السبت - 19 أيلول 2020
بيروت 31 °

هل يسقط الاتّفاق الأميركيّ-الصينيّ قبل نهاية 2020؟

المصدر: "النهار"
جورج عيسى
Bookmark
هل يسقط الاتّفاق الأميركيّ-الصينيّ قبل نهاية 2020؟
هل يسقط الاتّفاق الأميركيّ-الصينيّ قبل نهاية 2020؟
A+ A-

تنازلات متبادلة

وقّعت الولايات المتّحدة والصين المرحلة الأولى من اتّفاق تجاريّ يسهّل على الدولتين سلوك مسار التهدئة بعد 18 شهراً على حرب تجاريّة أدخلت العالم مرحلة ركود. نتج ذلك عن فرض رسوم متبادلة على سلع تجاريّة بقيمة مئات مليارات الدولارات بين البلدين حيث خسرت الأسواق العالميّة تريليون دولار بسبب تلك الحرب. نجحت واشنطن في دفع الصين إلى حماية الملكيّة الفكريّة وتقييد إكراهها الشركات الأميركيّة على نقل التكنولوجيا إلى شركاتها وفي رفع حجم وارداتها من السلع الأميركيّة إلى 200 مليار دولار خلال السنتين المقبلتين بالمقارنة مع ما كان عليه الأمر سنة 2017 حين بلغت واردات بيجينغ من واشنطن حوالي 190 مليار دولار.

ومن بين السلع المذكورة في الاتّفاق ما يرتبط بالزراعة والسيارات والطائرات والآلات الزراعيّة والنفط والغاز والخدمات الماليّة وغيرها. ولتسهيل التوصّل إلى الاتّفاق، أزالت الولايات المتّحدة الصين عن لائحة الدول المتلاعبة بقيمة عملتها. وافقت الصين أيضاً على تحسين الإجراءات المدنيّة والجنائيّة لمكافحة انتهاك براءات الاختراع وحقوق النشر كما وافقت على قمع بيع السلع المقلّدة.

بالمقابل، وافقت الولايات المتحدة على تخفيض نسبة الرسوم على 120 مليار دولار من البضائع الصينيّة من 15% إلى 7.5%. وتتضمن هذه البضائع سمّاعات الرأس الذكيّة وأجهزة التلفاز والساعات الذكيّة. وأجّل الاتّفاق بشكل غير محدّد فرض رسوم على أجهزة الكومبيوتر المحمولة وأجهزة التحكّم بألعاب الفيديو والهواتف الذكية. لكنّ رسوماً جمركيّة بقيمة 25% على سلع صينيّة بقيمة 250 مليار دولار مثل أجهزة الكومبيوتر المكتبيّة وأجهزة الشحن ومحوّلات الطاقة لم تشهد تغيّراً بموجب المرحلة الأولى من الاتّفاق. ولم تقم الصين برفع الرسوم التي فرضتها على المنتجات الأميركيّة.


ما لم يحقّقه ترامب

يبدو أنّ الطرفين توصّلا إلى ما يسمح لكلّ منهما بادّعاء بعض المكاسب في المدى المنظور. لعلّ الموضوع الأهمّ في المرحلة الأولى من الاتّفاق هو عدم التطرّق إلى شبكة الجيل الخامس من الاتّصالات وشركة "هواوي" وقضيّة الدعم الكبير التي تقدّمه بيجينغ للشركات الصينيّة. تشير محرّرة شؤون الأعمال في شبكة "أن بي سي" الإخباريّة لوسي بايلي إلى أنّ المرحلة الأولى لا تغيّر النموذج الصينيّ في قيادة الأعمال وفق ما سعى إليه ترامب، ولم تغيّر دعم بيجينغ للقطاع الزراعيّ. وهذا الأمر يترك المزارعين الأميركيّين يتساءلون عمّا حقّقوه بعد أشهر من الرسوم التي دمّرت هوامش ربحهم وساهمت في إفلاسات على مستوى الوطن.

