السبت - 19 أيلول 2020
بيروت 25 °

هل يضرب ترامب "عصفورين بحجر" لو انفتح اليوم على الصين؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
هل يضرب ترامب "عصفورين بحجر" لو انفتح اليوم على الصين؟
هل يضرب ترامب "عصفورين بحجر" لو انفتح اليوم على الصين؟
A+ A-

رغبة أكاديميّة

في عدد ربيع 2020 من مجلّة "فورين بوليسي"، توقّع العميد السابق لجامعة كاليفورنيا ومدير "مركز العلاقات الأميركيّة-الصينيّة" في "مجتمع آسيا" ومقرّه نيويورك أورفيل شَل أن يساهم فيروس "كورونا" في تسريع التباعد بين الأميركيّين والصينيّين. رأى أنّ هذا التباعد أساسه وصول الرئيس شي جينبينغ إلى الحكم، واتّباعه سياسة قوميّة متشدّدة أطاحت "مجّاناً" بالكثير من المكاسب الإيجابيّة التي حقّقها الطرفان خلال العقود الماضية. لكنّه لم يعفِ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب من المسؤوليّة.

في الواقع، يودّ الكثير من الأكاديميّين الأميركيّين البارزين عودة العلاقات الثنائيّة إلى طبيعتها. وانتشرت دعواتهم لتخفيف حدّة الصراع مع الصين خلال مواجهة فيروس "كورونا"، لكن أيضاً، قبل تلك هذه المواجهة. مسار الصراع بين الدولتين مسار تصاعديّ بلا شكّ. غير أنّ تقييم هؤلاء الأكاديميّين لنتيجته سلبيّ إلى حدّ بعيد. كان ذلك واضحاً خلال الحرب التجاريّة بين البلدين والتي انتهت في كانون الثاني الماضي.

أمكن أن تكلّف تلك الحرب الاقتصاد العالميّ خسارة 0.8% من الناتج الإجماليّ، أي ما يوازي حجم الاقتصاد السويسريّ الإجماليّ. وأكّد البعض أنّه لا يمكن أن يكون هنالك منتصر في هذا النوع من الحروب. صحيح أنّ تداعيات "كورونا" على الاقتصاد العالميّ حجبت كلفة الحرب التجاريّة. لكنّ استمرار التناقضات السياسيّة والإعلاميّة الحادّة بين الدولتين ستزيد الطين بلّة.

"لأخذ نفس عميق"

اللافت في دعوات الأكاديميّين الأميركيّين إلى التهدئة والتعاون مع الصين، عدم إنكارهم ما تعلنه الإدارة الأميركيّة من ممارسات صينيّة "غير منصفة" في التجارة مع الولايات المتّحدة. لكنّهم مع ذلك، يقدّمون المصلحتين الأميركيّية والدوليّة على ما عداهما.

البروفسور الفخري والعميد السابق لكلّيّة كينيدي للحوكمة في جامعة هارفارد جوزف ناي، طالب البلدين بتخفيض التصعيد الدعائيّ المتبادل والاستعداد للتعاون ولاحتمال معاودة الفيروس الظهور مرّات أخرى، الأمر الذي سيؤذي مصلحتي البلدين. وطالبهما أيضاً بتحويل دعم مادّيّ كبير لصندوق أمميّ مخصّص لمكافحة الجائحة على أن يكون مفتوحاً أمام كل الدول، وبإعادة إحياء الشبكة المشتركة لعلماء وأطبّاء البلدين والتي كانت موجودة منذ عقد وأكثر.

في بعض القراءات المتفائلة، سيصل مدى نتائج التعاون إلى أبعد من مرحلة التخلّص من الجائحة. نشر عدد كانون الثاني-شباط من مجلّة "فورين أفّيرز" مقالاً للكاتب السياسيّ في "واشنطن بوست" فريد زكريا، حذّر فيه من محاولة واشنطن احتواء الصين لإسقاط نظامها. بالنسبة إليه، ليست الصين الاتّحاد السوفياتيّ الذي كان "إمبراطوية غير طبيعية مبنيّة على الهيمنة العسكريّة والتوسّع الوحشيّ". وحذّر من أنّ واشنطن ستضع نفسها بمواجهة حضارة ذات شعور قويّ من الاعتزاز والوحدة الوطنية وبمواجهة كلفة حرب باردة تشوّه الاقتصاد وتضخّم المجمّع العسكريّ.

ثمّة أحداث في التاريخ يمكن أن تضع صنّاع القرار أمام مسؤوليّاتهم. إنّها لحظات "قد يستفيد منها الجميع عبر أخذ نفس عميق والتفكير بوضوح حول الطريق المقبلة" وفقاً للسفير الأميركيّ السابق وبروفسور ممارسة الديبلوماسيّة في جامعة دنفر كريستوفر هيل. لذا، طالب الدولتين بوضع الخلافات جانباً والتساعد، لأنّ تبادل الاتّهامات لن ينفع العالم في تخطّي الأزمة.

طريقة وحيدة كي تفوز واشنطن استراتيجيّاً؟

اللافت في أنّ التعاون الأميركيّ-الصينيّ، خلال أزمة "كورونا"، والأهمّ في ما بعدها، سيصبّ في صالح الولايات المتّحدة أكثر، أقلّه من وجهة نظر زكريّا. طلب الأخير من واشنطن "تشجيع" بيجينغ على ممارسة نفوذ أعظم في منطقتها وحتى أبعد، بشرط تعزيز النظام الدوليّ، كما على الإشادة بجهودها في مكافحة التغيّر المناخيّ وحظر الانتشار النوويّ ومحاربة تبييض الأموال. بالمقابل، حضّ الصين على تقبّل الانتقادات الأميركيّة حول حقوق الإنسان.

وذكّر زكريّا بعدم تمكّن الاتّحاد السوفياتيّ ولا اليابان التي شكلت هاجساً لواشنطن في ما مضى، من تزعّم العالم. يؤمن الكاتب أنّ سياسة التواصل، من دون إسقاط الردع، ستؤمّن تفوّقاً أميركيّاً في عالمٍ تكيّف الصين نفسها معه. فهي تواجه مشاكلها الداخلية من الديون المتنامية إلى التناقص الديموغرافي، مدركة في الوقت نفسه أنّها حقّقت تقدّمها الهائل في ظلّ عالم مستقرّ ومنفتح.

حين ينطوي الصراع الثنائيّ على حسم هويّة قائد العالم، يصبح تخفيف التصعيد والانحياز نحو التعاون أكثر صعوبة. الحرب الباردة بين الولايات المتّحدة والاتّحاد السوفياتيّ دليلٌ على ذلك. الحرب الباردة الجديدة مع الصين ليست استثناء على الأرجح. في ظلّ التوتّرات الكبيرة، قد يكون هنالك أرجحيّة لطغيان التفكير القصير الأجل على حساب التفكير الطويل الأجل. لكن ثمّة حسابات أخرى يمكن أن تقنع القيادتين بالتهدئة.

احتمال ظهور موجة جديدة من الفيروس مطلع الخريف المقبل، أو أسوأ، في الأسابيع القليلة المقبلة، سيوجّه رسالة بأنّ بيجينغ ليست مستعدّة بعد لإطلاق عجلتها الاقتصاديّة وهي بالكاد قيّمت خسائرها للربع الأوّل من هذه السنة. وقد يفرض عبئاً إضافيّاً على كيفيّة إدارة الصين للأزمة وإعلانها المبكر عن نهاية الجائحة. على الضفّة الأميركيّة، قد يستنتج ترامب أنّ إنهاء الحرب الإعلاميّة مع الصين وفتح صفحة ولو موقتة من التعاون قد يهزم الوباء بشكل أسرع، أو يحتوي تداعيات موجة جديدة من "كورونا". تكفي هذه النتيجة لتعزيز حظوظه الرئاسيّة في تشرين الثاني.

ويكفي أن يعجّل فتح القنوات التقنيّة بين الولايات المتّحدة والصين في تخفيف تداعيات النموّ العالميّ. سيريح ذلك الأسواق الدوليّة بشكل تلقائيّ وسريع. فالاقتصاد هو أبرز عنوان فخر مشترك بين صنّاع القرار الأميركيّين والصينيّين إزاء شعبيهما. وإذا صحّ توقّع زكريّا، فإنّ الولايات المتّحدة ستحافظ على تفوّقها الدوليّ. لكنّ الصين أيضاً ستواصل ترسيخ موقعها في هذا العالم. ما يعني أنّ كلتا الدولتين ستخرج منتصرة ولو بوجود اختلاف نسبيّ في حجم الانتصار.

بذلك، إنّ انفتاحاً مفترضاً من قبل ترامب على الصين، قد يقيّد "كورونا"، ويرفع حظوظه الرئاسيّة، ويمكن أن يضمن للولايات المتّحدة تفوّقها الدوليّ خلال السنوات والعقود المقبلة. وسيكون هذا الانفتاح بحاجة لخطوات صينيّة مقابلة. 

فهل يسود "العقل البارد" لدى الدولتين، أقلّه حتى ضمان التخلّص من تداعيات الجائحة؟ أم أنّ الانزلاق إلى الحرب الباردة بات حتميّاً؟ مصير العالم في مواجهة "كورونا" قد يتحدّد بناء على الجواب.

الكلمات الدالة