الخميس - 01 تشرين الأول 2020
بيروت 27 °

إعلان

لهو بالنسيج

مازن ح. عبّود
لهو بالنسيج
لهو بالنسيج
A+ A-

وأخيرا خرجت من رحم الطبقة السياسة ومن زرع تحركات الشارع وانتفاضاته حكومة إدارة او تسريع الازمة. حكومة لا تشبه ما نريده الا في بعض التسميات، لا نستطيع الا ان ندعمها، ونعطيها فرصة وذلك بالرغم من كل التحفظات. فلا يمكن ان نتوقع أفضل، لانّ الطبقة السياسية فهما تنازلت لا تنتج الا حكومة تشبهها.

ما لفتني هو الامعان في التعاطي باستخفاف مع بعض المكونات في ظل نظام يسوق الطائفية ولا يستسيغ المذهبية. فالطائفية بالنسبة اليه تقوي، اما المذهبية فتحد. والنسيج يتداعى ويمسي اقل جودة.

ثمة من يستعير طربوشا من هنا يضعه على رأس هناك لقضاء حاجاته. ويطلقون تسميات المختصين والتكنوقراط على من يشتهون. "كن مجدرة" مقولة يتناقلها الناس عن مطران دعي الى وليمة وأحب ان يلتهم طبق لحوم في عز القطاعة. فكان ان بارك مشتهاه وجعله مجدرة، واكل كي لا يبطل قطاعته. يستعينون بهذا او ذاك او تلك لتدعيم كرسي او موقع. فكأنّ الموقع يبقى ان ذهبت المؤسسة او تهاوت.

من الملاحظ انّنا لم نتعلم كثيرا من الازمة. فمازلنا على حالنا. نفكر ونفعل ونعمل كما دوما، كانّ شيئا لم يتغيّر. نلهو بالمقاسات كي تلائمنا وبالنسيج كي يتحرر. نستضعف هذه الفئة ونستدين منها لحساب تلك. نلعب بالمذاهب وندعّم الطائفية. فلا عجب ان تتمزق الصيغة وتصير شيئا من قميص.

كيف نستطيع ان نكون طائفيين وغير مذهبيين مثلا لا اعلم؟

فإما الطائفية او العلمانية ولا ثالث بينهما. انّ القميص الذي تلهون به مصنوع من نسيج فريد. صرنا في زمنا casual الذي حلّ محلّ "التفتا هندي" في لبنان. وميزة البلد انه كان من التفتا هندي الدقيق، حيث الكل يتناغم ويتكامل مع الكل. وقوة الموارنة كمنت في ادراة هذا الاختلاف والتنوّع، والحفاظ عليه. المشكلة اليوم انّ كل شيء يتهاوى وما عاد من رادع لمن أراد ان يلتهم او يتصرف او يستبد او يخالف. صار كل مستطاع مجازا.

ولدت حكومة الرئيس حسّان دياب لكنها كسابقتها كرّست أكثر عرف تمرير التسويات على حساب العائلات الأقل فعالية على الساحة. ولو انّ الاستثناء املته ضرورات غير متوفرة الا هذه الشخصية او تلك لإنقاذ البلد لكنّا قبلنا. وكان واجبنا ان نقبل من اجل البلد. فالتضحية تحلو في سبيل البلد والأخر. لكن ان تضحي لإرضاء نزوة فهذا موضوع آخر.

لا يجوز ان تشعر شرائح مكونة للبلد بأنّ البعض يلهو بها ويستهتر بوجودها ويطربشها. لا يجوز ان تشعر فئة غير قليلة بانها غير مقدرة لا بل انها مشاعا لهذا المقتدر او ذاك. واجبي ان أؤيد وادعم أي شخصية من التكنوقراط تكون قيمة تلزم لخلاص البلد. واجبي ان أضحّي في سبيل استقدام من يتمتع بمواهب وقدرات ووسائل لا يتمتع بها أحد، وذلك لانّ الخبز والماء والطرق والتعليم والامن لأبنائي الذين هم أبناء البلد.

انا أؤيد توزير السيد جواد عدار لا بل توليه منصب رئاسة الحكومة وحتى نيابة رئاسة مجلس الوزراء إذا كان هذا كفيلا بإخراج البلد من المأزق ودرء الانهيار. وللرجل قدرات معروفة اهّلته ان يكون عشير الحكام وحاضرا في الشارع في الوقت نفسه. ملهما للساسة ومحركا للحراك. احترموه واحترمونا ووزروه شخصيا لا بل كلّفوه برئاسة الحكومة مثلا. فمن الضروري لرجل يتمتع بمثل هذه الخبرة والمؤهلات والمروحة من العلاقات ان يكون في الحكومة في ظل هذه الظروف. وليطرح من صفوف التكنوقراط ومن حصة الأرثوذكس حتا لانّ وجوده قد يكون حاجة وضرورة. عندها فقط تستطيعون تبرير الخروج عن الميثاق والنص والأعراف لأجل المصلحة العامة وحسن ادراة البلد. لكن لا تشعروننا باننا حجر دامة في ساحتكم. لا تشعروننا بأننا لا شيء. لا تنتهكوا قواعد لعبتكم. من يلهو بالمذاهب لن ترحمه الطوائف.

ما جرى ويجري محرج لأنه يطرح أكثر من سؤال حول كيفية التعاطي الحالي مع النسيج والصيغة والميثاق. ما يجري لعب بقميص والقميص لعثمان.

ما جرى ويجري يشكل منعطفا في حضورنا وحضوركم يتوجب التوقف عنده والتفكير، وبخاصة انه اضحى نهجا وعرفا.

غالبية الأرثوذكس بدأت تلوم نفسها ومؤسستها الدينية وتفتش عن هوية جديدة لا تلزم ولا تنفع. وذلك ببساطة لأنها تخشى ان يتم محوها وطربشتها. ترى "طائفة الطوائف" انكم تنظرون اليها كفلكلور يلزمكم في ظل هذا الكرنفال الكبير.

انّ ما جرى ويجري يدفعنا الى التساؤل عن حقيقة كل ما يقال في الدعم الروسي والامريكي لنا. فانتم تشعروننا بأننا المفعول به لقضاء حاجاتكم.

ما جرى يكشف ازمة حقيقية تتخطى حدودها وضع اليد على منصب رئاسي او وزاري او اداريّ او قضائي او ما شابه. انه لهو وعبث بالأعراف والنسيج الحالي. انه تمسك بالطائفية وعبث بالمذهبية. انه تمسك بقبلية وراء اقنعة حزبية.

هل من يلهو بالصيغة والميثاق رؤية بديلة، وهل الدولة العلمانية هي البديل اليوم؟

ثمة مشكلة في سكوتنا وسكوت قادتنا، لكن ثمة ازمة في أداء الاخرين.

ثمة مشكلة في فلسفتنا وتسامحنا لكن ثمة فوقية في التعاطي.

ثمة تساؤل في مدى ملاءمة طبيعتنا وتركيبتنا لواقع التغييرات الجديدة في لبنان والشرق وثمة قلة دراية لمفاعيل ذلك على اللاعبين أنفسهم.