مُبَعْثرةً هنا وهناك. ورثتُ من الدّبلوماسي بعضَ أثاثه المنزلي. قيل لي إنّه حصل على ترقية مفاجئة والتَحق بسفارة فلسطين بباريس. "وإلا لم يكن ليتركَ مثل هذه الشقَّة الفاخرة. أنت محظوظٌ".

فتحتُ كرتونًا فيه كتبٌ قديمة وجرائد وملفَّات. قلَّبْتُها بلا اكتراثٍ. فجأةً، لاحظتُ ورقةً خطوطُها باهتة، كُتب في أعلاها هذا العنوان، بخطٍّ جميلٍ: "قائمة الـمُتَطوِّعين لتحرير فَلسطين". يبدو رسمُ "فلسطين" مُخَرْبَشًا، كأنما قد حُوِّرَ. فَتَحْتُها برفقٍ، فإذا أكثر من تسعين اسمًا مُرقّمًا خُطَّت على صفحاتها الأربَع وأمامها أعمارُ أصحابها. مؤرّخة في أكتوبر 1986. وضُمّت إلى هذه المطويّة رزمةٌ من الأوراق، تَراكمت كلّها في ذلك الكرتون الصغير الذي انتثَرَ فَوقَهُ الغُبار.

للَحْظَةٍ، عادَني حلمُ التحرير وراودَتْني مناراتُ القُدس القديمة، بكنائسها وأقْصاها، إشراقٌ يَملأ المكانَ ويَفيض بهاءً على زَياتين فَلسطين الألفيّة. أرى، خلال الأسطر المنبثّة أمامي، تلكَ المَسَالِكَ الرمليَّة التي حَفرَتْها أقدامُ السّابِلَة ودوابُّهم منذُ مئات السنين. في تلك الأرض التي طالما تخَضَّبَت بدماء الذين ماتوا فَوقَها مِن أهلِها، ودمِاء الذين جاؤوا مِن بلدانٍ غيرها، وحتى دماء الذين لم يُغادروا أوطانَهم وحُبِسوا فيها.

صحيحٌ أنني لم أولد في القُدْس، ولا في أيّ مَدينة من مُدُن الداخِل. كمْ أغبِط الكتّاب والشُّعراء الكِبار الذين وُلدوا وماتوا في تلكَ الأرض. لم أستمع إلى رصاصاتِ الغاصب قَطُّ، بل إنّني لم أرَ في حياتي جنديًّا يُعنّف الأطفالَ ويُسقِط الصَّبايا الـمُحجَّبات. حُرِمتُ من مَشهد الـمَوت الصافي حين يُقْصف الشبابُ الـمُلثَّم بالطائرات المسيَّرة، أو يُرمى الصغارُ بالرصاص الغاشم. فأنا أصيلُ بلدةٍ ساحليّةٍ هادئةٍ، يُمنعُ فيها الحديث عن "القضية الفلسطينية"، تحت طائلة الاتّهام بالعَمَالة لإيران الخُمَيني وبالانتماء إلى حَركات الإسلام السياسي. في أحسن الأحوال، وأرحمها، تُرمى بالشيوعيّة وبالتعاطف مع أحزاب اليسار. "لا تَتَكلمْ عن فلسطين إلا كما يريد "المُعَلِّم". لا تَخُضْ في "القضية" إلا بالقَدْر الذي يَسمح لك به، فهو الذي يَعرف كيف يحْتَفي بالقُدس وبالنِّضال".

أعيد تقليبَ الكرتون، أرى قصاصاتٍ من جرائِدنا التونسيّة، قِسم الأخبار العالمية، وفيها معلوماتٌ عن فلسطين المحتلة، مُهَذَّبة مشذَّبَةً، بعد أن فَعلَت فيها يدُ الرّقابة ما تَفعلُه أيادي فلاَّحينا بأعواد الزيتون اليابسة. أجولُ بِبَصري، من جديدٍ، في أسطر القائمة وقد رُقِمَت بخطٍّ بَديعٍ. لا أعرف أحدًا من أصحاب هذه الأسماء التي تتراصفُ مثل أزقَّة بَلدَتي.

