السبت - 19 أيلول 2020
بيروت 29 °

إيران بعد "الجسر البرّيّ"... "جسر كهربائيّ"؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
إيران بعد "الجسر البرّيّ"... "جسر كهربائيّ"؟
إيران بعد "الجسر البرّيّ"... "جسر كهربائيّ"؟
A+ A-

بين الأهداف والإمكانات


تعدّ تجارة الطاقة من أبرز أساليب زيادة التأثير السياسيّ. هذا ما ذكره ل "النهار" المحلّل البارز في شؤون ديبلوماسيّة وأمن الطاقة المقيم في واشنطن أُميد شكري كَلِه سَر. "تستخدم الدول الكبيرة المنتجة للطاقة صادرات الطاقة لزيادة النفوذ السياسيّ في الدول المستهلكة. صادرات الطاقة هي واحدة من أهم الطرق في إنشاء الترابط كما الاستقرار والأمن في المنطقة."

يأتي تحرّك لاريجاني لجسّ نبض الحكومة الجديدة بشأن احتمالات انفتاحها على توقيع اتّفاق مع بلاده من أجل تطوير قطاع الطاقة، إضافة إلى اهتمام إيرانيّ آخر بالتلويح بإحدى "الأوراق" الشرق أوسطيّة في سياق المعركة السياسيّة الإقليميّة مع الأميركيّين. هنالك الكثير من الجوانب والأسئلة المرتبطة بهذه المقاربة. لا تكمن صعوبة قبول لبنان بهذا العرض في التحالف التاريخيّ الذي يربطه بالغرب والولايات المتّحدة فقط. فالعقوبات التي تفرضها الإدارة الأميركيّة على إيران تجعل التعامل التجاريّ بين بيروت وطهران مستحيلاً من دون إعفاء خاص تمنحه واشنطن للبنان. التجربة العراقيّة لا تترك مجالاً للالتباس. وحتى العراقيّون المرتبطون بشكل عضويّ بالتغذية الكهربائيّة الآتية من إيران لم يستطيعوا الحصول على الإعفاءات "المقسّطة" بسهولة.

"شروط صارمة"

استثمرت إيران في قطاع الطاقة العراقي منذ أكثر من عشر سنوات. يعاني هذا القطاع بشدّة من الفساد والهدر حيث دفع العراقيّون ما يقارب 60 مليار دولار منذ سنة 2003 من دون أن يتمكّنوا من تحقيق الاكتفاء الذاتيّ في إنتاج التيّار الكهربائيّ. لهذا السبب، تصدّر إيران حوالي 40% من حاجة العراق إلى الطاقة الكهربائيّة وفقاً لما قاله الأمين العام لغرفة التجارة العراقيّة الإيرانيّة حميد حسيني الصيف الماضي. وأشار إلى أنّ بلاده تورّد ما بين 1200 إلى 1500 ميغاواط يوميّاً إضافة إلى ما بين 37 و 38 مليون متر مكعّب من الغاز والذي يُحوَّل إلى 2500 ميغاواوط من التيّار الكهربائيّ. وفي أيلول، قال وزير الطاقة السابق لؤي الخطيب إنّ البلاد تحتاج للغاز الإيرانيّ كي تولّد الطاقة للسنوات الثلاث أو الأربع المقبلة. لكن ليس جليّاً ما إذا كان بإمكان العراق تحقيق أهدافه في ظلّ العقوبات الأميركيّة، وخصوصاً إذا فاز ترامب بولاية ثانية.

عندما انتهت فترة الإعفاء الأميركيّ الخاص الممنوح لثماني دول في أيّار 2019، ظلّت الولايات المتّحدة تمنح الحكومة العراقيّة استثناء من العقوبات المفروضة على استجرار الكهرباء والغاز من إيران. انتهى الإعفاء الأوّل في غضون 45 يوماً ثمّ توسّع الثاني ليصل إلى 90 قبل أن يمتدّ الثالث على فترة 120 يوماً. وعادت الولايات المتّحدة إلى التشدّد مع العراق فمنحته إعفاء الأسبوع الماضي ل 45 يوماً فقط، حيث قال مسؤول عراقيّ رفض الكشف عن اسمه ل "وكالة الصحافة الفرنسيّة" إنّ التطبيق سيتمّ "ضمن شروط صارمة".


معاناة

لا تنحصر مشكلة العقوبات في مدى قدرة طهران على بيع كهربائها، بل على إنتاجها أيضاً. تصعّب العقوبات الأميركيّة مسألة صيانة إيران بنيتها التحتيّة في مجالي الطاقة والنفط ممّا يفاقم أزمتها في توزيع الطاقة حتى على مواطنيها. في الأيّام القليلة الماضية، عانت مدن بارزة فيها مثل طهران وتبريز وغيرها من تقنين كبير في التيّار الكهربائيّ بسبب العواصف الثلجيّة وارتفاع استهلاك الغاز على التدفئة الأمر الذي أثّر على الطاقة. أدّى ذلك إلى انقطاع الإنترنت وتضرّر بعض الأعمال المصرفيّة وبروز ازدحامات سير.

