الخميس - 22 نيسان 2021
بيروت 18 °

إعلان

كيف يدور الفقراء في حلقة مفرغة بمواجهة كورونا؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
كيف يدور الفقراء في حلقة مفرغة بمواجهة كورونا؟
كيف يدور الفقراء في حلقة مفرغة بمواجهة كورونا؟
A+ A-

الديناميّة الطبقيّة في توسّع الإصابات

إذا كانت فاعليّة المواجهة تتنوّع بين الدول الصناعيّة والدول الفقيرة، فإنّ هذا الاختلاف موجود أيضاً داخل الدولة نفسها وفقاً لتوزّع الطبقات والعلاقات الجدليّة بين المركز والأطراف. هنالك متغيّرات ثانويّة لكن مهمّة في توقّع تأثير الإصابات. للعمر دوره في المعادلة، وكذلك الصحّة. فالفقير المتمتّع بصحّة جيّدة يتمتّع بمناعة أفضل من الثريّ الذي يعاني من أمراض مزمنة. لكن عادة ما يكون الفقراء أقلّ تمتّعاً بصحّة جيّدة وفقاً لدارسة نشرتها مجلّة "لانسيت" الطبّيّة في الثاني من نيسان.

أشارت المجلّة أيضاً إلى أنّ كلّ تراجع بنقطة مئويّة واحدة في حجم الاقتصاد الدوليّ يُغرق أكثر من 10 ملايين شخص حول العالم في الفقر، أي أنّ المزيد من الأشخاص سيعانون من غياب شبكة الرعاية الصحّيّة والاجتماعيّة، كما من صعوبة الاستفادة من التعويضات الحكوميّة. وحذّرت من أنّ الفقراء الذين يعانون في إمكانيّة الوصول إلى الشبكة الصحّيّة في الأوقات الطبيعيّة ستزداد معاناتهم خلال تفشّي الأوبئة. وطالبت الحكومات بأن تهدف إلى تخفيف اللامساواة الاجتماعيّة عبر برامج الإنقاذ التي لا تزال تعطي الأولويّة للصناعات.

تؤكّد هذه الدراسة مساهمة ديناميّة التحوّلات الاجتماعيّة في مضاعفة الآثار السلبيّة الصحّيّة ل "كوفيد-19". فالطبقات الاجتماعيّة ليست دوائر مغلقة على نفسها إنّما مفتوحة على تسرّب المزيد من عائلات الطبقة الوسطى إلى تلك الدنيا. وكلّما توسّعت الأخيرة، ازدادت صعوبة الأثرياء في عزل أنفسهم داخل "بيئاتهم". بذلك، تهدّد الديناميّة بتوسيع رقعة انتشار الوباء. من هنا، يمكن فهم محوريّة تخفيف اللامساواة الاجتماعيّة كشرط لمواجهة الأوبئة، خلال وخصوصاً قبل تفشّيها. ومن الناحية الاقتصاديّة، يبدو الأثرياء أقوى في مواجهة الوباء، من حيث قدرتهم على البقاء لفترة أطول من دون عمل، لكن أيضاً من حيث مرونتهم في التفاعل مع المتطلّبات الجديدة التي فرضها الفيروس على سوق العمل.


مرونة الأثرياء... مادّيّة لا نفسيّة؟

أجبر الإغلاق الواسع والتباعد الاجتماعيّ الغالبيّة العظمى من الناس على البقاء في البيوت، ربّما باستثناء الدول التي تؤيّد فكرة "مناعة القطيع". في حين أمكن نقل بعض الأعمال والوظائف إلى المنازل بفضل توفّر خدمة الإنترنت، يبقى أنّ قسماً كبيراً من الأعمال منفصل عن الشبكة العنكبوتيّة ومرتبط بالتنقّل الميدانيّ.

يذكر استطلاع رأي أعدّه موقع "أكسيوس" بالتعاون مع "إيبسوس" أنّ الأغنياء يتمتّعون أكثر بإمكان ممارسة أعمالهم من المنزل بالمقارنة مع الفقراء. فالكادحون مضطرّون للاختيار بين الذهاب إلى أعمالهم لتأمين لقمة العيش والتعرّض لخطر الإصابة بالفيروس، وبين البقاء في المنزل وخسارة أعمالهم. الأثرياء قادرون على دخول عالم الأعمال الافتراضيّ، على عكس الفقراء. وتزداد هذه الإمكانيّة طرديّاً مع ارتفاع الدخل.

للمفارقة، وجدت الدراسة أيضاً أنّ أولئك المتمتّعين بالموارد الأعلى كي يضمنوا البقاء في منازلهم، كانوا أكثر ميلاً للقول إنّ صحّتهم العاطفيّة تأثّرت سلباً. تتعدّد تفسيرات هذه الظاهرة منها أنّ القادرين على العمل عن بعد هم الأشخاص الأكثر تنقّلاً أو سفراً بالنظر إلى المرونة الزمانيّة والمكانيّة التي يتمتّعون بها لإتمام عملهم. بذلك، قد يكون الحجر الصحّيّ أثّر سلباً على صحّتهم النفسيّة عبر الحدّ الكبير من تنقّلاتهم. اللافت أيضاً، أنّ الأكثر قدرة على السفر هم الذين تعرّضوا في البداية للإصابة بالفيروس. ومع ذلك، يستطيع المال شراء بعض الحماية للأثرياء، وهي ميزة غير متوفّرة لدى غالبيّة الفقراء.

كلّما تناقصت المداخيل، صعُب الحصول على خدمة الإنترنت السريع، وهو واقع لا يقتصر على الدول الفقيرة وحسب. ينعكس ذلك سلباً أيضاً على خدمة التعليم عن بعد. لم يخلق "كورونا" جميع هذه المشاكل لكنّه سلّط أقوى الأضواء عليها. حين يعيش الفقراء في الأحياء الشعبيّة المكتظّة يصبح التباعد الاجتماعيّ أكثر تعقيداً. حتى الحجر الصحّيّ الذاتيّ في المساكن الضيّقة يغدو إشكاليّاً. والفقراء أكثر ميلاً لتجنّب إجراء الاختبارات الصحّيّة عند الشعور بعوارض مرضيّة. ومن المتوقّع أن تدفع الجائحة حوالي 500 مليون إنسان إلى الفقر.


تحدّي الحكومات

فيما يضع "كورونا" الحكومات تحت ضغط مواجهته، يتحتّم على الأخيرة تسخير مواردها لحماية بنيتيها الصحّيّة والاجتماعيّة في آن. لكنّ العقبات لا تعترض العمل الحكوميّ مع تقلّص حجمها بل أيضاً عند دراسة حسن اختيار موضع وتوقيت استخدامها. توضّح ذلك في اختلاف تداعيات الجائحة بين الدول المقتدرة نفسها. كوريا الجنوبيّة وألمانيا كانتا أفضل تعاملاً مع "كورونا" من الولايات المتّحدة وإيطاليا على سبيل المثال. وبينما كانت الدول الصناعيّة تواجه نصيبها من الجائحة، كانت الدول الفقيرة أقلّ تعرّضاً لها.

اليوم، ترتفع أعداد الإصابات داخل هذه الدول في توقيت سيّئ جداً. وفقاً لما شرحه باحثون في مجلّة "فايننشال تايمس" ستواجه هذه الدول المشكلة بطريقة "عكسيّة". سوف يخيّم "كورونا" بثقله على هذه الحكومات بعدما أصيب اقتصادها بالانمكاش عقب الركود الاقتصاديّ العالميّ. والأسوأ، أنّه سيصل إليها في وقت تعجز الدول الصناعيّة عن تقديم المساعدة. وفي الدول الأقلّ نموّاً حول العالم، وغالبيّتها من أفريقيا، قد يكون حوالي 900 مليون شخص معرّضين للإصابة بالفيروس.

لا يعرّض غياب المساواة الاجتماعيّة الدول إلى المزيد من الإصابات وحسب. إنّه يجعل الفيروس أكثر فتكاً بعشر مرّات أيضاً وفقاً لما نقلته صحيفة "نيويورك تايمس" عن مركز الصين للوقاية ومكافحة الوباء. وإذا كان "كورونا" يفرض الخطر الأكبر على من تخطّوا سنّ السبعين فإنّ الأمراض المزمنة تجعل هذا الحدّ يتدنّى إلى الخامسة والخمسين لدى المنتمين إلى الشرائح الأفقر من الطبقة الدنيا. وبالعكس، توضح الصحيفة، حيث اللامساوة الاجتماعيّة أقلّ حجماً كما في اليابان، يتمتّع سائقو سيّارات الأجرة بدرجة حماية اجتماعيّة نادرة.

يفاقم غياب المساواة الاجتماعيّة عجز الفقراء في مواجهة الأوبئة التي تؤدّي بدورها إلى توسيع غياب المساواة. هذه هي الحلقة المفرغة التي يجب على الحكومات كسرها. لكن حتى بوجود النيّة السليمة، ليس تحقيق الهدف بالغ السهولة في الحالات غير الطبيعيّة. يرى باحثون أنّ شهراً واحداً من الانكماش الاقتصاديّ الناجم عن تفشّي "كورونا" يلغي مفاعيل عشر سنوات من العمل على تضييق الفجوة الطبقيّة. بذلك، يعيد الفيروس الجهود الحكوميّة والخاصّة في مكافحة اللامساوة إلى ما دون الصفر. حدث هذا مع "الإنفلونزا الإسبانيّة" واليوم مع "كورونا". تؤكّد الجائحة الحاليّة أنّ الاستثمار في الرعاية الصحّيّة سيكون أحد أسهل الطرق مستقبلاً لضمان عمل الحكومات على تضييق الفجوة الطبقيّة – إن اقتنعت فعلاً بأهمّيّته.

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم