السبت - 19 أيلول 2020
بيروت 31 °

هل تُضعف العقوبات الأميركيّة قوّة الدولار؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
Bookmark
هل تُضعف العقوبات الأميركيّة قوّة الدولار؟
هل تُضعف العقوبات الأميركيّة قوّة الدولار؟
A+ A-

بداية تحرّك

أثبت الدولار تفوّقه بالنسبة إلى سلّة من العملات الدوليّة الأخرى على صعيد حجم التداول وربط العالم تجاريّاً بالقوّة النقديّة الكبرى. لكنّ التعامل مع هذه القوّة التي تضمنها نسبة عالية من السيولة والاستقرار الكبير في قيمتها والأسواق الماليّة المفتوحة، يفرض ثمناً على الحكومات والشركات الأجنبيّة المتعاملة بها. يرتبط هذا الثمن بقابليّة تعرّض هذه الكيانات للأذى في حال عدم التزامها بالسياسات الأميركيّة. أحد الأسباب التي تفسّر قوّة الدولار هو أنّ نصف حجم التجارة الدوليّة يتمّ بواسطته، ويساوي هذا الرقم أربعة أضعاف حصّة الولايات المتّحدة من الصاردات والواردات كمعدّل عام. وفي حين تُمكّن قوّة الدولار من استخدامه كأداة زجريّة وعقابيّة من قبل واشنطن، تلوح على الضفّة الأخرى مخاطرة في أن يرتدّ هذا الأسلوب عكسيّاً على تلك العملة.

بوجود أكثر من 6300 فرد و 22 دولة مصنّفين على لائحة العقوبات ومع أكثر من 30 برنامجاً ماليّاً للعقوبات، ستبحث هذه الأطراف عن وسيلة تعامل أخرى غير الدولار لتفادي التداعيات. يقلّص هذا حجم الإقبال على العملة الأميركيّة. تتزامن العقوبات الأميركيّة مع سياسة حمائيّة تتمتّع بآثار جانبيّة مشابهة لجهة الإعراض عن التعامل بهذه العملة. ومع صعود الصين كقوّة اقتصاديّة بارزة، انضمّ اليوان إلى سلّة حقوق السحب الخاصّة لصندوق النقد الدوليّ منذ سنة 2016. وهذا يمكّن بيجينغ من إيجاد وسائل أخرى للتعامل مع دول معاقَبة أميركيّاً كإيران. في هذا المجال، تسعى الصين وروسيا وإيران إلى تقليص اعتمادها على المؤسّسات الغربيّة ومنتجاتها من بينها العملة الخضراء. وفي سنة 2018، بدأت الصين تستخدم اليوان كعملة تداول بالنسبة إلى العقود النفطيّة المستقبليّة.

يستند أستاذ العلوم السياسيّة والاقتصاديّة في جامعة كاليفورنيا باري أيكنغرين إلى التاريخ كي يرجّح الحاجة لما بين 5 إلى 10 سنوات كي يفقد الدولار صدارته. فالصدمة الجيوسياسيّة التي خلقتها الحرب العالميّة الأولى والتي أجبرت دولاً محايدة على عدم التعامل بالجنيه الاسترلينيّ البريطانيّ، قد تشبه الصدمة الجيوسياسيّة الحاليّة لأحاديّة سياسة ترامب الدوليّة. وإذا دفعت أوروبا ثمن النفط الإيرانيّ باليورو فستشتري إيران السلع الأوروبية بالعملة الأوروبّيّة وبمجرّد تقاضي شركات أخرى هذه العملة أكثر من الدولار، سيكون هنالك دافع أقلّ لدى البنوك المركزيّة للاحتفاظ بالعملة الأميركيّة كي تثبّت العملة المحلّيّة. عندها، يصبح الرجوع إلى الوراء مستحيلاً، كما أوضح.

