الخميس - 01 تشرين الأول 2020
بيروت 27 °

إعلان

خطابُ العفّة في جلسةِ الثّقة

المصدر: النهار
علي نصري حيدر
خطابُ العفّة في جلسةِ الثّقة
خطابُ العفّة في جلسةِ الثّقة
A+ A-

الثّقة الّتي تنتظرُها الحكومة، هي ثقة ممنهجة ومخطّط لها مسبقًا. فتلك الحكومة من نسجِ السّياسيين، ومن إبداعاتِهم في حياكةِ المنظومة السّياسية منذ أكثر من ٣٠ سنة حتّى اليوم. سياسة الأحزاب تعبّر عن سياسة تخريب الأرض والتّفرقة مقابل الاستمراريّة لها، وديمومتها في السّاحات اللّبنانية. فالأحزاب الّتي انصاعت لألاعيب الخارج، قادت لبنان نحو الحرب الأهليّة بين أبنائه، وكلّ حزب شارك في عمليّة التّدمير للأرض وللناس، ما زال في السّلطة ويستمرّ بفضل التّابعين له والنّائمين على حقوقِهم وطموحاتهم، والّذين جعلوا نهج وعقيدة أحزابهم فوق كلّ شيء.

تنتظرُ الحكومة منحها الثّقة، حتّى تبدأ العمل ببيانها الوزاريّ نسبةً لما هو مطروح منها. وخلف هذا الانتظار الهادئ مئات من العرائض ترفع على مسامع السّلطة، من كلّ ناح يخرج صوت من حنجرةٍ ذاقت مرارة الظمأ والجوع.

إنتفاضة ١٧ تشرين الأوّل أثبتت سقوط الخوف، ليحلّ مكانه الغضب والقوّة. هذه الانتفاضة، احتاجت إلى ثقلٍ وطنيّ بامتياز حتّى تقلب الموازين في أركان السّلطة. فمن وضع الشّعب يومًا تحت ضغط الألم، أصبح اليوم تحت مساءلة ومحاسبة ذلك الشّعب، الذي خرج من باطن الألم أقوى وأكثر نضجًا.

إن حضر نوّاب الشّعب المنحاز الجلسة، سيقفون كما في سابقاتها من الجلسات، يخاطبون الشّعب عن أوجاعه وعن شعورهم بكلّ آلامه، وبعد كلّ جملة غصّة يبرزها النّائب حتّى يُبكينا على حاله وننسى كلّ ما نحن فيه ونفكّر في رحابةِ صدره وطيبته. ننسى الذّلّ الّذي عشنا به، التّخلّف والرّجعيّة في التّعامل معنا. نحن نعيش تحت غطاء الدّيمقراطيّة، ولكن إن تمعّنا جيّدًا لوجدنا أنّنا عبيد عند كلّ مسؤول، ومن تبعيّة كلّ زعيم، سرق ونهب وأفسد.

خطابات نوّاب الجلسة، خطابات عفّة. عفّة بباطنِ كذبٍ وفساد ومحاصصة. هذه الجلسة، هي جلسة مكرّرة، ومعادة. نكاد نحفظ ما ستقوله كلّ كتلة سياسيّة. ذات الكلام يُعاد في كلّ مرّة، ذات الوعود نسمعها قبل أن تتبخّر في مجلس الشّعب، وبالأحرى مجلس الكذب على الشّعب.

اليوم، بات الشّعب ثابتًا في وجه السّلطة، وإن خانه بعض من أفراده بسبب تبعيّتهم لكبيرهم و"تاج رأسهم" كما يُقال. اليوم، لبنان على حافةِ التّغيير، فإمّا التّهاوي والوقوع، وإمّا الثبات والصّمود والنّهوض حتّى.

لبنان اليوم، هو لبنان العجوز، فيه التّعب، الفقر، الجوع والمرض. مئاتٌ من اللّبنانيين تركوا أشغالهم عن قصر، بسبب إفلاس الدّولة اقتصاديًّا وماليًّا. وكلّ هذا الإفلاس لم يحدث بالمفاجآت، ولم يكن خلفه الشتاء وأمطاره، بل هذا كلّه نتيجة فشل الدّولة بانتقاء مسؤوليها.

تصديق خطاب العفّة في الجلسة، هو تصديق لأحلام مشتّتة ولطموحاتٍ فارغة.

نحن أمام حائط كبير، يسدّ النّظر والسّمع، ويسرق أصواتنا. وأمام هذا الحائط نحن، الضّعفاء المكسورين، المغشوشين التّعساء، والمسروقين والمسلوبين. علينا بالقوّة والتّمسك ببعضنا البعض، ولنتّجه نحو هذا الحائط، ونكسره فوق رؤوس من كانوا السّبب في ضعفنا، وفي تعاستنا.

نحن لا نستحق من الحياة إلاّ السّعادة والرّاحة. نحن شعبٌ قاوم من تحت الرّماد، وعانى تحت أصعب الظّروف.

يا شعب لبنان العظيم، قمْ وانهضْ، فالتّغيير يناديك.

يدُ الإنسان حين تصبّ في يدّ الآخر، تستطيع أن تهدم أكبر المتاريس وأعلاها.


الكلمات الدالة