الأربعاء - 23 أيلول 2020
بيروت 28 °

هل من حبّة قمح تنقذ فقراء طرابلس؟

المصدر: " ا ف ب"
طرابلس- رولا حميد
هل من حبّة قمح تنقذ فقراء طرابلس؟
هل من حبّة قمح تنقذ فقراء طرابلس؟
A+ A-

يتمدّد الجوع، ويزداد الفقر وينتشر، وهو بلغ الذروة في طرابلس قبل التحركات الاحتجاجية، لكنه تفاقم إبّانها، وفي نهايتها، حيث تفاقمت الأزمة، وتتجه الأوضاع في البلاد نحو مزيد من التأزم والانهيار.

خضر الزاهد شاب في الثلاثين، لا يترك عملاً يدوياً إلا ويمارسه شرط أن يدّخر بواسطته ما يسدّ به رمق العائلة المكوّنة من زوجة وابنين هما محمود وأحمد الذي يعاني من صعوبة في النطق. وقد عمل خضر في الحدادة الإفرنجية، لكنه يتقن العديد من الخبرات المتصلة بالكهرباء، والأدوات الصحية، والبلاط.. يقول خضر لـ"النهار": "حتى "العتالة" لا أتردد في العمل فيها.. المهم أن أجد أي عمل في ظل تراجع الأعمال في طرابلس، وازدياد البطالة، وقلة الأعمال. لا أحتمل أن أترك ولديَّ محتاجين، ولا زوجتي تشعر بالجوع وتعاني المرض".

أخيراً، نفدت الأعمال بوجه خضر. لم يعد له مجال عمل من أي نوع. تأبى عليه عزة نفسه طلب مساعدة، وهو لم يتوانَ يوماً عن القيام بأي عمل. لا يأبه أن يكون العمل قاسياً، أو صعباً، أو ما يعتبره الآخرون مهيناً. يرفض الحصول على مال "من يد ليد"، كما يقول، "وأقبل من أصدقائي أي مساعدة عينية عندما لا أجد عملاً".

أربعة أيام مضت على بيت خضر ولم يوجد فيه لقمة خبز للعائلة، لكنه تدبّر الأمر بخبرته، فحمل كيسين فيهما بعض أرزّ، وسكر، وعدس، وعلبة جبنة، وربطة خبز، وهرع بهما إلى المنزل حيث ولداه يتضوران جوعاً، وزوجته لا تلوي على شيء.

في حوار مع خضر، شرح مشكلته كأي واحدة من آلاف أصحاب المشاكل المنتشرة في مدينته طرابلس التي تتسم بالعوز والفاقة، أين منها فاقة الحروب العالمية التي انتفت فيها المواد الغذائية، وراح الناس يبحثون عن أي عنصر يأكلون، حشائش في البساتين، وعلى ضفاف الأنهر، حتى حبة قمح متبقية في المتيبّس من فضلات الحيوانات.

يؤكد خضر أن الأعمال باتت نادرة إن لم تكن متوقفة بالتمام. و"نحن ليس عندنا أي ضمانات، ولا مصدر طعام، حتى الجمعيات الإنسانية توقفت عن المساعدة. أتساءل: هل بلغ الضغط علينا مرحلة تجويعنا حتى الموت؟".

إبنه أحمد يعاني صعوبة نطق. السبب إصابته بصدمة جراء صوت قوي مفاجئ. تشرح والدته السبب: "نعيش هنا في الشعراني، على مقربة من خط التماس في الأحداث السيئة التي مرت بنا. كان ابني أحمد لا يعاني من أي مشكلة، وكان ينطق بصورة طبيعية، وفي الرابعة من عمره، سقطت قذيفة في بورة خلف البيت، خاف ابني من قوة صوتها، ومنذ ذلك الحين، بدأ يعاني من صعوبة نطق".


يحتاج أحمد لمعالجة عند اختصاصي لإعادة النطق إليه. ويفيد والده خضر أنه عرضه على اختصاصية نطق، فـ"طلبتْ أموالاً كثيرة لا أملك منها شيئاً"، وقد مرت عليه أربع سنوات ولمّا يستطع مساعدته بعد.

أحمد الآن في الثامنة من العمر. قلب خضر منشطر عليه كلما تعرض لمشكلة، أو واجه موقفاً حرجاً: ،يؤلمني أن يفقد مستقبله إذا لم أستطع تأمين معالجة له، فالمدارس ترفض إدخاله إلى صفوفها في حال كحاله، في بلد ليس للإنسان فيه أية قيمة أو ضمانة".

ويردف: "يؤلمني أكثر عندما يذهب إلى مكان عام يطلب غرضاً من دكان، مثلاً، فيواجَه بالاستهزاء عندما يحاول التحدث بصعوبة، فيعود إليّ باكياً، مجروح الخاطر".

كثيراً ما يبكر خضر في إنهاء عمله نهاراً، عندما يتوافر، غايته أن يبقى ملازماً ابنه أحمد: "أساعده قدر الإمكان، وأخفف عن نفسه بأن آخذه مشواراً حول البيت، أو زيارة لصديق. أرافقه كيفما أراد ولا أريد أن يتعرض للإهانة، أو لكسر الخاطر".

وزوجة خضر، كما روى، "تعاني من تمزق في الأمعاء، تحتاج للعلاج غير المتوفر التكاليف، ويمنعها ذلك من خدمة أولادها وزوجها، وحالتها الصحية تستدعي العلاج السريع قبل دخول مرحلة الخطر على حياتها".

بيت خضر ذو مجد، لكن الأحداث، والإهمال، ألحقتا به أضراراً كثيرة، وأبرزها أن مجهولين نزعوا دعائم سقفه من أجل حفنة من المال.

يئس خضر من الحكم، والبلد، والحكومات. نزل مع المحتجين، ناقلاً معه ولديه يحملان لافتة كتبا عليها من أفكارهما: "نطالب المجتمع الدولي لحماية المتظاهرين من سلطة القمع والتخلف".

قد تطول الحال التي نعيش في لبنان، هل يفتش خضر عن حبة قمح ليعيش، أم يقطع الطريق؟ وهل ينتظر الحكم من الأطفال أن يتحولوا قنابل متفجرة في وجهه لكي يعيرهم الاهتمام اللائق بالإنسان؟

الكلمات الدالة