السبت - 27 شباط 2021
بيروت 19 °

إعلان

بعد عامٍ على كورونا: كيف يؤثر عدم العناق في صحتنا العقلية؟

المصدر: "النهار"
عناق في زمن كورونا (أ ف ب).
عناق في زمن كورونا (أ ف ب).
A+ A-

نحن اليوم في شهر كانون الثاني من عام 2021. نعم، لقد انتهى الإغلاق الأول، ومرّ الربيع والصيف حتى الخريف، ومن ثمّ عدنا إلى إغلاق تام. هذه الفصول عبرت دون أي مغزى، فلم أقبل والديّ، ولم ألعب مع أولاد أخوتي، حتى لم أزر الأماكن المحبّبة لي وأتمتع بالهواء والشمس والمطر. التزمت الحجر والوقاية بمفردي، وأمضيت وحدتي مع كلبي. قصتي هي قصة كل واحد قرر قراءة المقال، ينظر من شباكه بانتظار إعلان انتهاء الوباء.

فهل سأستمر بعزلتي وحدي؟ وإلى متى سأبقى بعيداً عن حضن أمي واحتساء القهوة مع أصدقائي؟ أما حان الوقت للعودة إلى نعيم اللقاءات مع الأحباء والقليل من عاداتنا السابقة؟

تساؤلاتٌ تساورنا باستمرار، إذ تحاول الكآبة التسلل إلينا من النوافذ والهواء، تتلبسنا وتسيطر على أحلامنا، فنكون علقنا في شبكة صيادٍ سرق واقعنا وحطم ما ينتظرنا.

برأي الأستاذة في علم الأعصاب الديناميكي النفسي في جامعة كوليدج في لندن، الدكتورة كاترينا فوتوبولو، في حديث مع صحيفة "ذا غارديان أنّ جسم الإنسان بنى جميع نماذجه بناءً على اللمس الذي تلقاه من مقدمي الرعاية، موضحةً "نحن نعتمد تمامًا على مقدم الرعاية لتلبية احتياجات الجسم الأساسية. لا يمكن فعل الكثير بدون لمس". وبمعنى آخر، قبل الولادة، عندما يدور السائل الأمنيوسي في الرحم حولنا ويمكن للجهاز العصبي للجنين أن يميز جسدنا عن جسد أمنا، فإن مفهومنا الكامل عن الذات متجذر في اللمس، أي نحتاج إلى لمس الأشياء من الغمرة والقبلة والسلام باليد.

قصصٌ من واقع كورونا 

في أول إغلاق شهدته البلاد العام الماضي، جهزتُ نفسي لاختبار الحياة من منظور جديد، أيّ بناء عادات جديدة كالمواظبة على المشي، وتعلم مهارات جديدة، وقضاء المزيد من الوقت مع أهلي، هكذا استعدت الصبية نريمان، التي تبلغ 30 من العمر. إلا أنّه مع الوقت، سارت الأمور عكسَ توقعاتها، فالابتعاد عن الآخرين، والعزلة مع عائلتها، جعلت الخوف يسيطر عليها شيئًا فشيئًا، بكيت كثيراً، العمل من مكان واحد رغم بناء جدول يومي، كان ينتهي بالوحدة دون التواصل الاجتماعي حتى عبر الشبكات الافتراضية.

تجربة نريمان قد يتوافق مع نماذج أخرى، إذ ينتظر وليد البالغ من العمر 28 عامًا، تلقي اللقاح، لعناق والدته، "هذه أول مرة في حياتي، لم أغمر فيها أمي لأكثر من 7 أشهر، أخاف من نفسي عليها". قرارُ الشاب في مقتبل العمر، يتواءم مع ساندرا البالغة 50 عامًا، التي تحاول حماية أطفالها الثلاثة، الذي يبلغ الكبير فيهم 15 سنة. في الدرجة نفسها، حماية أهلها من هذا الفيروس. "تغيّر نمطُ حياتي جداً، المطلوب متابعة عملي عن بعد، شراء الأغراض وتعقيمها، مراقبة دراسة الأولاد وتحفيزهم أنّ كل شيء سيكون على ما يرام، انهيار الوضع الاقتصادي أكثر"، تفاصيلٌ تعتقد الأمّ والعاملة أنّ كورونا فرضتها عليها، في وقت كان مشوارها إلى مكان عملها ولقاء زملائها، ومن ثمّ الاطمئان عن أهلها واحتساء القهوة معًا، ضرورةً تزودها بالقوة وتخفف عنها مسؤولياتها.