"نظام ماليّ متعدّد الأقطاب"

كتب أيكنغرين مقاله في موقع "بروجكت سنديكايت" في تشرين الأوّل 2018. اليوم، هنالك محاولات جدّيّة للاعتماد على عملات أخرى من أجل التحرّر من الدولار وبالتالي من الرقابة الأميركيّة. يُعدّ إنشاء قناة "إنستكس" للتعامل التجاريّ ذات الطابع الإنسانيّ بين ألمانيا وفرنسا وبريطانيا من جهة وإيران من جهة أخرى أحد الأمثلة على ذلك. لكن مع مرور سنة على تأسيسها، لا تبدو منصّة التبادل هذه فعّالة. وهذا يفسّر الانتقادات اللاذعة التي توجّهها إيران مؤخّراً للقوى الأوروبّية الثلاث.

بحسب البعض، لا يعني هذا الواقع أنّ الدولار لن يتأثّر بما أنّ قناة "إنستكس" فشلت. يتّفق آخرون مع أيكنغرين حول أنّ ترامب يدفع دولاً أخرى للتفتيش عن بديل للعملة الأميركيّة. للكاتبين المتخصّصين في الشؤون الإيرانيّة ميديا بنجامين ونيكولاس دايفس رأي مشابه عرضاه في كانون الثاني 2019 عبر صحيفة "ذا هيل". وكتبا أنّ امتداد العقوبات لتشمل المتعاملين مع إيران سيسرّع مجيء اليوم الذي سيطوّر سائر العالم فيه "نظاماً ماليّاً متعدّد الأقطاب" يمنع أيّ دولة من استخدامه كأداة "غير شرعيّة لقوّة إمبرياليّة". وذكرا أنّ 87 دولة انضمّت لبنك الاستثمار الآسيوي في البنى التحتيّة الذي تقوده الصين والمستقلّ في عمله عن النظام الماليّ المبنيّ على الدولار.

يصعب التكهّن بتوقيت ذلك اليوم – إن أتى أصلاً. لكنّ المسارات التي يرسمها المراقبون تتقاطع تقريباً عند نقطة العقد الرابع من القرن الحاليّ. ترتبط صعوبة هذا التكهّن بتعثّر الخطط التي تضعها الدول الخاضعة للعقوبات حاليّاً. كما ترتبط بتلمّس وجود نيّة لدى الأوروبّيّين والصينيّين بتأسيس نظام ماليّ مستقلّ، وبتنفيذه. لكن يبقى الأهمّ أن يكون لدى هؤلاء النيّة في تنسيق جهودهم المشتركة.

"إنزال الدولار عن عرشه"

يوضح الأستاذ المشارك في جامعة سيرياكوز الأميركيّة – قسم العلوم السياسيّة، دانيال ماكدويل هذه التفاصيل في "مجلّة العالم السياسيّ" الشهر الماضي، مشيراً إلى سلسلة من الوقائع: بعد العقوبات الأميركيّة، ارتفع مخزون الذهب لدى روسيا من 1000 طنّ سنة 2014 إلى 2000 سنة 2018. وانخفضت نسبة احتياطيّ الدولار في بنكها المركزيّ من 47% سنة 2017 إلى 23% سنة 2019، فيما ارتفعت نسبة اليورو واليوان ب 10% لكلّ من العملتين. أمّا تعامل روسيا مع الصين باليوان فارتفع بشكل ضئيل، من 9% إلى 15% سنة 2017. وحاولت أنقرة وروسيا وإيران إيجاد نظام ماليّ بديل عن الدولار، كما ساعدت روسيا فنزويلا على التداول بعملة مشفّرة خاصّة بها. لكنّ المحاولات باءت بالفشل.

تابع ماكدويل أنّ الشركات الخاصّة، بعكس الدول، لا تريد الالتفاف حول الدولار خوفاً على سمعتها. من جهة ثانية، ليس لليوان خاصّيّة التحويل الكامل إلى عملات أخرى، كما تعاني منطقة اليورو من أزمة ديون هيكليّة. ويعتقد الأستاذ الجامعيّ أنّه بالرغم من هذه الصعوبات، قد تبدأ الصين وأوروبا البحث عن نظام ماليّ جديد بعد حوالي عشر سنوات إذا استمرّت واشنطن بسياستها الحاليّة.