عادت بي الذاكرة إلى أيام تشرين الأول 1986، إلى تلك الأزقَّة، تحديدًا إلى مَقْهى "سعد" الذي كانَ مُلتَقى الشيّوعيين والقوميين، حيث دار حديثٌ عن تَشكيل فريق كومندوز للقتال في فلسطين والانتقام من الغارات التي ضربت مدينةَ "حمّام الشطّ". يريد شَبابُ بَلدَتي الطيّبون القَطعَ مع خطابات الحزب الحاكم الباردة، لـمَّا تأكَّدت أنباء القَصف الإسرائيلي. تَساءلوا عن طريقة العبور إلى ليبيا ثمّ مصر ومنها إلى القُدس. هكذا، في سَذَاجَةٍ لافِتَةٍ.

يومَها، قرَّر فرعُ "الحزب القومي" عندنا فتحَ قوائم للمتطوّعينَ والفدائيين. وَقف رئيسُ الفَرع، والسيجارة بين شفتَيْه المرتعشتيْن، أمامَ طاولة خشبية رثَّة في المقهى، وقد عُلِّقت بالمناسبة على الحائط خَلفَه صورةٌ للأقصى، إلى جانب صورة الفريق التونسي لكرة القَدَم. كان يصيح بصوته المتشنّج: "باب التطوع مفتوحٌ، فلسطين في رَقبتنا. لا بدَّ من الانتقام. الموت لأميركا الامبريالية..". كان شباب البلدة يَتَوافدون لتسجيل أسمائهم وأعمارهم، يرسُمها محاسِبُ الفَرع بِخَطه الأنيق على ورقَةٍ. وَصلَ عددُ الأسماء فيها، حسبَ قوله، إلى ما يقربُ المائةَ متطوّعٍ.

كان هذا الاجتماع صاخبًا، كأنَّما يستعيد ضوضاءَ الرصاص الحيّ ومَشاهد الفَتك في فلسطين. يواصل الرئيسُ خِطابَه مشيدًا بالـمُقاومة ومتوعِّدًا "العدو الغاصب بالتدمير الكلي". تتعالى كلماتُه تَحتَ سحابة من دُخانٍ كثيفٍ، يَنبعث من سجائره المتعاقبة. بَين الجملة والجملة، يُطلق الحاضرون، وكنتُ أحدهم، موجةً من التصفيق الحارّ، تتناسب مع حماسته رَغمَ تَأتَأته وكَثرة أخطائه اللغوية. لا أدري لماذا زلَّ لسانُه فَنَطَق بــ: "فرنسا" عوضَ: "فلسطين". لِلَحَظاتٍ، كان المشهد سِرياليًا. ويبدو أن هذه الاجتماعات الصاخبة تكرَّرت في كل مُدُن البِلاد وقُراها. يُريد الجميع التطوّع لفلسطين والكلّ يُعِدُّ قَوائِمَه لإرسالها للسّفارة.

فجأةً، توقّفت سيّارة رماديّة أمام المقهى. خرج منها أربعة رجال بزي مدنيّ. وطلبوا من الخَطيب، الذي دخل في حالة من التجلّي الإيديولوجي، أن يُرافِقهم. ودون مواربةٍ، افتكّوا الورقة التي كان المحاسِب يدوِّن عليها قائمة المتطوّعين. في مركز الشرطة، صاح الضابط: "ألا تعلمون أنَّ أميركياً لو قَطَعت علينا أكياس السميد يومًا واحدًا مِتّم أنتم وأباؤكم جوعًا. أتتجرَّأون على استعدائها أمام الملأ؟ شرحنا لَكم ألف مرة. لا تتكلَّموا في "القضيّة" إلا بالقدر الذي نُريدُه والصيغة التي نُحدّدها لكم. هذا آخر إنذار".

"سنحتفظُ بهذه الأسماء، ولْنَضَع أصحابَها جميعًا تحت المراقبة"، قال الضابط لفريقِهِ الأمني. وبعد برهةٍ، كشَّر عن أنيابٍ صفراء، وأطلق ابتسامةَ مُنتَصِرٍ. علمتُ لاحقًا، من أحاديث المقهى وضِمنَها تسريباتُ مَركز الشّرطة، أنّ الضابط اعتبرَ الورقة التي انتزعَهَا "صيدًا ثمينًا". رَفعها إلى مُديريهِ. كان من بينهم عَقيدٌ طمع في استثمارها أكثر. أشار على أحد زملائه: "ماذا لو نرسل هذه القائمة إلى وزارة الخارجيّة ونطلب منها أن تُقدِّمها، رسميًا، إلى سفارة فَرنسا بتونس وتوهِمها أنّ هؤلاء الرجال، المثبتة أسماؤهم وأعمارهم هنا، مستعدون للمشاركة في حروب فرنسا والتضحية من أجلها. يكفي أن نُحَوِّرَ اسم "فلسطين" إلى "فرنسا". انظروا مليًّا، يَشترك الاسمان في ثلاثة أحرف وهي كافية لتحويره بسهولة. ثم نغطّي الحرفيْن الأخيريْن بماحٍ أبْيَضَ. وهكذا نوهم الفرنسيين بوقوفنا معهم. في مقابل ذلك، نسعى إلى الحصول على بعض العقود والوكالات والامتيازات... للسيد الرئيس ولـمُحبّيه. ستكون العملية مربحةً للجميع. ولفلسطين ربّي". في إحدى جَلسات المقهى، أضاف بعضُهم: "يَبدو أنَّ هذه الخطَّة سَقطت في الماء، بسبب كثرة القوائم في البِلاد. لكن مَن يَدري؟".

مازلت متسَمِّرًا أمامَ كَرتون المَسؤول الفلسطينيّ أتساءل كيف استقرَّت فيه مثلُ هذه الورقة؟ ذَكرتُ أنني جالستُ، في منتصفِ التسعينيات، سفيرًا تونسيًّا متقاعدًا. حدّثني عن علاقاته بالسّفراء وجولاته حول العالَم. قال: "كان السّفير الفرنسي بتونس مولعًا بسحر "الشرق". هكذا يَصِفُ بَلَدَنا رغم أنه يقع في المغرب العربي، وكان يعشق الخَطَّ العربي عشقًا صادقًا. تسحره تعاريج الرسوم دون أن يفقَهَ منها شيئًا. أحيانًا، كانَ يَطلبُ منّي أنْ يحتَفِظَ بورَقَةٍ مَكتوبَةٍ بخط اليد إذا ما أعجبه تشابكُ حروفها وتناسق الأشكال فيها. لا أجد سببًا لرفض طلبه، خاصَّة إذا كانت أوراقي بلا قيمة. كان يتأمّل ما أهديهِ منها، كما لو كانت لوحاتٍ بديعةً. تتابَع الخطوط أمام عينيه. كلُّ سطر كأنَّه قطعة من سورٍ أو زُقاق قصير. يَسبح بخياله في تاريخها وسِحرها...".

أدقَقُّ النَّظر في الورقة المهترئة، يشدني فجـأةً عنوانُها: لا شكَّ أنَّ اسمَ فلسطين قد حُوِّرَ ثمَّ أعيدَ تمرير القلم على أحْرفِهِ. هذه آثار ماحٍ أبيضَ قديمٍ. لعلَّ السفير الفرنسيّ قد وقعَ، يومًا بالصدفة، على قائمة من قوائم "المتطوّعين" فأخَذَها. ربَّما قُدِّمَت له رسميًا: "سعَادَةَ السَّفير، هذه أسماء تونسيينَ، يعبّرون عن تعاطفهم مع فرنسا وهم مُستعدون للمشاركة في حروبكم ضد الأعداء...". وربَّما أخبَروه بالحقيقة: "اسمُ فلسطين حُوّر إلى فرنسا! هل قَرَّر بَعدها أن يُسلّمها إلى هذا المسؤول الفلسطيني حتّى يبلّغها إلى شَعْبِهِ، صاحبِ الحقِّ الحقيقي في القائمة؟

حالَ لونُ القائمة إلى الصُّفرَة الداكنة. شاهدٌ من عصرٍ آخَرَ. علامة جديدة على الخِذلان. خُذِلَ الذين سَطَّروها وخاب أملُ الذين قدَّموا أسماءَهم صادِقين. سُجِنت الحروفُ الـمُعرَّجَةُ في مُربَّعاتها عقودًا. كأنّ الأسماء، المؤلَّفَةَ منها، تحاول الإفلاتَ لترتحل إلى القدس، قبل أن يُفرَغَ من اغتِصابها. أرَى سطورَ الأسماء تتحوّل إلى غضب ساطعٍ، وتفكُّ قيودَ الحِبرِ وألمَ السطور. قرأتُ ما كُتب على ظهر الورقة. لم أتمكّن حتّى من الاستياء. سأبيت الليلةَ في هذه الشقّة الفَسيحة. لا أدري ما أصنع بهذا الكرتون الذي أمامي. هل ألقي به في سَلّة المُهملات؟

الكلمات الدالة