بالفعل، ربّما كان القطاع الزراعيّ أحد أبرز المتضرّرين من الحرب التجاريّة. مراسلة شؤون الأعمال في نيويورك لصالح هيئة الإذاعة البريطانيّة "بي بي سي" ناتالي شيرمان ذكرت أنّ هنالك تشكيكاً في إمكانيّة شراء الصين لحوالي 50 مليار دولار من المنتجات الزراعيّة خصوصاً أنّ بيجينغ قالت إنّ عمليّات الشراء ستعتمد متطلّبات السوق. وكتبت أنّ المزارعين استُهدفوا من الصين وعانوا من ارتفاع في عمليّات الإفلاس ممّا دفع السلطات إلى تنفيذ عمليّات إنقاذ ماليّ بقيمة 28 مليار دولار. ويضاف إلى ما سبق أنّ الاتّفاق لم يذكر عمليّات الشراء لما بعد فترة السنتين.


"تغيير غير مرجّح"

قال ممثّل التجارة الأميركيّة روبرت لايثزر إنّ بلاده ستسعى للبدء بالمحادثات حول المرحلة الثانية قبل الانتخابات الرئاسيّة. لكنّ ترامب فضّل أن يأتي ذلك بعد تلك الانتخابات كي يكون بالإمكان الوصول إلى "اتّفاق أفضل بقليل، ربّما أفضل بكثير."

على الأرجح، كان ما استخدمه ترامب لغة ديبلوماسيّة لإخفاء أنّ الصين لن تقدّم المزيد من التنازلات إلّا في حال فوز ترامب بولاية ثانية. حتى في ما يخصّ المرحلة الأولى، لا تسود الأجواء التفاؤليّة لدى المحلّلين الاقتصاديّين بالرغم من عدم إنكارهم التقدّم الذي تحقّق. الاستراتيجيّ الاستثماريّ الرئيسيّ في "مجموعة لوتهولد" الأميركيّة جيم بولسن قال لوكالة "رويترز": "أجد أنّ تغييراً جذريّاً في الإنفاق الصينيّ (لشراء البضائع الأميركيّة) غير مرجّح. لديّ توقّعات منخفضة حول تحقيق الأهداف المعلنة."

ينصّ الاتّفاق المؤلّف من 86 صفحة والذي وقّعه الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب ونائب رئيس مجلس الوزراء الصينيّ ليو خه على أنّه إذا اعتبر الفريق المشكوّ من عدم التزامه الاتّفاق أنّ الشكوى قُدّمت عن سوء نيّة يحقّ له الانسحاب من الاتّفاق عبر توجيه إشعار خطّي بذلك إلى الفريق الشاكي. بذلك، لا ينصّ الاتّفاق على إدخال وسطاء لحلّ الخلاف.


نوايا صينيّة محتملة

يقول المسؤول السابق في وزارة الخزانة براد ستسر ل "ڨوكس" تعليقاً على الجملة التي سرت خلال الفترة الماضية، "المرحلة الأولى، وانتهى"، إنّه "يصعب تصوّر كيف يمكنك أن تصل إلى المرحلة الثانية." وأضاف: "بمعنى من المعاني، أصبحت المرحلة الأولى ممكنة عبر الاعتراف بأنّ الصين لم تكن تريد التحرّك نحو المسائل الكبيرة والبنيويّة."

لكنّ الحديث عن صعوبة الانتقال إلى المرحلة الثانية لا يعني أنّ المرحلة الأولى بحكم التنفيذ. في حديث إلى صحيفة "لوس أنجيليس تايمس"، قال المحلّل الاستراتيجيّ الرئيسيّ في "وحدة الاستخبارات الاقتصاديّة" نك مارّو إنّ الاتّفاق حمل بعض اللغة التشجيعيّة لكنّ بنوده تحمل أسئلة مفتوحة عن المسائل البنيوية الخطيرة في العلاقات التجاريّة الصينيّة-الأميركيّة. وأضاف: "هذا، مدموجاً بصعوبات محتملة في تنفيذ العديد من هذه الالتزامات، يقترح أنّ هنالك خطراً كبيراً في أن ينهار الاتّفاق خلال وقت لاحق من هذه السنة."

صحّة توقّع مارّو وآخرين حول هذا الاحتمال يمكن أن ترتبط بسؤال آخر حول النوايا الصينيّة، لكن هذه المرّة، ليس في ما يتعلّق بتغيير النموذج الصينيّ حول التجارة الدوليّة بل حول استخدامها الاتّفاق الأوّليّ للضغط على الرئيس الأميركيّ: هل تخرج الصين من الاتّفاق قبل أسابيع على الانتخابات فتُدخل الأسواق في تقلّبات تقلّص فرص ترامب الرئاسيّة؟

الكلمات الدالة