الخميس - 01 تشرين الأول 2020
بيروت 27 °

إعلان

"البيريتا يكسب دائماً": المشي على أشواك العنف والممنوع

وداد نور الدين
"البيريتا يكسب دائماً": المشي على أشواك العنف والممنوع
"البيريتا يكسب دائماً": المشي على أشواك العنف والممنوع
A+ A-


تتشابك أحداثها منذ البداية وتقحمك في عالم الجريمة لتعيد كتابة تاريخ تونس ما بعد الثورة، تلك هي رواية "البيريتا يكسب دائماً" لكمال الرّياحي. رواية صدرت في ديسمبر 2019 عن منشورات المتوسّط في ميلانو بإيطاليا، وهي رابع إصدار روائي للكاتب كمال الرياحي بعد "المشرط" و"الغوريلا" و"عشيقات النذل". رواية تعيد طرح الأسئلة السياسيّة والاجتماعيّة بأسلوب موغل في التمرّد والخروج عن المألوف، فالبطل مسدّس إيطالي من نوع "البيريتا " وهو نفس النوع الذي اغتيل به السياسي شكري بالعيد ضمن سلسلة اغتيالات سياسيّة في تونس ما بعد الثورة. اغتيال غيّر مجرى أحداث الثورة وتاريخ تونس المعاصر لتبدأ بعده حرب باردة شرسة على المستوى الإيديولوجي والاجتماعي والسياسي. أمام خذلان الجهات المعنيّة والقضاء والمجتمع المدني التونسي، يعيد كمال الرّياحي كتابة هذه الملحمة ليؤبّدها ويحرج جميع المتواطئين في هذه القضايا الحارقة.

رواية التمرّد شكلاً ومضموناً

تدور أحداث الرّواية حول جريمة قتل ليجد القارئ نفسه أمام متاهة البحث عن الجاني ثم يكتشف أنه أمام سلسلة من الجرائم والأحداث المتتالية والعديد من شخصيات يجمع بينهم انتماءهم لعالم المهمّشين والمقصيّين في مجتمع يدّعي الفضيلة. شخصيات لم يعتد القارئ العربي على ولوج عالمها الغامض حيث الجريمة والعنف والدّعارة. تعاني في أغلبها من اضطرابات نفسيّة وسلوكية، والخيط النّابض بين كلّ هذه الأحداث هو البيريتا الذي حسب العنوان المخاتل "يكسب دائماً". يتنقّل "البيريتا" بين شخصيات الرّواية ليحيلنا في كلّ مرّة إلى عوالم جديدة حيث اللّصوص والشّرطة والعشيقات والإعلاميّين والكتّاب... مسدس يتحوّل إلى شخصيّة تراجيديّة محيّرة. تتشابك الأسماء، تتواتر الأحداث بنسق جنونيّ ليصبح هذا "الشّيء" كائناً حيّاً يثير ويتأثّر. ينسج بنفسه عوالم جديدة ويطرح الأسئلة برمزيّة مزعجة بين الواقع والتّخييل، بين ما ندركه وما نخشاه، بين ما نريد معرفته وما نرفض حتى تخيّله. على نفس الجسد السّرديّ نجد "كلاباً، حماماً، ثعباناً، مسدساً، عصيّاً سوداء... جنساً بطعم الموت، خيانات، بائعات الهوى والكثير من القتل والعنف". فالمحقّق علي كلاب يبحث في جريمة قتل وهو نفسه يتلذّذ بطريقة مرضيّة موغلة في بثّ الرّعب من حوله في قتل الكلاب والتنكيل بجثثهم وتركها تتعفّن أمام الجميع بل يستمتع أيضاً بالتقاط الصور معها؛ ملازمون يحققون في قضية وهم أيضاً متهمون بجريمة سرقة البيريتا وتدور حولهم الشبهات؛ بيّة شخصيّة غامضة شاهدة على جريمة قتل ومتورّطة أيضاً في جريمة الافتراء على الملاكم الأوسترالي، ثم جريمة اغتيال شكري بلعيد وشخصية أخرى تُدعى يوسف غربال تريد قتل ماري بنفس السلاح دائماً البيريتا الملعون ليظهر في نهاية الرّواية شبح الانتحار وكأننا ننظر كلنا في مرآة الكاتب العالمي ديفيد والاس الذي انتحر فعلاً ليصدم العالم بقراره ذاك.

يقحمنا الكاتب في عالم من الفوضى المربكة أقرب ما تكون من واقعنا المعاش لتونس ما بعد الثورة لكن بأسلوب إبداعيّ يغلب عليه الحوار. منذ الصفحة الأولى يكتسح الحوار جسد الرّواية ويحلّ محلّ السّرد لتعبّر الشخصيات عن ذاتها وتناقضاتها ومدى هشاشتها المتوارية وراء أقنعة الجريمة والعنف. تمرّد الشخصيات على المجتمع يتناغم معها تمرّد الكاتب على الأسلوب الرّوائي التقليديّ. تتابع الأحداث وتتشابك، يزجّ بك الكاتب في بحرٍ من التفاصيل وتأخذك الحوارات ولا تجد لصوت الكاتب صدًى، فشخصيات كمال الرّياحي تسكن الحيّز الزمنيّ والمكانيّ للرّواية؛ تعبّر عن مشاغلها وهواجسها، تثور وأحياناً تنهار بلغتها الخاصة بعيداً عن النّفاق أو الزيف الاجتماعي، أو عن أيّ حكم أخلاقي أو قيمي لملفوظاتها. فالشخصيات وليدة واقعها تنتمي إليه وتعبّر عنه بكلّ تلقائيّة كأنّك تشاهد عملاً سينمائياً.

يشيّد كمال الرياحي ضمن مشروعه الرّوائي مفهوماً جديداً للرّواية بعيداً عن النمط السّائد خصوصاً للرّواية العربية. والرّواية عند كمال الرّياحي ضربٌ من السنيما في تقنياتها وصورها ودقّة التفاصيل وضبابيّة الرّؤية واكتساح الحوار للجسد الرّوائي وحيرة المتلقّي أمام اصطدامه في كلّ منعرج للانعطافات الدّراميّة بما لم يكن يتوقّعه. تتميّز هذه الرّواية بجماليّة متفرّدة وأسلوب ماتع تتداخل فيه الأجناس وتغيب فيه الرّتابة شكلاً ومضموناً.

البيريتا يكسب دائماً بين إكراهات الواقع وقوّة التخييل (شخصيّة عليْ كلابْ نموذجاّ):

تسافر بك الرّواية بسلاسة مُغرية بين يوميّات الكاتب يوسف غربال وتحقيقات الشّرطة وشذرات من كوابيس اليقظة وحوارات ترمي بك في عوالم الجنس والعنف والواقعيّة القذرة... ما يجعلك ربّما تتوهّم أنّك أمام سيرة ذاتيّة تختبئ وراء قناع "تخيّل"، ثم توغل في النص السّرديّ لتقف أمام حقائق تاريخيّة من واقعنا القريب كأحداث الثورة وسقوط السيستام وكلّ ما يهوي معها من رموز ومعانٍ، وما تطرحه من قضايا. تطرح الرّواية القضايا السياسيّة الحارقة للّحظة الرّاهنة بكلّ جرأة. رواية حمّالة أسئلة وتتميّز بتعدّد التأويلات.

يطرح كمال الرّياحي من خلالها جدليّة "الواقع والمتخيّل " أسئلة مربكة. ما هي حدود التّخيل في العمل الرّوائي، وكيف للواقع أن يتجاوز التّخيل غرابةً وحيرةً؟ ألسنا اليوم نعيش في عالم من الفنتازيا التراجيديّة أو لنقل عالماً من الفنتازيا المجنونة كأنّها الهذيان حيث الصّور الكاريكاتوريّة تقشعرّ لها الأبدان؟ فنحن اليوم في واقع مضحك حدّ البكاء بل حدّ المحرض على الانتحار ومبكٍ حدّ اللامبالاة، بل حدّ جعله كرنفالاً وموسيقى ورقصاً لكنّه رقص على جثث الكلاب وآهات بائعات الهوى والمضيّ إلى أقصى أنواع العنف، فحتى الجنس يبدو في هذه الرّواية كرغبة مجنونة في التعذيب وسحق الآخر، فيحضر الجسد بلغته الصّارخة من خلال الكتابة الإيروسيّة في مشاهد موغلة في الفحش. وهذا الآخر ليس سوى الإنسان المعاصر الجريح المنكسر السّجين خلف تراكمات الذكريات والهواجس والعقد النّفسية وصوت الطّفولة المشوّهة. والكلّ على حدّ السّواء، أنثى أو ذكرًا، يشارك في نسج هذا العالم حيث المتخيّل واقعٌ والواقعُ متخيّلٌ.

