الأحد - 29 تشرين الثاني 2020
بيروت 17 °

إعلان

انفجار بيروت في عيون الأطفال... كيف نُعيد لهم الحلم؟

المصدر: النهار
نور مخدر
نور مخدر
الطفلة يارا التي تأذت من انفجار بيروت.
الطفلة يارا التي تأذت من انفجار بيروت.
A+ A-

"كل ما أريده العيش في أمان، لا أريد البقاء في منزلنا" بدموع روى محمد، الطفل البالغ من العمر عشر سنوات والمقيم في منطقة الباشورة، ما بقي بذاكرته من انفجار بيروت، "صرخت بأعلى صوتي، الخطر كان يداهمنا، أختي الصغيرة أصيبت بيدها من الزجاج، ودموع أمي لم تهدأ". تفاصيلٌ لم يستطع أهلنا، الذين عايشوا الحرب في لبنان، تجاوزها كأنها لم تكن. فما حال الصغار؟ أفكارهم المليئة في الحياة تحوّلت إلى كوابيس تطاردهم في ساعات النوم وتقلقهم خلال ساعات النهار. ليالي محمد بعد الانفجار أمضاها، هو وأخته سالي، في حضن والدته، "حاول أبي تفسير ما حدث، ووعدنا بعدم تكرار هذه المشاهد والأصوات، لكن من يضمن لنا ذلك؟"

من المؤكد أنّ ما عايشه أطفالنا في عام 2020، ترك لديه تساؤلات عدّة ومخاوف عجز عقله الصغير عن تفسيرها. هذا العام المليء بزخم أحداثه وتسارعها بدءاً من كورونا والحجر المنزلي ومن ثمّ انفجار بيروت والصدمة النفسية وصولاً إلى التعلم عن بعد. تفاصيل اختبروها للمرة الأولى، وهي غريبة عن الكبار أنفسهم، فكيف على صغارنا تقبلها والتأقلم معها؟ في يوم الطفل العالمي، تتكثّف الأسئلة.

 

 

لنبدأ من تجربة الطفل وكورونا، هذا الانحصار ضمن مساحة محددة ولّد سلوكيات جديدة لديه كالحركة الزائدة والعدوانية، نتيجة تغير نظامه الروتيني وشعوره بقلق والديه الزائد من التقاط عدوى كورونا، وبحسب المعالجة النفسية سحر صليبي، هذه التراكمات لم يستطع الطفل تفريغها بالطرق الآمنة والمعتاد عليها. وبالتالي، أدّت إلى تراجع مهارات التواصل الاجتماعي، لا سيما عند الصغار الذين يعانون من تأخر في التواصل مع المحيط، وهي مهارة يكتسبها الطفل نتيحة الاتصال مع أصدقائه ودائرته العائلية.

 

فجاء انفجار المرفأ، "ليحوّل الخوف هلعًا مضاعفاً، والمنزل مساحة مهددة بالانهيار"، صور من الدمار وجروح العائلة، وفقدان الأقارب، مشاهدٌ حفظها أطفالنا، إما من ملامستها على أرض الواقع مباشرةً، وإما من صور الشاشات الصغيرة ونظرات أهاليهم. وبات الغموض يحيط بهم أكثر ومسبحة من التساؤلات تدفق  على الأهل، دون وجود أجوبة واضحة، وفي بعض الأحيان، عدم قدرو ذويهم البوح بحقيقة ما جرى أو الإخبار بوفاة قريب لهم. فكيف حال أطفالٍ خسروا أهلهم امام أعينهم؟

 
 

 "هل سيكون  هناك Boom من جديد؟" تساؤلٌ طرحه أغلبية الأطفال الذين زاروا عيادة المعالجة النفسية دانيال بيشون، ورغم محاولاتها لترميم آثار الانفجار وإخفاء الدمار قدر الإمكان، إلا أنّهم نظروا  في كل الاتجاهات، ودققوا في أصغر التفاصيل في القاعة، وانتهى بهم السؤال: "هنا أيضاً حُطِّمت الأشياء؟"

سؤالٌ يؤكد أنّ أطفالنا لم يعودوا يشعرون بالأمان، هذا الخوف في داخلهم "يلتهمهم". كيف لا؟ والعديد منهم تلقّفتهم أذرعٌ ما، قد لا تكون أذرع والدَيهم. نعم، الوالدان هما في نظر الطفل "مرجعية تبعث على الأمان والطمأنينة"، إنهما "بطلان لا يُمسّان ومعصومان عن الخطأ"، ولا يمكن أن يحلّ بهما أي مكروه!.

هرعت بهم هذه الأذرع في الشوارع المدمّرة، حيث كان أشخاص مضرّجون بدمائهم يركضون أيضاً في مختلف الاتجاهات. هرعت بهم من أجل مساعدتهم وإسعافهم، ولكن بعضاً من هؤلاء الأطفال المفجوعين لم يرَ والدَيه من جديد لأنهما سقطا ضحية الإهمال القاتل.

 

الأطفال الصغار، أي في سن الثالثة أو الرابعة، يرفضون الكلام والتعبير، وحتى الرسم، هذا ما وثقته بيشون بعد رؤية حالات عدّة، حاولنا تشجيعهم على اللعب بواسطة تماثيل صغيرة، وعلى "بناء" منزل، ولكنهم قاوموا: "لا، انتهى كل شيء، المنزل تهدّم... كل شيء تحطّم...".

فماذا ينتظر أطفالنا في سنواتهم المقبلة؟ الخوف غير المبرر، والتعلق بالأهل، والخوف من الأصوات المرتفعة، هذه الأحداث لن تؤثر على سلوكيات الطفل في وقتنا الراهن، بل سترافقه كخياله في سنواته المستقبلية، خاصةً أنّه يعيش في بلدٍ، لا يخلو من تكرار هذه الأحداث، ما سيجعل ذاكرته تعيده إلى مرحلة من الذعر اللامبرر نتيجة المخاوف المكبوتة في داخله، التي ستأخذ سلوكيات أخرى تبرز في شخصيته.

هل من حلول لتخفيف آثارها؟ برأي صليبي أنّ دور الأهل، ورغم كل الضغوطات التي يمرون بها، يبقى  مراقبة تصرفات أطفالهم أولوية من أجل معالجتها باستشارة اختصاصي نفسي للتخفيف من حدتها عليه وعدم مرافقتها له لاحقًا.

"الهروب" أفضل وسيلة يحاول أطفالنا كتمان مشاعرهم اللامبالية والمتوترة من خلالها، كأنها علبة سرية تخفي ضجيجاً ما حصل، وتداوي ندوبهم لتحمي ما تبقى من طفولتهم.  

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم