الجمعة - 23 تشرين الأول 2020
بيروت 28 °

إعلان

لماذا قد يكون توقّع نظام دوليّ جديد بعد "كورونا" سابقاً لأوانه؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
لماذا قد يكون توقّع نظام دوليّ جديد بعد "كورونا" سابقاً لأوانه؟
لماذا قد يكون توقّع نظام دوليّ جديد بعد "كورونا" سابقاً لأوانه؟
A+ A-

تفرّغت الصين للمعركة الإعلاميّة قبل الولايات المتّحدة، بما أنّ الإصابات التي تُسجّل يوميّاً داخل حدودها قد انكمشت. لهذا السبب، كان متوقّعاً أن تلجأ بيجينغ إلى "الهجوم" على واشنطن في ما يخصّ مصدر الفيروس. ويمكن أن تزداد حدّة الصراع الإعلاميّ بين القوّتين في المرحلة المقبلة.

لا يتجلّى الصراع فقط في لعبة تبادل الاتّهامات حول منشأ الفيروس. في المكاسب الإعلاميّة أيضاً، يتمّ احتساب المساعدات الخارجيّة المرسلة إلى الدول الأكثر تضرّراً من الفيروس. ساعدت الصين إيطاليا وفرنسا ودولاً أفريقيّة، وأعلنت واشنطن أيضاً عن استعدادها مساعدة إيران وكوريا الشماليّة وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا. تعاني القيادتان الأميركيّة والصينيّة من انتكاسات باكرة متشابهة إلى حدّ ما في طريقة تعاطيهما في المراحل الأولى مع الأزمة. لذلك، إنّ أحد أبرز أهداف المعركة الحاليّة هو التعويض عن تلك الإخفاقات.

التغيّرت المرجّحة

هنالك بعض التغيّرات شبه المؤكّدة في طريقة تعاطي القادة داخل دولهم مع الأوبئة بعد احتواء "كورونا". سيكون للقطاعات الصحّيّة نصيب أكبر من التمويل في الموازنات المقبلة، بالنظر إلى الكلفة الكبيرة التي تكبّدتها الدول مؤخّراً على الصعيدين البشريّ والاقتصاديّ. وسيكون للأبحاث الطبّيّة أيضاً نصيب من هذا التمويل.

من المتوقّع كذلك أن يعود للخبراء مكانتهم الاستشاريّة في مجال صناعة القرارات بعدما تمّ تجاهلهم إلى حدّ كبير مع تصاعد الشعبويّة في الغرب. تمّ تصنيف الخبراء ضمن خانة "النخب" التي "فشلت" في الإصغاء إلى ما تريده الشعوب. وألقي اللوم على هؤلاء في مرحلة ما بعد الأزمة الماليّة العالميّة. فعلى الرغم من وجود العديد من الخبراء السياسيّين والماليّين والاقتصاديّين لدى المصارف والحكومات و "وول ستريت"، لم يستطع هؤلاء تفادي الأزمة. تنبّأ البعض ب "موت الخبرة" بالتوازي مع هذه الموجة. كما دعا كبار العلماء إلى محاولة فهم هذه المستجدّات. لكن بعد "كورونا" سيكون هنالك إنصات أكبر لآراء ذوي الخبرة والاختصاص. يتأكّد ذلك إذا أحسن الخبراء استغلال الفرصة التي تقدّمها لهم الأزمة الحاليّة، وإلّا فسيكون ذلك "مسماراً في نعوشهم" وفقاً لتعبير بروفسور علم الاجتماع في جامعة كولومبيا وصاحب كتاب "أزمة الخبرة" جيل إيال.

يجسّد هذان العنصران تطوّراً مهمّاً في صناعة القرار. لكن من غير المرجّح أن يؤثّر مباشرة على النظام الدوليّ القائم على توازن القوى والعلاقات الدوليّة المستندة إليه. ثمّة مراقبة أيضاً لكيفيّة استنهاض العولمة أركانها بعد انتهاء الفيروس. هذا إذا كانت قادرة على ذلك. فالعولمة نفسها كانت الطريق السريع الذي انتشر بواسطته "كوفيد-19". يصعب من اليوم الجزم باتّجاه العولمة بعد انتهاء هذه الجائحة. لكنّ العولمة كانت في أزمة قبل تفشّي الوباء. ظهور الشعبويّة هو أحد إرهاصاتها. التظاهرات التي انتشرت السنة الماضية هي أحد مفاعيلها أيضاً. ويرى البعض أنّ مشاكل العولمة جزء لا يتجزّأ من عناصرها، لدرجة أنّه كان بالإمكان توقّع الأزمات الناتجة عنها منذ عقود.

بناء على هذه الأسباب، قد لا يكون بالإمكان الحكم على مسار العولمة قبل معرفة سرعة تعافي العالم من الجائحة. هنالك محاولات صينيّة جمّة لترسيخ المشاريع الضخمة العابرة للدول والقارّات، كما هي الحال مع "مبادرة الطريق والحزام". أعلنت الصين مؤخّراً أنّها تريد تأسيس "طريق الحرير الصحّيّة". ولا تخلو هذه الخطوة من الإيجابيّات والسلبيّات التي تتوازى مع تلك التي تظهرها العولمة.


نظريّة معاكسة

من بين الذين لا يوافقون على أنّ "كورونا" سيغيّر النظام الدوليّ، رئيس تحرير مجلّة "وورلد بوليتيكس ريفيو" جوداه غرونشتاين. يؤسّس الأخير فكرته على أنّ ما سيولد بعد "كوفيد-19" هو استمرار للمسارات نفسها التي كانت قد تشكّلت قبله. فترامب أثبت أنّه لا يريد أن يقود العالم مؤكّداً ازدراءه التعدّدية. وذكر الكاتب أيضاً أنّ دول الاتّحاد الأوروبّيّ تحرّكت بطريقة أحاديّة لا تضامنيّة، مظهرة فشلاً غير مفاجئ في القيادة القارّيّة والدوليّة. وكتب أنّه المبكر القول إنّ الصين قادرة على قيادة العالم، لأنّه ليس من المؤكّد طموحها إلى ذلك، كما أنّ مساعداتها الطبّيّة شابتها الكثير من الأعطال. ما يتبيّن اليوم بحسب رأيه، صراع القوى الثلاث لكسب ميزات تفاضليّة نسبيّة لكنّها ستكون غير راغبة و/أو غير قادرة على قيادة العالم.

يمكن أن يكون هنالك عنصر آخر يؤكّد هذا الاتّجاه. بالعودة إلى ارتفاع أهمّيّة الأخذ بآراء المستشارين في مرحلة ما بعد "كورونا"، قد يتمتّع المستشارون السياسيّون بدور بارز في تلك المرحلة: بالتحديد أولئك الذين يؤمنون ب "الواقعيّة السياسيّة" المبنيّة على إعطاء الأولويّة للدولة كشخص معنويّ في العلاقات الدوليّة. تؤمن هذه المدرسة بضرورة مراكمة هذا الشخص للقوّة العسكريّة والمادّيّة في إطار علاقاته وصراعاته مع الآخرين. أبرزُ نتيجة لذلك، عالم مبنيّ على التنافس أكثر من التعاون. وهذا يعيد تسليط الضوء على الصراع حول الميزات التفاضليّة النسبيّة.


متغيّرات غير واضحة

قد تخفق هذه النظريّة في تنبّؤ عالم ما بعد "كورونا"، كما قد تخفق النظريّة الأخرى التي تتنبّأ بنظام عالميّ جديد بعده. لكن من شبه المؤكّد إلى الآن أنّه لا يزال مبكراً توقّع جواب حاسم على هذا السؤال. بالفعل، بدأ أكاديميّون بارزون يفرملون بعض الشيء الاندفاع نحو هذه التوقّعات. عمليّاً، ثمة كثير من المتغيّرات لم تتّضح معالمها بعد، وربّما يكون في مقدّمها هويّة الدولة التي ستكتشف العلاج أو اللقاح للفيروس والتي ستكتسب مكانة عالميّة جديدة. وتأثير "كوفيد-19" على الاتّحاد الأوروبّيّ لا يزال مفتوحاً على شتى الاحتمالات.

حتى النظرة إلى الولايات المتّحدة كدولة لا تنظر إلّا إلى مصالحها فيه شذرة مبالغة، بعدما فتحت خطّاً لمقايضة السيولة مع أبرز البنوك حول العالم. وهذه خطوة لا تتطابق كثيراً مع توصيف دولة أو إدارة "تزدري" التعاون الدوليّ. بناء على ذلك، ينعكس غموض هذه المتغيّرات غموضاً أساسيّاً في أدوات تحليل النظام الدوليّ المقبل بعد انتهاء الأزمة.

الكلمات الدالة