من عملٍ أدبيّ تونسيّ "البيريتا يكسب دائماً" فعلٌ أدبيٌّ يعانق أفق الانسانيّة لأنّه يعيد بناء فهمنا لمفهوم "الحكاية" كقاسم مشترك لكلّ البشر باختلاف الأمكنة والأزمنة... في هذه الرّواية كلّ الحكايات وكلّ السرديّات، الواقع والخيال، جميعاً في "سلّة قمامة" واحدة مع البيريتا رمز الموت والحياة الجديدة الأبديّة. أليس الموت بداية حياة لا موت فيها؟ الكلّ إذاً في سلّة واحدة ولكنّها سلّة قمامة سوداء مظلمة يُرمى بها هنا وهناك علي كلابْ كأتفه ما يكون وكأفظع ما يكون لأنّها تثير جنونه، وعلي كْلابْ هو الجنون بعينه. يختزل كلّ الانسانيّة بهشاشتها وقوّتها، بضعفها وعنفها...

هذه الشّخصيّة، علي كلاب، نموذج للسيستام القديم، للواقع التونسيّ ما قبل الثورة وربّما أيضاً ما بعدها: رعب وقتل وتحقيقات وقهر وصراخ وبكاء وجثث. لكنّ علي كلابْ بقدر ما يثير فيك من اشمئزاز ونفور إلا أنّه في لحظة ما يسكنك ويغريك لتجد متعةً غريبة في تقصّي حركاته وسكناته والتلذّذ بهذا الكمّ الهائل من العنف والقتل والكلام البذيء. شتمٌ وقذفٌ وتبوّل وإيحاءات جنسيّة بتوقيعٍ ساديّ. الكثير من الشرّ لكنّه شرٌّ لذيذ. عالم من السّاديّة المرعبة تعرّينا وتعرّي العالم من حولنا لتعيد طرح الأسئلة الأولى "هل الانسان شرير بطبعه؟ هل نستحقّ الحريّة؟ هل الحياة فعلاّ وعد بالسعادة؟ أليست السّعادة هنا مجرّد وهم ومجرّد حلم هارب؟"

يقدّم كمال الرّياحي لنا شخصيّة مركّبة. ويحفر الرّوائيّ في خباياها وما بين ثناياها ليحيلنا إلى حقيقة مفادها أن هذا الكائن، هذا الانسان، متعدّد، وفكّ شيفرة حقيقة كينونته ليس بالأمر الهيّن أو السّهل.علي كلابْ هذا الرّجل موغل في الشرّ هو نفسه يُقفل على نفسه الباب في مكتبه ليجهش بالبكاء وليستسلم لحظة صدقٍ لإنسانيّته المعطوبة. هذه الشّخصية التي أرعبت الجميع هي أيضا هشّة منكسرة في أعماقها، مسكونة بالهلوسة، بكوابيس اليقظة، بمنطق المؤامرة، بالأفكار السوداء التي تطارده وتطاردنا جميعاً لتتلاشى الحدود بين الواقع والكابوس، بين الخير والشرّ، بين الوعي واللاوعي... فمن نحن في النّهاية؟ أليس علي كلابْ يرقد في كلّ واحد فينا، يتوارى وراء الأقنعة وما يسمّى بالأخلاق؟ في لحظة رائعة من الرّواية، وبعد أن نغرق في مستنقع الكائنات النّابحة في رأس علي كلابْ، نسمعه يقول متعباً: "كنتُ أشعر بحاجة إلى صدر أدفن فيه رأسي" لتبقى المرأة مصدر الحنان والملجأ الوحيد والرغبة المشتهاة حتى لأكثر الرّجال قساوةً.

