الخميس - 22 تشرين الأول 2020
بيروت 29 °

إعلان

يحارب آلام الفيروس برئة واحدة... الإعلامي عمر حرقوص في "عنبر كورونا"

المصدر: النهار
الإعلامي عمر حرقوص.
الإعلامي عمر حرقوص.
A+ A-

كان يحمي نفسه جيداً لأنه يعرف ظروفه الصحية، لكن الفيروس تسلل ووجد سبيلاً إليه. كان يخاف الإصابة بكورونا واليوم يعيش أصعب اللحظات في "عنبر كورونا" الذي يختصر آلامه وهمومه وكوابيسه الليلية منذ 3 أيام من دخوله المستشفى. كثيرون كتبوا تجربتهم مع الفيروس وصعوبة ما مروا به، لكن ما كتبه الإعلامي عمر حرقوص في صفحته الخاصة بفايسبوك يجعلك تقف مطولاً عند كلماته، وتعيش معه كل ضيق نفس وكل هذيان وكل خوف... أراد حرقوص أن يُشاركنا يومياته في معركته مع كورونا، وهنا تبدأ المعارك الصغيرة داخل الغرفة الصغيرة. 

البداية كانت في كوابيس الموهوم بالحمى، يصف حرقوص في منشوره بفايسبوك قائلاً: "الليلة الثانية أسوأ كثيرا من الليلة الأولى، ساعتا نوم على الأكثر وبشكل متقطع، السعال يكاد يمزق الرئة، يدخل الهواء فيتحول إلى آلام جديدة.
 
أنام وأستيقظ على أصوات الكوابيس. احلم بأبي يطل على غرفتي ويسألني إن أكلت أو شربت، يلبس "دشداشة" بيضاء. أستيقظ وأخرج إلى غرفة أخرى فأجد أمي تخيط ثوباً لي من أكياس الطحين التي وزعتها الحركة الوطنية إعاشات خلال حرب 1976. 
 
أخرج من الغرفة وأستيقظ فعلا هذه المرة، أجلس في الشرفة وألبس ثياب الشتاء، كأني في جبل لبنان بعز شهر كانون، أقرأ الرسائل وأكاد أغفو حين يطل كابوس جديد.
الرئة تعاود الألم، كأنما "الفيروس" يتحرك داخلها، تمشي الفيروسات بانتظام فينقطع تنفسي، أشرب الدواء ولكن عظامي ومفاصلي تتيبس من شدة ألمها. ودارين تقف مع يسمى قبالتي تسألان لماذا أخذت الحبة
السوداء.
 
أركض هاربا من الحبة ولكن البرد يجلدني في أرضي، أبحث عن مدفأة، أنا الجالس على شرفة درجة
الحرارة فيها تخطت 35 درجة، أشرب شايا ساخنا كي أدفئ يدي، أو هكذا أظن.
تعود الحمى، ومعها كوابيس صغيرة، هنا مرفأ ينفجر، وهناك قنينة نبيذ تفرغ ما فيها على الأرض، أعود إلى البارومتر وأحدهم يلقي قصيدة عن سعاد حسني، ينظر محمد سويد من خلف سعاد ضاحكا، قبل أن يدير ظهره غير آبه لما يحصل، استيقظ، أجد تنفسي يكاد يتوقف.
أعود للجلوس في الشرفة حتى يستيقظ سكان الحي جميعا، إنه نهار أقسى وأصعب، ينصحني الجميع أن أكون قويا وآخذ الفيتامينات، وأن أقف بمواجهة المرض كأنه عابر سبيل.
الساعات تمر ولا شيء يوقف التعب إلا الدواء، السعال صار يخترق الجدار ويصل لبيت الجيران، الطبيب يقول تعال إلى المستشفى، قد نجد حلا هناك، الرئة الوحيدة تصفر، كأنها مارش عسكري ضيع نوتاته.
تزداد العوارض وأبحث عن حمام أبول فيه فلا أجده، فأعود إلى بيتنا في برج حمود أفتش بمتاهة الغرف
وأضيع، ولا أجد يدا تنتشلني من القاع".
 
 
 
 
يعرف حرقوص كيف يصف كل لحظة يمر بها بموهبة استثنائية، وفي عنبر كورونا يغوص في معركته ويأخذنا جميعاً معه في تلك المتاهات "لليوم الثالث، الآلام في العظام أحاول تدفئتها بثيابي الشتوية، أشرب المياه والسوائل بكثرة كما أوصاني الطبيب متحضرا لمعركة قادمة. كلما غفيت قليلا تأتي الكوابيس بأشكال وألوان. حاستا الشم والتذوق لم تتأثرا.
المسكنات وحدها تخفف آلام المفاصل، ولكن الجليد الذي ينخر عظامي سيستمر رغم كل شيء. وصل الإسهال، أوووف، كل ما يحدث قيل لي خلال الساعات الماضية.
السعال الأكثر حدة والأسرع توقفا، ليس سعالا ديكيا ولكنه ينتزع من الرئة شيئا أو يحرك جروحا سببها الفيروس، الوهم يفتح في الكابوس أشكالا أخرى، الفيروسات تتحرك داخل الرئة وتتكاثر، تمشي باحثة عن مكان تجلس فيه بالرئة اليسرى التي تقاتل وحيدة، كأنما كتب عليها أن تكون كل مرة خط دفاع عن التنفس، أما الرئة اليمنى فهي كما منذ عشرين عاما، نامت ولم تجد من يوقظها حتى ولو فيروس كورونا.
أدخل طوارئ المستشفى، أجلس في غرفة مغلقة، التعب يعيدني إلى النوم، الحبة السوداء تكرر الوصول إلى يدي، ولا شيء يمنعني من أخذها. أحاول أن أبعد يدي، تغلبني، تتحول الحبة إلى عشرات ومئات الفيروسات التي تتراكض. كأنه فيلم رعب آخر أهرب من الغرفة لكي لا أشاهده، ينقطع تنفسي، أصرخ بلا صوت.
توقظني الممرضة، تزرع إبرة في يدي اليسرى وتبدأ بسحب الدماء، أتخيل الفيروس وجد مخرجاً له من يدي أو العكس. أرى كيس مصل وقنينة كبيرة من "الباراسيتامول"، ما أجمله في هذه اللحظة، نقطة خلفها نقاط كثيرة لكل الحبوب السوداء. يتبدل مزاجي فعلياً، أبدأ بالضحك، فالمسكن تقدم ونجح.
 
