الجمعة - 04 كانون الأول 2020
بيروت 21 °

إعلان

المثالثة العرفية

المصدر: النهار
عاصم عبد الرحمن
المثالثة العرفية
المثالثة العرفية
A+ A-

يوم أدرك الرئيسان بشارة الخوري ورياض الصلح أنه لا يمكن لفكرة لبنان الوطن النهائي لجميع اللبنانيين أن تتحقق إلا بالعودة عن المضيّ قُدُماً في درب اللحاق والتبعية لفرنسا أو الاندماج النهائي مع سوريا، وذلك إبان انتزاع اللبنانيين استقلالهم من براثن أسلاك الانتداب الفرنسي عام 1943، عندها غرس الرجلان بذور الميثاق الوطني الذي قام آنذاك على التفاهم والتراضي في العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين، دون احتساب التعداد الديمغرافي وتالياً تركيبة المجلس النيابي والوزاري، كذلك المناصب السياسية والوظائف الحكومية وكيفية توزيعها... إلا أن رأياً آخر يقول إن ذاك الميثاق ما كان إلا اتفاق تحاصص وتبادل مصالح على حساب تأسيس الدولة المدنية، دولة القانون والمؤسسات.

كان الدستور اللبناني الذي صدر عام 1926 على شكل منحة مستمدة من دستور الجمهورية الفرنسية الثالثة لعام 1875؛ يمنح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة بحيث نصت المادة 17 منه: "أن السلطة الإجرائية مناطة برئيس الجمهورية يتولاها بمعاونة الوزراء وفقاً لأحكام الدستور"، إلا أن المادة 54 منه نصت على أن: "مقررات رئيس الجمهورية يجب أن يشترك معه في التوقيع عليها رئيس الحكومة والوزراء المختصون ما خلا تولية الوزراء وإقالتهم قانوناً".

يبدو واضحاً أن نظامنا السياسي كان رئاسياً يولي رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة تكاد تقترب من صلاحيات الرئيس الأميركي، لتأتي المادة 54 من الدستور نفسه لتنزع عنه طبيعة النظام الرئاسي فتُشرك رئيس الحكومة ومعه الوزراء المختصين في إدارة شؤون السلطات العامة، وهو ما درج على ممارسته عرفياً رئيس الجمهورية، فلم يقدم يوماً على إقالة رئيس الوزراء قبل أن يعلن هو استقالته بنفسه وذلك صوناً واحتراماً لتركيبة المجتمع اللبناني الطائفية؛ كذلك قلَّما عيَّن رئيسٌ للجمهورية رئيساً للحكومة خارج التوافق الإسلامي السنّي وامتداده العربي باستثناء حالات محدودة لم تعمر طويلاً، إذاً هو الدستور نفسه يخالف مضمونُه في الممارسة شكلَه في السياسة.

وعلى الرغم من جمالية الميثاق الوطني الذي يعكس تنوع المجتمع اللبناني طائفياً ومذهبياً، إلا أنه تحول بفعل الممارسة السياسية والأعراف المفصلة وفق مقاسات المصالح الضيقة وبخلفيات طائفية مذهبية جعلت من مواقع ومؤسسات الرئاسات الثلاث حصوناً يحتمي بها الزعماء ورجال السياسة من أجل تمرير صفقاتهم فيحشدون من خلفهم أبناء طوائفهم ليرسموا لوحة استهداف الطائفة برمتها.

طبعت الطائفية في لبنان الممارسة السياسية حتى انفجرت حرباً أهلية عام 1975 انتهت بتوقيع اتفاق الطائف عام 1989 في السعودية، هذا الاتفاق الذي انبثق عنه دستور لبنان الجديد، كتب بالحروف الدستورية ما كان يمارس قبل ذلك التاريخ، وكرَّس عرفياً مواقع سياسية ومناصب وزارية لطوائف ومذاهب بعينها، أي أنه قونن الأعراف التي حكمت تطبيق الدستور طبقاً لروحية الميثاق الوطني القائم على حفظ التوازنات الطائفية والمصالح السياسية للبنانيين.

حدد دستور الطائف صلاحيات كل من الرئاسات الثلاث؛ مانحاً المزيد منها لكل من رئيسي مجلس الوزراء (السني) والنواب (الشيعي)، وهنا تبدأ رحلة الأعراف الجديدة. ففي السنوات الأخيرة ارتبط التوقيع الشيعي بتواقيع رئيسيْ الجمهورية والحكومة والوزير المختص على مختلف المقررات، كذلك الدور الشيعي السياسي الكبير الذي فرضه الرئيس نبيه بري بشخصيته وحنكته الكبيرتين خاصةً بعد جعل ولايته مرتبطةً بولاية المجلس النيابي لمدة ٤ سنوات بعد أن كانت رئاسة المجلس مدة سنة واحدة.

هل من شأن تعاظم الدور الشيعي السياسي الذي أسس له حزب الله عسكرياً أن ينتهي بمرحلة سياسية تشبه اتفاق الطائف؟

يقول مراقبون، إن أحداث 7 أيار 2008، بدعة الثلث الضامن (المعطل) الذي فُرض في اتفاق الدوحة، تعطيل الاستحقاقات الدستورية الكبيرة كالفراغ الرئاسي (انتخاب ميشال عون رئيساً) والحكومي (اللقاء التشاوري) بذريعةِ ميثاقيةٍ ما في الشكل ومصالحية في المضمون والتي لا تمر حلولها إلا عبر بوابة حارة حريك، انتزاع الأحزاب صلاحية اختيار الوزراء وتوزيع الحصص الوزارية بين رئيسيْ الجمهورية والحكومة، ولا تنتهي الوقائع... هذه كلها ليست إلا أعرافاً طرأت أو فُرضت على النصوص والممارسات الدستورية في أجواء تهدد التوازن الطائفي والمراعاة الوطنية هي نفسها التي طبعت مرحلة دستور 1926 وميثاق 1943.

أخيراً وليس آخراً محطات التغويز المقترحة في البداوي والزهراني وسلعاتا، يقرأها كثرٌ على أنها أحد أشكال الأعراف والوقائع الجديدة التي تصبغ العمل السياسي بهدفٍ كياني حيث من خلاله تُعبَّد الطريق أمام تغيير دستوري كبير يقوم على نظام سياسي بأضلع ثلاثية سنية - شيعية - مسيحية، بعد أن كرَّس الميثاق الوطني شراكةً إسلامية ـ مسيحية في الحكم ثبَّتت قواعدها وثيقة الوفاق الوطني، إلا أن التوازنات الطائفية تأبى إلا أن تفرض أعرافها بعيداً عن المواد الدستورية فيسير الحكم بالتراضي وتوزع المناصب بالتوافق، هذا التوافق الديمقراطي الذي سيتحول يوماً إلى غرفة عمليات المثالثة السياسية.

إذا كانت الحرب الأهلية وما رافقها من تغيرات جذرية ومؤثرات بنيوية في موازين القوى داخلياً، عربياً ودولياً سيناريو كتابة إتفاق طائف المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، فما هو سيناريو دسترة المثالثة القائمة وبالتالي كتابة أعراف الشراكة الثلاثية الحاكمة؟


الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم