السبت - 26 أيلول 2020
بيروت 29 °

بطعم النعناع

المصدر: " ا ف ب"
سوسن الشريف
بطعم النعناع
بطعم النعناع
A+ A-

درجة الحرارة تتعدى الخمس والأربعين، وأنا مضطرة أن أسير من المترو إلى حيث سأقابل صديقتي القادمة من خارج قارة القاهرة، تسكن في واحدة من ضواحي ٦ أكتوبر، يبدو وسط البلد المكان الأنسب لكل منا. كان من الصعب أن أستقلّ تاكسي وسط هذا الزحام المعتاد في ذلك الوقت. الساعة تتعدى الخامسة، ودرجة الحرارة لا يبدو أنّ لديها أيّ نية للتنازل ولو قليلًا لأجل الناس التي تسبح في العرق. البعض تبلّد إحساسه وتحول إلى شخصٍ آلي، يسير مستسلمًا للحرارة، غائبًا عن الوعي، تتقاذفه الأجساد المهرولة من حوله، والبعض يسير مسرعًا، تتصبب قطرات العرق كشلال يتدفق من كل مكان في جسده، علّه يصل لمكان بارد، كمدخل عمارة من عمارات وسط البلد العتيقة، التي تنعم بجوّ معتدل طوال العام.

أخيرًا وصلتُ إلى مكان اللقاء، هاتفتها، أخبرتني أنها في الطريق المزدحم بلا نهاية، وكم هو خطأ فادح أن جاءت بسيارتها. هذا الخبر يعني أنها ستقضي ساعة أخرى أو أكثر في البحث عن مكان تركن فيه السيارة. أسوأ قرار يمكنك أخذه هو أن تأتي لوسط البلد بالسيارة، وبالطبع يتفهم سائقو التاكسي ذلك، فيضاعفوا عليك الأجرة، لذا عليك بالاختيارات الأقل سوءاً، الباص أو المترو.

ها هي مروحة كبيرة سأجلس أمامها، المكيّف معطل في المكان المغلق، ولا يوجد خيار أفضل من الجلوس في مكان مفتوح بجوار تلك العزيزة التي تصارع بجسارة وتوزع الهواء الساخن بالتساوي على الجميع. اخترت كالعادة أبعد منضدة للناس وأقربها إلى المروحة، أستظل بشجرة تمنحني من وقت إلى آخر نسمة طيبة لطيفة. يجلس أمامي رجال وامرأة وفتاة كل منهما معها رفيق، من حين إلى آخر يتلفت إليّ الرجال، سواء من هو جالس بمفرده، أو مع أصدقائه. أحدهم يدقق في وجهي مرسلًا بدعوة للمشاركة، وآخر يبتسم في سخرية واستعلاء، والمجموعة تصدر همهمات فتصلني بوضوح عبارات ساخرة لإشفاقهم عليّ لتخلّف مَن أنتظره عن الموعد. صار المكان مُثيرًا لحرارة الغضب أكثر من حرارة الجو.

واحد فقط لم يلتفت إليّ إلا لحظة دخولي، رماني بنظرة لامبالاة باردة محببة إلى النفس، إذاً هذه البقعة من المكان التي استكنت إليها، الأكثر أمانًا، وتمنحني فرصة للنظر بحرية أمامي بما أنه ولاّني ظهره، فلن أرهق عينيّ بالتجول في كل مكان لتجنبه، كما أفعل مع الجالسين الآخرين. وفي خضم الهمسات والنظرات قام هذا الإنسان من مكانه، فتكشّف الفراغ الذي تركه عن كوب ماء بارد، نعم بارد جدًا، يبدو هذا واضحًا من خلال قطرات المياه المكثفة على الجدار الزجاجي للكوب، كان النادل وضعه أمامه للتو، ولم يرتشف منه بعد. وكأن حلمك يتحقق أمامك، وما عليك إلا أن تأخذه بهدوء، كوب ماء نقي، مثلج في مثل هذه الأجواء، أي جنة هذه التي تجسدت على الأرض أمامك في لحظة! لكن انتظري هذا لا يخصك، إنه له.

ظلّت عيناي معلّقة على كوب الماء أراقبه وأغزل فيه أبياتاً من الشعر بيني وبينه لا يسمعها أحد، قضت فترة من الزمن وما زال كلانا وحيدًا، وانتبهت أنه وحيد... يعني صاحبه رحل وتركه، يا لقلبه القاسي، أو لعله ممن يحبون الصيف، ويرفضون مثل هذه النِعم اللطيفة، لا يبدو أنه سيعود. قمت بهدوء، غير مبالية بنظرات مَن حولي، تناولته ببطء يليق بجمال لحظات اللقاء، سالت المياه الباردة تروي وتُنبت زهراً عوضًا عن كل الصحراء التي خلّفتها حرارة اليوم بأكمله. كان طعمه منعشاً ولذيذاً، شعرت بكل قطرة تلامس روحي وتعيدها للحياة، حتى الزجاج البارد كانت له لمسة سحرية على شفتاي، فصار لونهما وردياً كزهر الخوخ. مرطّب الشفاه الذي كنت أضعه بطعم النعناع منح المياه مذاقًا مختلفًا، وكأن الجو صار ربيعيًا فجأة.

صوت صديقتي أعادني من جنتي السحرية، فها هي قد وصلت أخيرًا، سعادتنا باللقاء بعد فترة طويلة نشرت في المكان بهجة وسعادة غامرتين، وانطفأت كل العيون المتسائلة من حولي على خيبة أمل، لعلهم توقعوا مشاجرةً مع مَن كنت أنتظره وأخلف موعده. كم كان الأمر مسليًا عن حق.

عدنا إلى حيث كنت أجلس، ولدهشتي وجدت النادل وقد وضع أمامي كوب ماء بارد كالذي كان على منضدة الرجل الآخر، يعني لو صبرت ثانية لحظيت بتلك المتعة من مكاني، لكن هكذا الإنسان خُلق عجولًا. بينما كنت وصديقتي نتبادل الحديث، عاد صاحب كوب المياه، رفعه إلى فمه، مرة تلو الأخرى، بدا وكأنه يتذوق شيئاً لا يُشرب، تلفّت حوله، عاد ونظر إلى موضع فمه، وجد بقايا من أحمر شفاه بطعم النعناع، ظنّ أنه نداء خفي، ظلّ يبحث بعينيه، لا أحد يجلس بمفرده. نداء صوته عال بطعم النعناع أخرجه عن وقاره ولامبالاته، تحدث إلى النادل، وسأله بصوت مرتفع عمّا إذا كان يعرف من شرب من الكوب، أجابه النادل بالنفي، بدا وكأنه سيسأل الجميع.

مضى أكثر من ساعتين وأنا أستمتع برفقة صديقتي وذلك الرجل الذي يبحث عن صاحبة طعم النعناع...

\r\n

الكلمات الدالة