السبت - 26 أيلول 2020
بيروت 26 °

مركز للرعاية الموقتة للأولاد السوريين افتتحته SOS في الخنشارة / كوتين: قرى الأطفال نموذج لإرادة اللبنانيين وإنسانيتهم

المصدر: " ا ف ب"
زينة حريز
A+ A-

هلموت كوتين. طفلٌ، رجلٌ، مسؤول، وأهم من ذلك كله، إنسان. بل قمة في الانسانية. لم يسبق أن قابلنا شخصاً يتمتع وربما بصفات من هذا النوع قرأنا عنها في كتب النور والمعرفة، وبين صفحات مراجعنا التربوية والفلسفية، حيث سألنا أنفسنا عن معنى الحياة وما يتخللها في وجود معانٍ ضائعة بين الشر ومصالح السلطة والمال.

\r\n

ولد كوتين العام 1941، في عائلة عايشت ظروف حربٍ قاسية أودت بحياة شقيقته ووالدته. إنضم الى قرية أطفال SOS في إيمست العام 1953، وهي أول قرية أسسها هرمان غماينر في النمسا. إعتبر كوتين، ومنذ يومه الاول، أنه ينتمي الى "عائلة شاركت يداً بيد المصير نفسه". اليوم هلموت كوتين، هو الرئيس الفخري للإتحاد الدولي لقرى الأطفال SOS، وفي حديث أجرته معه "النهار" عقب زيارته لافتتاح "مركز للرعاية الموقتة للأولاد السوريين غير المرافقين" في الخنشارة، أعرب عن تقديره لقرى الاطفال SOS في لبنان، ولهذا المشروع خصوصا. وأشار الى الروحية العالية لفريق العمل والهيئة الادارية، مشيداً بتعاون بلدية الخنشارة وقبول الأهالي لهؤلاء الأولاد "دونما تفرقة أو تمييز". تماماً كمبادئ SOS، التي، ومنذ العام 1969، تعمل على دعم الاولاد اللبنانيين من خلال تأمين بيت دافئ لكل من فقد الرعاية الوالدية.
أما اليوم، وفي ظل الأزمة الحالية وتوافد أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين إلى لبنان، كان من الواجب الاستجابة إلى حالة الطوارئ وتلبية الحاجات المستجدة في مجال رعاية الأطفال، خصوصا أولئك غير المرافقين أو المفصولين عن عائلاتهم. وفي هذا الإطار، وبتمويل من وزارة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية، قامت الجمعية بتأهيل مركز للرعاية المؤقتة للأطفال السوريين غير المرافقين وتجهيزه لإيوائهم ودعمهم نفسياً واجتماعياً من خلال نشاطات تربوية وترفيهية ومتابعة على الصعيدين النفسي والعائلي في مرحلة أولى، والعمل على إعادة لمّ شمل العائلة في مرحلة ثانية أو إيجاد أفراد من عائلاتهم الممتدة وتمكينهم من رعايتهم.
"الرب يوفق من يسعى ومن يعمل". هكذا اختصر كوتين مسيرة SOS ونجاح مشاريعها على صعيد لبنان والمنطقة. فـ"سوريا تعيش اليوم حرباً موجعة، الضحية الاولى فيها أطفالها ومستقبلهم". وبالتالي يشير كوتين الى أن آماله الاولى تقع على عاتق الاجيال الجديدة، فهو اليوم يعتبر نفسه "جد الـSOS" ويحب أن يناديه الاطفال بـ"جدي" بدلاً من "President" أو "رئيس". وبالنسبة اليه تلك هي المكافأة الكبرى، أن "أكون جداً لهؤلاء الاولاد، فهم يفضلون الجد على الرئيس.."، وهذا ما يحتاجون اليه.
وفي سؤالنا عن وضع قرى الاطفال SOS في سوريا اليوم، يوضح كوتين أن هناك قريتين في حلب وقدسيا قرب دمشق، ولكن جراء تصاعد شدة المعارك وسيطرة "المسلحين" على مدينة حلب، تم نقل الاولاد الى القرية الثانية، حيث يؤمن لهم الرعاية والامن حفاظاً على سلامتهم وبعيداً من أجواء الصراع السياسي، الذي، وبحسب كوتين هو "علة تاريخ البشر والشعوب"، مستذكراُ حرب الفيتنام، عندما أقفلت قرية الاولاد قسراً العام 1976، وظن يومها أنه لن يعود اليها، ولكنه عاد في عام 1989 وأصبح هناك 16 قرية بدل قرية واحدة. ويوضح كوتين أنه يأمل في أن "يعود أطفال سوريا الى أرضهم محصنين بعقلٍ وجسم وطموح صلب لاعادة إعمار بلدهم". وهنا يشير الجد الروحي لـ"SOS" أنه يجب إعتماد "منظور مؤقت" لمشروع الخنشارة آملاً في ألا يستمر هذا الظرف العصيب على أطفال سوريا لاكثر من سنتين، وأن ينتهي القتال في القريب العاجل.
يعود هلموت كوتين في حديثه لفكر هرمان غماينر، ويقول أن أسس هذا الرجل المبنية على فكرة: البيت، العائلة، الام، الاب والاخوة، هي، وإن أُحسِن تطبيقها، تعتبر "المثال الاهم لنمو الطفل وسلامته ضمن كنف عائلة SOS". وعن الام وأهميتها كمبدأ من مبادئ SOS، أوضح كوتين أن "لا أحد يستطيع أن يتخيل حجم عطاء إمرأة وتضحيتها وهبت حياتها لاولادٍ ليسوا من لحمها ودمها". فهذه "نعمة" تتطلب الكثير من الحب والتفرّغ الكامل لنحو 8 أو 10 أولاد ينمون تحت سقفٍ واحد. وهنا يلفت "الجد" الى نقطة أساسية تتعلق بالام وتعلقها بالاطفال، الذي "يجب أن يبقى ضمن حدود الحقيقة والمنطق". فعلى كل "أم SOS" أن تحفظ في وجدانها وبين نبض قلبها كلام "جد SOS" يوم قال لـ"النهار":
"The child was born by another woman, the child is reborn in my heart",
أي أن طفل SOS خلق من رحم أمه الطبيعية، وشاء القدر أن يخلق مرة أخرى في قلوبنا. وSOS في العالم أجمع، تُجمِعُ ومنذ 60 عاماً وفق كوتين، على "أننا لا نستطيع استبدال عائلة طبيعية بعائلة كاملة وبديلة، فما نستطيع فعله هو تأمين العنصر الاهم والاساسي لكل طفل وهي الام" بكل ما لهذه العبارة من معاني وقدسية.
زيارة كوتين للبنان ليست الاولى، فهو يعشق هذا "الوطن الجميل" كما يصفه، ويأمل في أن يصر اللبنانيون فيه على "التماسك والوقوف يداً واحدة حفاظاً على إنسانيتهم وسلامة طموحاتهم". وهو يرى في عائلة "قرى الاطفال SOS في لبنان" نموذجاً مصغراً لارادة اللبنانيين الحقيقية للنهوض والعمل سوياً من أجل المبدأ. وإن كان مبدأنا الوطن، أم الطفل، أم الهوية، فالمهم أن يكون هناك مبدأ وإرادة و"صدق" للوصول الى الهدف. وما أسمى مسيرتنا إن كانت دفاعاً عن أبرأ ما في الخلق، "الطفل" والانسان. فكما يقول كوتين: "إنسوا السياسة واتحدوا!". هكذا خلاصنا.