الجمعة - 18 أيلول 2020
بيروت 30 °

كورونا مخيف... لكن ماذا لو حرّر التغيّر المناخيّ "الفيروسات- الزومبي"؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
Bookmark
كورونا مخيف... لكن ماذا لو حرّر التغيّر المناخيّ "الفيروسات- الزومبي"؟
كورونا مخيف... لكن ماذا لو حرّر التغيّر المناخيّ "الفيروسات- الزومبي"؟
A+ A-

كان الأستاذ زاك بيترسون (25 عاماً) يساعد علماء آثار على تفحّص مقصورة خشبيّة عمرها 800 سنة على الساحل الشماليّ من ألاسكا. بعد انتهاء الورشة، قال بيترسون: "لاحظتُ بقعة حمراء على واجهة قدمي. كانت بحجم قطعة نقود معدنيّة صغيرة. وكانت حارّة وموجعة عند اللمس."

بعد أيّام قليلة، "أصبحَتْ بحجم كرة ليّنة". 

مزيد من المفاجآت؟

في الآونة الأخيرة، أظهرت صور الأقمار الاصطناعيّة كيف انخفضت نسبة التلوّث فوق مناطق واسعة كبيرة بسبب تدنّي مستوى النشاط الصناعيّ للإنسان عقب انتشار فيروس "كورونا". في وقتٍ ليس من المثاليّ أن يكون انخفاض التلوّث ناتجاً عن تفشّي جائحة بدلاً من أن ينجم عن الاستثمار في الطاقة البديلة، تبقى طريقة التعامل مع البيئة إحدى القضايا الأساسيّة التي حفّز انتشار "كورونا" البشر إعادة التفكير بها. والتغيّر المناخيّ جزء جوهريّ من تلك القضيّة. إذا كان انتشار الفيروس عاملاً مباشراً في نشر القلق بين الناس فالتغيّر المناخيّ الناتج عن الاحترار العالميّ ليس أقلّ مدعاة للحذر.


تتظهّر نتائج الاحترار العالميّ في ذوبان جليد القطبين كما الأنهار الجليديّة على قمم الجبال المرتفعة. تحت هذا الجليد، الكثير من "المفاجآت" النائمة. وفي مقدّمتها الفيروسات والبكتيريا. بعد أكثر من شهرين على انتشار "كوفيد-19"، لم يستطع العلماء أن يجيبوا على كلّ الأسئلة المتعلّقة بطبيعة الفيروس الحاليّ. ومع فيروسات أخرى نائمة منذ عشرات آلاف السنين تحت الصفائح الجليديّة، قد لا تكون البشريّة جاهزة لاستقبال المزيد من المفاجآت غير السارّة. ليس تحذير العلماء من تأثير ذوبان الجليد على إطلاق الفيروسات جديداً أو مرتبطاً بانتشار الجائحة الحاليّة. التقارير التي سلّطت الضوء على هذا الجانب عمرها سنوات.

نظريّة ونقيضها

بالعودة إلى الإصابات بالجمرة الخبيثة أو "أنتراكس"، تقول النظريّة إنّه منذ 75 عاماً، ماتت رنّة مصابة بالجمرة الخبيثة وأصبحت جثّتها المصابة والمجمّدة محبوسة تحت طبقة من التراب المجمّد المعروف بالتربة الصقيعيّة (permafrost). بقيت هناك حتى أذابت موجة حرّ سنة 2016 الجليد فأطلقت جثّة الرنّة البكتيريا إلى التراب والمياه ثمّ إلى سلسلة الغذاء، فأصيبت 2000 رنّة وانتقل المرض بعدها إلى الإنسان.

أمّا بيترسون الذي تحدّث إلى "الإذاعة الوطنيّة العامّة"، فأدرك سريعاً مصدر الالتهاب في قدمه. التقرير نفسه أشار إلى استخدام وسائل إعلاميّة كثيرة عبارة "الممرِضات الزومبي" (zombie pathogens). لكن كان هنالك تشكيك بالموضوع. فذلك النوع من الفيروسات والبكتيريا اعتاد العيش أو التفاعل في بيئة حرارتها ما دون الصفر. وهو سيموت عند ارتفاع الحرارة. هذا ما نقله التقرير عن باحثين متنوّعين في مجال الفيروسات سحبوها من جثث كشف عنها ذوبان الجليد إلى المختبرات، من دون أن ينجحوا بإحيائها. لكنّ ذلك لا ينفي جميع مسبّبات الحذر.

ما ظنّه العالم من الماضي

أدّى ازدياد نسبة ثاني أوكسيد الكربون في الغلاف الجوّيّ إلى زيادة حرارة الكوكب بمعدّل يتراوح بين 0.8 و درجة واحدة مئويّة بالمقارنة مع حرارة الأرض قبل الثورة الصناعيّة. لكنّ الحرارة فوق القطب الشماليّ ترتفع بمعدّل ضعفي إلى ثلاثة أضعاف الحرارة في أماكن أخرى، لأنّ الجليد نفسه يعكس حرارة الشمس إلى الفضاء. بالتالي، كلّما قلّت مساحة الجليد قلّت معها كمّيّة الحرارة المعكوسة إلى الخارج. يعني هذا أنّ تراجع الجليد هو عنصر محفّز بذاته للاحترار العالميّ. لا تنتهي المشكلة عند هذا الحدّ. ففي التربة الصقيعيّة كمّيات من الكربون سيسرّع ذوبان الجليد عنها الاحترار العالميّ. وهذا ما يؤكّده لـ "النهار" الدكتور روبرت ماكس هولمس وهو نائب مدير "مركز وودس هول للأبحاث" في مجال تغيّر المناخ ومقرّه ماساشوستس.


هولمس، وهو أيضاً عالم بارز في مجالات عدّة من بينها العناصر الكيميائيّة في المياه والكربون في التربة الصقيعيّة، يرى أنّ "التربة الصقيعيّة تذوب مع احترار الأرض ويتمّ إطلاق الكربون القديم المحبوس في التربة الصقيعيّة، الأمر الذي يؤدّي إلى مزيد من الاحترار." وأضاف: "هذه مشكلة كبيرة إذ يوجد من الكربون المحبوس في التربة الصقيعيّة حوالي ضعفي الكمّيّة الموجودة في الغلاف الجوّيّ."


في السنوات الأخيرة، سحب العلماء عيّنات من الجمرة الخبيثة والإنفلونزا الإسبانية (أوائل القرن العشرين)، والجدري (القرن الثامن عشر حتى العشرين) والطاعون الدبلي (أواسط القرن الرابع عشر) من التربة الصقيعيّة. لوهلة، ظنّ الخبراء أنّ هذه الممرضات أصبحت من الماضي، خصوصاً بالنسبة إلى الجدري الذي أعلنت منظّمة الصحّة العالميّة القضاء عليه سنة 1980. ونشر علماء صينيّون وأميركيّون في كانون الثاني نتيجة أبحاثهم في ما عثروا عليه داخل إحدى جليديّات التيبيت: 33 مجموعة من الفيروسات، 28 منها مجهولة بالكامل. عمر إحدى العيّنات 520 عاماً فيما عمر الثانية يصل إلى 15 ألفاً. إنّها من نوع "رواية لستيفن كينغ" وفقاً لموقع "الميكانيكيّات الشعبيّة".

"تسبّبت بانقراضات"

افتراض عدم قدرة الفيروسات أو البكتيريا المحرّرة من التربة الجليديّة على التحوّل إلى أوبئة غير محسوم. حتى نتيجة تورّم قدم بيترسون أظهرت أنّ سببها بكتيريا تعيش في الفقمة. والفقمة الوحيدة التي اقترب منها الأخير هي واحدة كانت مدفونة في تربة مجلّدة في ألاسكا تعود إلى مئات السنين. ومع ذلك، لا يزال العلماء متردّدين في إطلاق حكم عام حول هذا الموضوع.

في شباط الماضي، قال بروفسور علوم الجينوم والمعلوماتيّة الحيويّة في جامعة أكس-مارسيليا الفرنسيّة جان-ميشال كلافري عن البكتيريا والفيروسات الموجودة في التربة الصقيعيّة: "يمكن أيضاً أن يكون هنالك فيروسات تسبّبت بانقراضات حيوانيّة – أو بشريّة – في الماضي، وأنّ الطبّ الحديث غير مدرك لها. وينطبق الأمر نفسه بالنسبة إلى البكتيريا الممرِضة – مثل تلك التي تتسبّب بالأنتراكس". 

يعيش اليوم حوالي 35 مليون نسمة فوق التربة الصقيعيّة. في الأحوال العاديّة، حتى ولو كان مؤكّداً انتشار الفيروسات أو البكتيريا بسبب ذوبان الجليد، يصعب توقّع حصول أوبئة على نطاق واسع بسبب بعد الناس عن مناطق التربة الصقيعيّة. لكن مع التغيّر المناخيّ وتمدّد الإنسان صوب تلك المناطق، سكنيّاً وصناعيّاً، واختلاطه مع المزيد من الكائنات الحيّة، يصبح تفشّي الأوبئة أكثر جدّيّة. يمكن تذكّر أنّ جائحة "كوفيد-19" انطلقت بسبب تداخل عدد من الحيوانات التي كانت تعيش بعيدة من بعضها البعض في سوق رطبة في ووهان، كما بسبب تداخل الإنسان مع هذه الحيوانات، في الأسواق الرطبة. بذلك، يمكن أن يصبح انتقال الفيروسات أسهل بسبب وجود عدد أكبر من الحلقات الوسيطة.

"خلطة كارثة"

بحسب ما أوضحه هولمس لـ "النهار"، ثمّة "احتمال بأن يكون ذوبان التربة الصقيعيّة مساهماً بارزاً في الاحترار العالميّ. واحتمال تحرير ممرِضات بشريّة بالتزامن مع ذوبان التربة الصقيعيّة يجعل المشكلة أسوأ". 

وفي حديث إلى مجلّة "نيوزويك" لخّص كلافري المشهد بالتالي: "الاحترار زائد المزيد من الأشخاص في مناطق قطبية غير مسكونة سابقاً هما خلطة للكارثة – نظريّاً." ومع أنّه أكّد أن لا أحد يدرك كيفيّة تقدير احتمال أن يحدث هذا، يشير كلافري إلى أنّ "هذا، في المبدأ، احتمال."

مع تفشّي "كورونا"، طرح كثر تساؤلات عن سبب تأخّر الإنسان في إدراك مخاطر عبثه بالبيئة. ربّما يعود ذلك إلى طبيعته التي لا تتحسّس حجم المخاطر إلّا حين يتعرّض لها مباشرة. بطبيعة الحال، ليست الفيروسات وليدة تعدّي الإنسان على البيئة. تعايش الإنسان ولا يزال مع الفيروسات منذ آلاف السنين أي قبل العصر الصناعيّ. أكثر من ذلك، كانت الفيروسات موجودة حتى قبل ظهور الإنسان على الأرض بملايين السنين. لكنّ التغيّرات التي يُدخلها في البيئة تساهم أكثر في احتكاكه بها. فهل يهتمّ الإنسان بتقليص حجم انبعاث غازات الدفيئة حماية لنفسه من انبعاث الممرِضات؟ أم سينسى بسرعة ما واجهه مع "كوفيد-19" بمجرّد نهاية الأزمة؟

الكلمات الدالة