الخميس - 01 تشرين الأول 2020
بيروت 27 °

إعلان

لبنان في صلب صفقة القرن

المصدر: "النهار"
ميشال الشمّاعي
لبنان في صلب صفقة القرن
لبنان في صلب صفقة القرن
A+ A-

يخطئ من يظنّ اليوم أنّ صفقة القرن التي جرى الاحتفال بإطلاقها رسميًّا البارحة في البيت الأبيض هي فقط لحلّ الأزمة الإسرائيليّة- العربيّة؛ إنّها صفقة لا بل صفعة للمنطقة بأسرها. الشرق الأوسط سيصبح جديدًا عاجلا أم آجلا، إن لم يكن بفعل صفقة القرن سيكون بفعل انتفاضة الشعوب التي لم تعد تقبل بما كان مفروضًا عليها. فهل ستحقّق شعوب المنطقة التحرّر السياسي، ومنها لبنان، بغية التحديث السياسي؟

ممّا لا شكّ فيه أنّ هذه القضيّة قد أثّرت في الدّول العربيّة كلّها، ولا سيّما تلك التي ترتبط جيوبوليتيكيًّا مع فلسطين؛ وأبرز هذه الدّول لبنان. لذلك نستطيع القول بأنّ هذه الصفقة، وإن ضمنيًّا، ستشمل لبنان والمنطقة بأسرها، من العراق حتّى ليبيا. وما يدور في أروقة دول القرار أكبر بكثير ممّا دار بين السيّدين سايكس وبيكو منذ قرن وأكثر.

لقد حمل لبنان أوزار القضيّة الفلسطينيّة، وغالبًا ما كان هذا الحمل على حساب وجوديّته لولا استبسال بعض اللّبنانيّين للدّفاع عن لبنانهم ممّن أراد جعله وطنًا بديلا له اقتناعًا من هؤلاء أنفسهم بعدم جواز التخلّي عن فلسطين. واليوم، لبنان ما زال يحمل وزر القضيّة عينها وعانى ما عاناه من أجل إبقائها حيّة في النّفوس لا في النّصوص وحسب.

قد يقول بعضهم أنّ ما حدث في البيت الأبيض هو أفضل الممكن للعرب مجتمعين. لكنّ الحقيقة في مكان آخر. الاستعراض الذي قدّم هناك لم يكن إلا عراضة سياسيّةً تقدّما بها طرفاها لرفع معنويّات مناصريهم في انتخاباتهم الدّاخليّة القادمة، بعدما لمسا كلاهما ارتفاع منسوب رفضهم من شعبيهما. على العرب في هذه الحالة الاستفادة من نقطة الضّعف هذه، والعمل على تفعيل اللّوبي العربي في الولايات المتّحدة الأميركيّة لمجابهة اللّوبي الصهيوني الذي دفع قدمًا للوصول إلى هذه الصفقة.

هي صفقة مرفوضة بالشكل والمضمون، لليس إلا لأنّها تحاول أن تؤمّن مقوّمات الحياة للمدى البعيد لإسرائيل الدّولة على حساب فلسطين كما يرونها هم، دولة لا مقوّمات لها للحياة والاستمرار من دون الاتّكال على محيطها الجيوبوليتيكي. فبذلك تصبح فلسطين التي يريدونها تحت السيطرة غير المباشرة لإسرائيل.

أمّا في لبنان، فقد بات في صلب حسابات الأميركيّين ليس كرمى لأحد بل لأنّ الثروات الموعودة في بحره وبرّه ستمكّن الولايات المتّحدة الأميركيّة من تفعيل سيطرتها أكثر فأكثر على سوق الغاز الطبيعي الذي سيتوجّه إلى القارّة العجوز وإلى القارّة السوداء أيضًا. لا سيّما بعدما باتت القوى الدّ,ليّة مقتنعة بإنهاء صراع الخليج العربي على حساب وحدة العراق ومركزيّة قراره، وذلك لتقاسم النّفوذ فيه من خلال شكل جديد للجمهوريّة العراقيّة المركّبة؛ قد تكون الفدراليّة أو الكونفدراليّة شكلا للنظام فيه.

من هذا المنطلق، سيعيش لبنان في الأيّام القادمة عزلة دوليّة، حتّى بعد نيل الحكومة " الديابيّة " الثقة. فهذه المسألة لن تقدّم شيئًا للمجتمع الدّولي الرّافض تقديم أيّ مساعدة للبنان كما هو اليوم. فبالنّسبة إلى هذا المجتمع، لقد سقط لبنان كما رسم له ميشال شيحا الحياة، وبات في المخاض الأخير من الولادة. وتمّ رسم شكل هذه الدّولة التي إن فقدت شكلها الحالي، لكنّها لن تفقد كيانيّتها.

فثورة 17 تشرين ستحقّق التّحرير السياسي، ويبقى أنّ مواكبة أحداث المنطقة وحدها، ستمكّن اللّبنانيّين من إجراء عمليّة التّحديث السياسي المرتقب. كذلك، العرب كلّهم مدعوّون لمواكبة ثورة التّحرير السياسي هذه؛ ماذا وإلا ...! هل ستسلم المنطقة من نيران حرب جديدة قد تطلّ برأسها في حال رفض هذه الحلول كلّها؟

الكلمات الدالة