باب ضخم تطل منه ممرضة إنه عنبر المصابين بكورونا، أتخيل نفسي داخل إلى أحد عنابر سجن رومية، لكن هنا لا صوت يعلو على الهدوء، كل شيء لونه أصفر، ثياب الممرضات والأكياس التي تنقل فيها النفايات، لا يوجد حتى أكياس سوداء في هذا الطابق.
أدخل الغرفة، أقل ما يحتاجه المريض من أشياء ترمى لاحقاً، ممنوع الخروج منها لأي سبب، ونافذتها مقفلة. الباراسيتامول العجيب كأنه مشوار في جرود الهرمل أو عرسال، ولكن البرد يعود فأطلب أغطية إضافية، أسهر وأضحك كثيرا.
 
أنام، كابوس جديد، أستيقظ، نفسي يتقطع كما ليلة أمس، والرئة اليسرى تعاود الألم، سعال يحفر. يأتي طبيب عنبر كورونا، يفحصني ويخبرني أن وضعي سيتحسن كثيراً، لا تخف إنها لحظات صعبة، ولكن ستفاجأ من سرعة التحسن، يقول.
باراسيتامول وأوكسيجين، خليط جميل لنوم هانئ في عنبر كورونا... وصباح الخير".

 
ومن العنبر إلى بقعة الضوء، ينقلنا حرقوص باعثاً فينا أمل الانتصار على الفيروس، يعترف أن اليوم الرابع مختلف كلياً عن الأيام السابقة "نهار جديد، قال الطبيب في بدايته إنه سيكون مختلفا كليا عن أيام السبت والأحد والاثنين، وسيكون مفاجئا.
بداية اختفت آلام المفاصل وخصوصاً أصابع يدي، حرارتي أيضا ثبتت ولم تعد تتحرك، تتوقف "البرديات" والتعرق والكوابيس كأنها آلام غير موجودة ولم أحس بها سابقا. الجليد الذي أشعر به داخل عظامي توقف، فقط آلام محتملة في قدمي اليمنى، لا شيء من هذا الألم يشبه ما كان يحصل قبل ساعات.
توقف الألم والحرارة يعني توقف "ألباراسيتامول" وراحة ساعات "السرغسة" على الدواء. أما فحص الأوكسيجين فأعطى لأول مرة رقماً تخطى التسعين. 
أقف في الغرفة 129 بعنبر كورونا، الصورة تختلف عن السابق، رغم أني مرهق كعائد من حرب لم تنجل غبارها، لست متأكدا حتى الآن من انتصاري وما هي الخسائر المكلفة التي تركها كورونا على خط الدفاع الأول عني أي رئتي اليسرى.
 
لاحقا، طبيبة عنبر كورونا تقول لي إن وضع رئتي جيد، وظروفها تشبه أي واحدة تعرضت لالتهاب رئوي، قليل من الوقت وتعود إلى سابق عهدها.
قوة السعال خفت كثيرا رغم انه لم يتوقف، بعض الألم يعود من وقت لآخر إلى الرئة، أفكر بفيروسات كورونا التي يبدو أنها تركت الرئة اليمنى لأنها خاملة واتجهت لتسرح في اليسرى وتفتح فيها محاور للقتال والحروب، هل هو ذكي لهذه الدرجة أم أنا أتخيل أشياء غير حقيقية.
اتعب خلال النهار فأنام من دون أي انقطاع للتنفس وهو دليل إضافي على تحسني، أعاود تنفسي من أنفي وهو دليل آخر على التقدم السريع.
 
أتوتر أكثر، لا أعرف إن كان سببه من تأثيرات المرض أو سببه العزل، أفتح باب غرفتي لأنادي الممرضة، صوت يصرخ بي عد للداخل، ممنوع الخروج من الغرفة.
أنظر من نافذة الغرفة إلى بهو المستشفى أعد العابرين، الشباك مغلق ولا يمكن فتحه، في بهو المستشفى يقف لاحقا شقيقي صفوان ملوحا لي بيديه رغم أنه لا يراني، فقط الهاتف بيننا أسمع صوته، يعود في الليل يلتقط صورتي من خلف الزجاج فأظهر كشبح هارب من فيلم أميركي من زمن السبعينات.
يبقى الإسهال، والإرهاق ووعود العزل المستمرة حتى اليوم الرابع عشر في غرفتي، خفت من كورونا لأني أعرف ظروفي الصحية، توقعت أن لا ألتقطه، توقّيته، وحميت نفسي جيدا، لكنه وجد سبيلا إلي، هنا الآن أعبر في جهنمه وأخرج بهدوء من سواده".








الكلمات الدالة