هل العناق هو الداء والدواء؟

يفسر عالم الأعصاب في جامعة ليفربول جون مورس والرائد في مجال اللمسة العاطفية، البروفسور فرانسيس ماكجلون، في حديث لـ"ذا غارديان"، أنّه كبالغين، قد لا نفم أهمية الأشياء حتى اختفائها، شارحًا أنّ اللمس يخفف الكثير من الآلام على الأخرين. كلام عالم الأعصاب يوضحه عالم النفس التطوري في جامعة أكسفورد، البروفسور روبن دنبار، أنّ اللمس له تأثير كبير على صحتنا النفسية والجسدية، مبينًا ذلك بالأمثلة التالية: "البكاء على كتف صديق، شدّ اليد على كتف زميل، تقبيل الأهل وغيرها الكثير". وكانت هذه الأمور البسيطة تخفف من وطأة شعور الفرد بالعزلة كأنّها "لمسة اجتماعية".

هذا الأمر غير المفاجئ، أثبته استطلاع رأي أجرته مؤسستا "BBC" و" Wellcome Collectio" عام 2020، شارك فيه نحو 40 ألف شخص من 112 دولة. جاءت الكلمات الثلاث الأكثر شيوعًا، التي استخدموها لوصف اللمس: "الراحة" والدفء والحب".

مع استمرار الوباء وخسارة الأفراد أحباءهم دون وداع، ستزداد ضغوطاتهم النفسية، خاصةً أنّ المواساة والدعم افتراضيان. من وجهة نظر العلماء، يخفف اللمس من معدل التوتر والألم الجسدي والعاطفي، على سبيل المثال: عند فقدان وظيفة أو شخص، يساعد التواصل مع الآخرين في خفض حدة المأساة، لا سيما أنّ هرمون التوتر أي الكورتيزول ينخفض بدوره في أجسامنا، حتى لو لم تكن معتاداً على التعبير باللمس للآخر.

كيف يخفف اللمس من مشاعرنا المتضاربة؟

 توافق العديد من الدراسات مع النظرية القائلة أن اللمس يعطي الدماغ إشارة بأنه يمكنه تفويض موارده للتكيف، لأن شخصًا آخر موجود هناك لتحمل العبء الأكبر. هذه الإشارة تريح الجسم، وتذهب بطريقة ما لاستعادة البعض من توازننا.

إلا أنّ اللمس لا يكون دائمًا في اتجاه واحد أو محدد، إذ تمتلئ مساحة الجلد التي تحتوينا على مترين مربعين بالألياف العصبية التي تتعرف على درجة الحرارة، والملمس، والحكة، وغيرها العديد. وتوجد مجموعة واحدة من الألياف فقط لتسجيل ما يصفه العلماء بـ"اللمسة اللطيفة"، وهي: الوصلات C اللمسية (CT). وذلك لأن هذه الخلايا العصبية الموجودة في الجلد، تنقل إشارات كهربائية بطيئة إلى أجزاء المعالجة العاطفية في الدماغ، ما يزيد من قدرتنا على تحمل الإجهاد. من هنا، تأتي الحاجة إلى اللمس عبر أشكال مختلفة بشكل متقطع.

كيف نعوض هذا النقص من اللمس في زمن الوباء؟

في دراسة أجريت أثناء انتشار الوباء، وتستند فيها إلى النظرية القائلة أنه "بالطريقة نفسها التي نعتقد أننا نشعر فيها بألم الآخرين، فقد نكون قادرين على تجربة اللمس بشكل غير مباشر أيضًا"، أكان عبر مشاهدة الأفلام أو التلفاز مثلاً. هذه الأمور تسمى بـ"اللمسة غير المباشرة"، من شأنها أنّ تكون بديلاً جزئياً عن اللمس الاجتماعي أو العاطفي في هذه الفترة.

"نتطور لنتكيف" هكذا يختصر العلماء الواقع الاجتماعي والوبائي الذي نعايشه. هذا التأقلم يختلف بين فردٍ وآخر، وفق المدة التي يقضيها الأشخاص بمفردهم. إلا أنّ المؤكد عند تلاشي الوباء والتقائنا مرةً أخرى مع أحبائنا، سنتكيف من جديد وبسرعة.  

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم