الإثنين - 21 أيلول 2020
بيروت 30 °

كيف يمكن أن يصبح رحيل الأسد محطّ تفاوض بين بوتين وإردوغان؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
كيف يمكن أن يصبح رحيل الأسد محطّ تفاوض بين بوتين وإردوغان؟
كيف يمكن أن يصبح رحيل الأسد محطّ تفاوض بين بوتين وإردوغان؟
A+ A-

بغضّ النظر عن حجم الخرق وما إذا كان سيتوسّع لاحقاً أم سيظلّ فرديّاً، من المتوقّع أن يسيّر الطرفان دوريّات مشتركة بدءاً من 15 آذار، على مسافة واسعة في محيط طريق "أم-4" الاستراتيجيّة التي تنطلق من اللاذقيّة وتصل إلى مدينة سراقب الواقعة عند تقاطع بين "أم-4" و "أم-5" التي تربط بين دمشق وحلب. وذكرت وكالة "فرانس برس" أنّ الطرفين يعملان على إنشاء "ممرّ آمن" بمسافة ستّة كيلومترات من جانبي الطريق، وهو ما يؤسّس ضمناً لمنطقة عازلة بطول 12 كيلومتراً، وستعرّفها كلّ من الدولتين في غضون سبعة أيّام.

اصطدام رؤيتين

بعد حوالي سنة ونصف على توقيع اتّفاق سوتشي، لا تزال إدلب تشهد معارك عنيفة مع سعي دمشق مدعومة من موسكو لاستعادة آخر معقل للمعارضة السوريّة. بالمقابل، تتلقّى الفصائل المقاتلة دعماً من تركيا بما يمكّنها من الصمود نسبيّاً في وجه التقدّم العسكريّ للجيش السوريّ. تصطدم الرؤيتان الروسيّة والتركيّة في إدلب عند حاجز مهمّ يجعل المواجهة العسكريّة غير المباشرة حدثاً متكرّراً. ترغب تركيا في منع تدفّق المزيد من اللاجئين إلى أراضيها، وهذا يتطلّب جعل إدلب "منطقة آمنة". بالمقابل، تتّهم روسيا تركيا بعدم الوفاء بتعهّدها بالقضاء على "هيئة تحرير الشام" المرتبطة ب "القاعدة". هذا الاصطدام بين رؤيتين مختلفتين حول إدلب ما هو إلّا اصطدام بين رؤيتين أوسع لكلّ من بوتين وإردوغان وفقاً للبعض.

أكّد بوتين مراراً حقّ الحكومة السوريّة باسترجاع جميع الأراضي الواقعة تحت سيطرة الفصائل المسلّحة المعارضة أو التنظيمات الإرهابيّة. يرى إردوغان أنّ هذا الحقّ هو ما سيزعزع استقرار تركيا على الدوام. فاستعادة السيطرة على الأراضي الخاضعة حاليّاً للثوّار يعني المزيد من اللاجئين المتوجّهين إلى تركيا. بمعنى آخر، يجد إردوغان في نظام الرئيس السوريّ بشّار الأسد عنصراً لغياب الاستقرار التركيّ. لكنّ بوتين تدخّل في سوريا لتعويم الأسد وإعادة الشرعيّة إلى حكمه. فهل يقبل الرئيس الروسيّ بتبديد خمس سنوات من الجهد كي يصل إلى الاتّفاق الشامل مع نظيره التركيّ حول روسيا؟

ثلاثة أسباب

هذا ما أشار إليه وزير الدولة البرتغاليّ السابق لشؤون الاتّحاد الأوروبّيّ برونو ماسايس في مقال له نشرته صحيفة "موسكو تايمس" منذ ثلاثة أيّام. ماسايس، وهو باحث ومستشار بارز في عدد من مؤسّسات الرأي، مثل "فلينت غلوبال" البريطانيّة و "هيودسون" الأميركيّة و "مركز ويلفرايد مارتينز للدراسات الأوروبّيّة"، ينطلق من ميل لدى الرئيسين لحلّ الأزمة في سوريا "مع أو بدون الأسد". ولفت النظر إلى أنّ بوتين توقّع أن يتراجع إردوغان بمجرّد تلقّي الضربة العسكريّة أواخر شباط لكنّ هذا الأمر لم يحصل.

ثمّة ثلاث نقاط أساسيّة ذكرها الباحث لتعزيز وجهة نظره: عدم قدرة الأسد على مواجهة القوّات التركيّة وفرض السيطرة على كامل المحافظة، إخراج الغرب من سوريا وهذا يتطلّب عدم تضييق روسيا على تركيا. كما أنّ إطاحة الأسد ستعني إطاحة إيران وهو أمر "لن يجعل تركيا وروسيا حزينتين جدّاً".