لم يكن تقرير مجلّة "إيكونوميست" منذ خمسة أيّام أقلّ تشاؤماً تجاه إمكانيّة "إنزال الدولار عن عرشه" إذا واصلت الولايات المتّحدة التوسّع في عقوباتها. هذا ما نقلته عن عدد من الباحثين من بينهم جيفري فرانكل من جامعة هارفارد. لكن مجدّداً، ليست الأمور دائماً بهذا الوضوح. يقول إسوار براساد، مؤلّف كتاب "فخّ الدولار" إنّ العملة الخضراء تستفيد خلال فترة الأزمات. وأردف للمجلّة نفسها أنّ أزمة 2007-2009 التي انطلقت من الولايات المتّحدة عزّزت قوّة الدولار كملاذ آمن.

ما أوضحه الاتّفاق التجاريّ... و"المبالغات"

تفسّر الخاصّيّة المذكورة أحد أسباب صعوبة تخلّي العالم عن التعامل بالدولار. في هذه الأثناء، سجّلت المرحلة الأولى من الاتّفاق التجاريّ مع الصين مكسباً نسبيّاً لصالح الولايات المتّحدة وعملتها. حاولت "النهار" الاستيضاح من ماكدويل عمّا إذا كان هذا التطوّر يمكن أن يمنح الدولار المزيد من القوّة في المستقبل، لكنّه أبدى تشكيكاً في الموضوع:

"لا أعتقد أنّ هنالك الكثير من الرابط بين المرحلة الأولى من الاتّفاق التجاريّ وما كتبت عنه. كان اليوان يتعزّز قليلاً مؤخراً قبل الاتّفاق، لذلك لا أعتقد أنّ الضغط الماليّ كان جزءاً كبيراً من سبب توصّل الضين والولايات المتّحدة إلى اتّفاق".

وأضاف: "المسائل حول العقوبات والابتعاد عن الدولار، هي وفي الغالب، منفصلة عن الحرب التجاريّة. لا يقدّم الاتّفاق حقاً الكثير لمساعدة – أو لإيذاء – جهود الصين كي تؤسّس بديلاً لنظام الدولار. يعتمد ذلك على السياسات الماليّة للصين أكثر بكثير من (اعتماده) على التجارة."

من جهته، توقّع البروفسور المشارك في جامعة سيدني سلفاتور بابونس في مقال له نشرته "فورين بوليسي" في آب الماضي أن تبدي الصين مرونة في التعاطي مع الأميركيّين بعد عيد الميلاد. وهكذا حصل.

ذكر بابونس، أستاذ علم الاجتماع والسياسات الاجتماعيّة، كيف انخفض اليوان أكثر من 5% منذ انهيار المفاوضات التجارية أواخر نيسان الماضي. وتستمرّ الصين بربط عملتها بالدولار بالتوازي مع إبقاء ثلث احتياطاتها بالعملة الأميركيّة. حتى المشاريع المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق معقودة بالعملة المذكورة. للتعويض، دعمت الصين الصادرات نحو أوروبا، لكنّ قيمة اليورو التي شهدت انخفاضاً دفعت بيجينغ لتقديم المزيد من الدعم لهذه التجارة، وهي كلفة لا تستطيع احتياطاتها تحمّلها على المدى البعيد بحسب رأيه.

لكن بغضّ النظر عن المكسب الأميركيّ الأخير، ألا يرى بابونس أنّ توسيع العقوبات الأميركيّة يهدّد الدولار بطريقة غير مباشرة على المدى المتوسّط؟

يجيب بابونس "النهار" بأنّ "إشاعات احتضار الدولار، كما دوماً، مبالغ بها بشكل عظيم." وأضاف: "نعم، الولايات المتحدة تستخدم هيمنة الدولار كأداة للسياسة الخارجيّة، وبالطبع إنّ دولاً عدّة لا تحبّ ذلك. لكن طالما أنّ الناس العاديّين والأعمال حول العالم يفضّلون الدولارات على اليورو، الين، الباوند، أو اليوان (كي لا نتحدّث عن الروبل الروسيّ!)، سيبقى الدولار عملة العالم. حتى داعش فرض ضرائب بالدولارات الأميركيّة".

وختم بابونس: "قد لا يكون ذلك عادلاً، لكن هكذا هي الأمور."

____________________________________________________________________________________________________

تمّ تحديث التقرير ليشمل جواب الأستاذ المشارك في جامعة سيراكيوس الأميركيّة دانيال ماكدويل.

الكلمات الدالة