وسبق لإيران أن قطعت الكهرباء عن جنوب العراق صيف 2018 الحارق ممّا أدّى إلى تظاهرات واسعة خصوصاً في البصرة. وقالت إيران حينها إنّ تلك الخطوة هدفها تلبية الحاجات المحلّيّة للطاقة الكهربائيّة، بينما شكّك مسؤول عراقيّ في التبرير قائلاً ل "سكاي نيوز عربيّة" إنّ القرار هدفه "الابتزاز السياسيّ" من أجل تشكيل حكومة موالية لإيران. لكنّ وكالة "فارس" نقلت حينها عن وزير الطاقة الإيرانيّ أردكانيان إنّ وقف تصدير الكهرباء للعراق "جاء وفقاً للاتّفاقيّة المبرمة، لمنح الأولويّة لسدّ احتياجات البلاد."

يرى كَلِه سَر أنّ " إيران تحلّ ثانية على لائحة أكبر احتياطات الغاز في العالم، لكنّ استهلاك الغاز الداخليّ ازداد بحدّة في الفصول الباردة من السنة". ويضيف أنّ إنتاج الغاز في إيران يعاني من العقوبات ونقص رأس المال والتكنولوجيا.


الحاجة الحقيقيّة

ولعبت الكهرباء دوراً مهمّاً في الصراع السياسيّ والعسكريّ داخل العراق. في 2004، نقلت صحيفة "نيويورك تايمس" عن مسؤولين عسكريّين قولهم إنّ المتمرّدين لاحظوا أنّ إنزال الضرر بالبنية التحتيّة المائيّة والكهربائيّة في فصل الصيف يمكن أن ينشر غضباً واسعاً بين العراقيّين من القوّات الأميركيّة. وفي سنتي 2016 و 2017، أوقفت إيران مدّ العراق بالطاقة لتوقّفه عن سداد المستحقّات. وتقارب ديون العراق لإيران ملياري دولار في هذا القطاع، حيث قال مسؤولون عراقيّون السنة الماضية إنّ الطرفين توصّلا إلى آليّة لسداد هذه الديون.

لهذه الأسباب وغيرها، تبقى الطاقة الكهربائيّة أحد أهمّ أساليب طهران لتعزيز نفوذها في المنطقة. فبعد العراق، وقّع الإيرانيّون عقداً تمهيديّاً مع السلطات السوريّة في تشرين الثاني الماضي لبناء محطّات للطاقة الكهربائيّة وخطوط نقل وتقليل الخسائر في الشبكة مع إمكانيّة ربطها بالشبكة الأم في إيران بواسطة العراق. بالتالي، ثمّة احتمال في أن يكون العرض الإيرانيّ على لبنان لمساعدته في الطاقة تكملة ل "جسر كهربائيّ" موازٍ ل "الجسر البرّيّ" الذي بنته خلال السنوات الماضية. لكن لا يوافق جميع الخبراء في شؤون الطاقة على هذا المصطلح أو أقلّه على أنّ إيران تريد بيع الكهرباء إلى لبنان للحصول على نفوذ استراتيجيّ جديد.

في تعليق ل "النهار"، يشير الكاتب السياسيّ في شؤون الطاقة ومنتج الوثائقيّ "كيف تفسّر الكهرباء العالم" روبرت برايس، إلى أنّ إيران تملك الكثير من الغاز. "هي تحتاج إلى عائدات أجنبيّة. بالنظر إلى هذه الوقائع، من المنطقيّ أنّ إيران تريد بيع الطاقة إلى لبنان وسوريا."

وأضاف برايس، مؤلّف كتاب "مسألة سلطة: الكهرباء وثروة الأمم"، أنّ "حزب الله يملك أساساً الكثير من النفوذ في لبنان. لذلك، ربّما لا يتعلّق هذا الجهد في بناء شبكة كهربائيّة لبنانيّة لكن عوضاً عن ذلك إنّه يتعلّق بالمال."


مشكلة جديدة قد تعترض إيران

هل سيكون بإمكان إيران الحصول على تلك الأموال تحت العقوبات الأميركيّة؟ الأرجح أنّ نفي هذه الإمكانيّة سيكون طاغياً. فالعراقيل التي ستواجهها إيران ليست متعلّقة كلّها بحملة الضغط الأقصى التي تفرضها الولايات المتّحدة.

أوضح كَلِه سر، وهو أيضاً محلّل في "مركز تحليلات دول الخليج" أنّه "تحت العقوبات، ليست إيران قادرة على التمتّع بمزيد من الاستثمار الخارجيّ خصوصاً في الدول المجاورة. لا مصلحة لإيران بخسارة النفوذ في لبنان، العراق ودول أخرى. ستكون روسيا لاعباً ومستثمراً بارزاً في سوريا ما بعد الأزمة وتحاول إيران الحصول على حصّة أكبر في سوق سوريا بعد الأزمة، لكنّه لن يكون سهلاً على إيران الحصول على المزيد في سوريا."

وأضاف الباحث نفسه: "إنّ حضور ونفوذ إيران في سوريا لا يصبّان في مصلحة الولايات المتّحدة وروسيا. الاستثمار في البنية التحتيّة للدول المجاورة يعطي فرصاً للدول كي تعزّز النفوذ السياسيّ في المنطقة ويقدّم فرصة لها للحصول على المزيد من المصالح السياسيّة."

يفتح هذا التحليل باباً للمزيد من الأسئلة حول مصير العلاقات بين روسيا وإيران في المنطقة. كيف ستعالج الدولتان تضارب المصالح بينهما؟ ومع ضمان بقاء الرئيس السوريّ بشار الأسد في الحكم هل سينتهي القاسم المشترك الوحيد بين الدولتين في المنطقة فاتحاً الصراع على أشدّه في الملفّات الاقتصاديّة والأمنيّة والاستثماريّة؟

الكلمات الدالة