مكاسب إردوغان... ما نطاقها الزمنيّ؟

ستشكّل إطاحة الأسد المفترضة فرصة لتقليص النفوذ الإيرانيّ في سوريا وهو يؤاتي المصلحتين التركيّة والروسيّة. لكنّ انخراط الإيرانيّين في معركة إدلب يطرح أسئلة عن دوافع طهران لتحمّل كلفة معركة كبيرة في منطقة لا تشكّل أولويّة بالنسبة إليها. لذلك، ثمّة ثمن سياسيّ يمكن أن تكون إيران قد طلبته في مكان آخر من سوريا ربّما يكون مزيداً من الاستثمارات في دمشق أو مزيداً من التوسّع العسكريّ جنوب البلاد. وهذا ثمنٌ سيصعّب على الروس وتركيا التخلّص من التأثير الإيرانيّ في البلاد.

أبعد من ذلك، طرح ماسايس المواجهة التركيّة-الروسيّة على أنّها مواجهة متكافئة ستنتهي بتقديم تنازلات متبادلة. لكن ماذا لو كانت قراءة كهذه تحمل استعجالاً في التوقّعات؟ إذا صحّ أنّ تركيا أسقطت بين 2000 إلى 3000 جنديّ سوريّ خلال الأسبوع الماضي فهذا يعني أنّ إردوغان حقّق تقدّماً بارزاً في المواجهة مع بوتين. يبقى السؤال عن مدى استدامة هذا التقدّم.

ميدانيّاً، وعلى المدى القصير، يبدو أنّ تركيا قبلت باستعادة الحكومة السوريّة السيطرة على مدينة سراقب الاستراتيجيّة. أمّا على المديين المتوسّط والبعيد، فالمشهد أكثر تعقيداً بالنسبة إلى تركيا. لا يزال إردوغان شبه معزول دوليّاً وهذا ما يدركه بوتين.

فرصة مع واشنطن؟

خلال السنوات القليلة الماضية، همّش بوتين حلفاءه الغربيّين والأطلسيّين ولم يراعِ هواجسهم عند التقرّب من روسيا وشراء منظومة "أس-400" غير الموائمة للبنية التحتيّة العسكريّة لدى حلف شمال الأطلسيّ.

من جهة ثانية، أتى تهديده وتنفيذه بعدم وقف موجات اللجوء عن أوروبا ليزيد التوتّر مجدّداً بين بلاده من جهة واليونان وفرنسا وألمانيا من جهة أخرى. وفي حين يحاول إردوغان فرض الضغط على الأوروبّيّين لمساعدته في مشكلته، ليس واضحاً مدى استجابة الأوروبّيّين لضغط كهذا. فوفقاً لما نقلته "رويترز" عن مصادر ديبلوماسيّة أوروبّيّة عدّة، وصف أحد الديبلوماسيّين خلال اجتماع لسفراء الاتّحاد الأوروبّيّ في بروكسل الاثنين، ما تتعرّض له أوروبّا على يد إردوغان بأنّه "ابتزاز". ويبقى خضوع أوروبا لهذا "الابتزاز" مرتبطاً بمدى قدرة الاتّحاد الأوروبّيّ على صياغة استراتيجيّة موحّدة لمواجهة موجة لجوء جديدة وللتعامل مع تركيا.

بالمقابل، لا يحظى إردوغان بدعم واسع من الأميركيّين، وخصوصاً من الكونغرس. يتمتّع الرئيس التركيّ بتعاطف نظيره الأميركيّ دونالد ترامب لكنّ تحرّكاً أميركيّاً عسكريّاً في إدلب يبقى مستبعداً في سنة انتخابيّة. من جهته، تحدّث الموفد الأميركيّ الخاص إلى سوريا جيمس جيفري الثلاثاء عن تأمين مساعدة عسكريّة إلى تركيا. لكنّ ناطقاً باسم وزارة الخارجيّة الأميركيّة قلّل من أهمّيّة هذا التعليق قائلاً لمجلّة "نيوزويك" أن "لا شيء جديداً بشكل خاص" وأنّه ورد "في إطار ما نقوم به أصلاً". 

سؤال جوهريّ

تبيّن هذه المؤشّرات وغيرها أنّ وضع إردوغان هو، بالحدّ الأدنى، غير مريح على الصعيد الدوليّ. بالتالي، ألا يجعل هذا الموضوع بوتين أكثر تمتّعاً بالنفوذ في التفاوض مع نظيره التركيّ، وغير مضطرّ إلى تقديم تنازل بهذا الحجم إلى إردوغان؟

حملت "النهار" هذا السؤال إلى ماسايس. لكنّ الأخير شدّد على رأيه مشيراً إلى أنّ بوتين غير مرتاح هو الآخر إزاء وضعه: "الوجود الروسيّ في سوريا مشتّت، مقتصر على القوّة الجوّيّة، وبالتالي، ستعاني روسيا أيضاً في فرض رغباتها على الأرض". 

الكلمات الدالة