يتلذّذ علي كْلابْ بالقتل، بتعذيب جسده، ولو رمزاً، من خلال آلة قياس مستوى السكّري لديه ليسيل الدّم ويشتدّ الألم مع هذا الجسد الذي بدأ يتلاشى، وهو يعاني من خصيتيه المعضوضتين من كلب. وهنا ليس لنا أن نتوقّف مع كلّ ما تحتويه اللّحظة من رمزيّة قويّة وما تحيل إليه من معانٍ وتأويلات نفسيّة وجسديّة وجنسيّة واجتماعيّة، ولكنّ أهمّها هو التـأويل السياسي . علي كلابْ يعضّه كلب والسيستام لا يعضّه إلا سيستام آخر. رمزيّة بأجنحة الواقع المرير الذي يحيلنا إلى كامل تاريخ الانسانيّة بحروبها وخياناتها. مشهد يتأرجح بين الواقع والتخييل. يرسّخ كمال الرّياحي الواقع العربي والعالميّ بقلم المبدع ونبض الأدب، وهنا يكمن عنده دور الفن وهو القبض على اللحظة الراهنة الهاربة لتأبيدها جمالياً وحتى يكون العمل الإبداعيّ صوت من لا صوت له في عالم الاضطهاد والتهميش لكن بعيداً عن الطرح الأخلاقي أو القيمي وإنّما بالإصغاء إلى البعد الانساني للشخصيات وللأثر الفني فقط.

"البيريتا يكسب دائماً"، رواية جعلت من شخصيّاتها أشباحاً تلاحق متاهة المعنى والحقيقة وحلم الحريّة والسّعادة. فهل تحققت الثورة؟ هل حقّقنا مجد الشّهداء؟ هل ندرك حقيقة ما حصل يوم 14 جانفي؟ هل حصلت ثورة فعلاً؟ أم هو الخيال والتخييل والسّراب؟ أليس البيريتا هو المسدّس الذي قتل شكري بالعيد ويصوّب لكلّ عاشق للانتعاق في مجتمع الردّة والمافيا واللّصوص والايديولوجيا المقيتة؟ أسئلة من لهيب، وكمال الرياحي لا يجيب عنها ولو همسًا، فهو يزجّ بالقارئ داخل قارورة الحيرة ويُغلق خلفه عُنق الزّجاجة. يدفع بالقارئ دفعاً للتساؤل دون أن يشعر ولو للحظة واحدة أنّ كمال الرّياحي يستدرجهُ إلى دائرة الحيرة.

الانتحار: بوابة عبور أم ميلاد جديد؟

تحيلنا الرّواية ومنذ صفحاتها الأولى إلى موضوع الانتحار "لم ينتحر أحد هذا العام. هل هذه الحياة الرثّة ما زالت جديرة بأن تعاش؟ لماذا تُصرّ كل هذه الحشود على البقاء ومحاولة العيش مثل أبطال بائسين في رواية مخفقة؟" والانتحار هنا موقف شجاع من الحياة، من الوجود الهشّ. إدانة للفوضى والرّتابة والقوالب الجاهزة. وكأنّ الانتحار ردّ فعل إزاء هذا القبح المعمّم. وهنا نلاحظ انزلاقاً خطيراً في المعنى ليصبح الموت حريّة وإرادة وتحرّر، والحياة هي الموت بل هي موت متجدّد في كلّ لحظة. فـ"البيريتا يكسب دائماً" هو قتل للموت لنعتنق الحياة ونعيشها من جديد. وكلمة "الحشود" هنا بمعنى القطيع حيث لا إرادة ولا وعي باللّحظة الراهنة ولا بغواية الحياة والممات.

البيريتا، علي كلاب، بيّة، يوسف، مريم، ملاك، ستيلا، الحشّاش، عائدة، جبّار، ولاس، الأسترالي... شخصيّات لا تنتهي وحكايات متشابكة في مغامرة سرديّة بين الحوار والسّرد وصخب الأصوات والمونولوج والكلام المسجّل على الهاتف الجوّال.. واليوميّات المكتوبة والصحف المتناثرة... كلّ هذا يجعل من الكتابة حالة من الجنون الإبداعي بعيداً عن الكليشيهات والنّمطيّة. تمرّد حقيقيّ ونقد لاذع للبنية الرّوائية المألوفة وخاصة لمفهوم البطل ودور النّاقد.

رواية تعلن العصيان والتمرّد بقلم كاتب يؤمن بضرورة الاختلاف وتجديد المفاهيم وإعادة تفكيك المعنى القديم لبنائه من جديد. تختصر رواية "البيريتا يكسب دائماً" الانسان في جميع تناقضاته العميقة، وتعرّي هشاشة الواقع من حولنا، كما تجعل القارئ يدرك أنّ العالم عوالم والحقيقة سراب، وأنّ الفنّ وحده القادر على تجديد المعنى ليكون القاسم المشترك للإنسانيّة جمعاء.