الخميس - 29 تشرين الأول 2020
بيروت 28 °

إعلان

هل تدمر عاصفة "سيتوكين" الرئة عند مرضى كورونا وتؤدي إلى الوفاة؟

المصدر: النهار
ليلي جرجس
ليلي جرجس
العلاقة الغامضة بين الفيروس وتضرر الرئة... هل نعرف كل شيء؟
العلاقة الغامضة بين الفيروس وتضرر الرئة... هل نعرف كل شيء؟
A+ A-

 

برغم من ان عاصفة #كورونا تعصف بالبشرية، يبدو أن هناك عواصف داخلية تُهاجم الجسم نتيجة الإصابة بالفيروس. تردد في الآونة الأخيرة مصطلح عاصفة "سيتوكين" أو ما يُعرّف بالـ Cytokine Storm والتي تُشكّل خطراً داخلياً ما زال العلماء والأطباء يبحثون في حقيقته. هذه العاصفة التي يُحدثها جهاز المناعة تُفسّر الكثير عن التخبط والمقاومة التي يقوم بها الجسم نتيجة الإصابة، ولكن هل تدمر عاصفة "سيتوكين" الرئة عند مرضى الكوفيد_19؟ وإلى ماذا توصل العلم والأبحاث حول هذه الظاهرة المسؤولة عن 90% من حالات الوفاة بالمرض؟

يشرح مدير وحدة العناية بالتنفس في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت والاختصاصي في الأمراض الرئوية الدكتور حسن شامي لـ"النهار" أن "كل جسم يتفاعل بطريقة معينة مع الالتهاب الناتج عن الإصابة بفيروس كورونا، ويصعب معرفة أو تقدير ردّة فعل الجهاز المناعي للجسم مع الفيروس. وما نعرفه اليوم أنه كلما كان المريض صغيراً بالعمر (على سبيل  المثال الأطفال) كلما تفاعل الجسم مع التهاب الكورونا بطريقة أخف وأقل وطأة والنتيجة تكون أفضل. صحيح أن ليس هناك أي نظرية مثبتة حول هذا الموضوع، ولكن الدراسات والأبحاث التي تصدر حول الكوفيد_19 تساعدنا على فهم هذا الفيروس أكثر فأكثر.

يصف شامي الكورونا "كالروليت الروسية التي نجهل من سيُصاب برصاصتها، يصعب التنبؤ بها إلا أن الثابتة العلمية التي نعرفها أن الشخص الذي أصيب بالفيروس والذي لا يعاني من مشاكل صحية أخرى يكون أقل عرضة لمضاعفات الكورونا، برغم من تسجيل بعض الحالات الإستثنائية التي توفيت برغم من صغر سنهم وعدم وجود مشاكل صحية في حياتهم. وبالاستناد إلى التجارب والحالات، نجح بعض كبار السن والذين يعانون من أمراض مزمنة من النجاة من الفيروس والشفاء منه، في حين شهدنا على وفاة بعض الشباب والذين لا يعانون من أي مشاكل صحية نتيجة الفيروس.

إذاً كيفية تجاوب الجسم مع الفيروس يعتبر من أهم ما يمكن البحث عنه لمعرفة سبب تفاوت حدّية الفيروس بين جسم وآخر.

ما الذي يؤدي إلى تفاعل الجسم بطريقة مبالغة أو متدنية تجاه الفيروس؟

برأي شامي أن "الجهاز المناعي يعمل بطريقة معقدة وهو أشبه بفرقة أوركسترا، ولكل جزء منها عمله الخاص ووظيفته التي لا تتحقق إلا بوظيفة الجزء الآخر. يتضمن جهاز المناعة الكريات البيضاء (تحتوي على أنواع كثيرة مثل B cells و T cells...) وأي خلل في إحدى هذه الأنوع يؤدي إلى عدم توازن في الجهاز المناعي. لكل نوع وظيفته (الكشف على الفيروس- تقطيع الفيروس والحصول على شيفرة البروتيين للفيروس- كشف الفيروس في الدم والقضاء عليه). وبالتالي غياب دور أي من هذه الخلايا في الجهاز المناعي قد يؤدي إلى ردة فعل معاكسة حيث يعمل جزء من الجهاز المناعي بطريقة مفرطة وتأتي بنتيجة سلبية وغير جيدة. لذلك لمعرفة ما يجري داخل الجسم، علينا إجراء فحص متكامل للخلايا البيضاء.

ونتيجة هذا الاكتشاف، ظهرت فرضية عاصفة "سيتوكين" حيث وجد بعض العلماء والباحثين أن وفاة المرضى يعود إلى الجهاز المناعي الذي يعمل يطريقة غير اعتيادية وخارج عن السيطرة، في حين يرى البعض الآخر أنه بالعكس تماماً المرضى يموتون نتيجة فشل في الجهاز المناعي. وبالتالي لا شيء مثبت علمياً حتى الساعة ويمكن أن تكون الفرضيتان صحيحتين والمسؤولتين عن سبب وفاة المرضى.

لذلك يصف البعض عاصفة سيتوكين بالنار التي أشعلت كل شيء، ويكون الفيروس بمثابة الشرارة التي أيقظت خلايا جهاز المناعة بشكل مفرط. وقد توصل إليها الأطباء من خلال إجراء فحوص دم للمرضى حيث وجدوا نوعاً من البروتينات Interleukin 6 و Interleukin 1 وtnf بمستويات عالية جداً في أجسادهم. وبناءً عليه، انتشر مصطلح عاصفة "سيتوكين".

 

ونتيجة ارتفاع مستويات هذه البروتينات بشكل كبير، اقترح بعض الأطباء أن يكون العلاج مضاداً لها    tocilizumab والكورتيزون  الذي يُعطى عادة لمرضى الروماتيزم. وقد وجدت دراسة على المرضى أن الذين تناولوا هذا الدواء كانوا أقل عرضة للوفاة وغرف الإنعاش، إلا أن هذه الدراسة ليست أفضل الدراسات لأنها لا تشمل فئة محددة من المرضى وفق معايير معينة، وكانت نتائجها الأولية غير مشجعة.

في المقابل، كشفت دراسة أخرى تناولت الكريات البيضاء أن عددها قليل جداً، ونحن نعلم أن مرضى الكوفيد_19 يكون عدد الكريات البيضاء من نوع Lymphocytes متدنياً جداً. وهذا مؤشر إضافي يشير إلى فشل الجهاز المناعي واحداث عدم توازن في عمل الخلايا المناعية.

جلطات رئوية وعوامل أخرى

وفق شامي "لا نعرف حقيقة ما الذي يجري، هل الفيروس يُشعل جهاز المناعة ويُسبب عاصفة "السيتوكين" التي تؤذي الجسم  أم أن الفيروس يؤذي خلايا المناعة التي بدورها تسبب أضراراً في الأعضاء؟ ما زالت الاحتمالات غير مؤكدة حتى الساعة ونحتاج إلى مزيد من الوقت للتوصل شيئاً فشيئاً إلى أجوبة مثبتة وأكيدة.

عاصفة "سيتوكين" ليست النظرية الوحيدة التي انتشرت مؤخراً، فقد كثر في الآونة الأخيرة الحديث عن بروتينات يفرزها الجسم والتي تؤدي إلى هبوط الضغط. وتعلمنا مع الفيروس أن الجلطات قد تحدث خصوصاً بعد إجراء تشريح للمرضى حيث اكتشفوا حدوث جلطات رئوية. وهذه الحقيقة تشير إلى أن ليس هناك سبب واحد مسؤول عن تدهور حالة المريض بل عوامل كثيرة قد تلعب دورها في حدوث مضاعفات صحية نتيجة الإصابة بالفيروس.

 

كشف لنا هذا الفيروس أن كل جسم يتفاعل معه بطريقة معينة، ولكن الثابت أن لجهاز المناعة دوراً في تفاعل الفيروس سواء اذا كان يعمل بطريقة مفرطة أو يعمل بمستوى متدنٍّ جداً. وأظهرت دراسة أجريت على الأطفال أن جهاز المناعة لديه يفرز Interferon gamma  خلال الأيام الأولى من إصابتهم، وقد تكون من العوامل التي تلعب دوراً في ردود الفعل، وبالتالي التي تفسر سبب عدم إصابة الأطفال بمضاعفات الفيروس.

ويشدد شامي على أن "الإلتهاب الناتج عن الفيروس سيؤدي إلى ضرر في الجسم، ولقد علمنا ذلك بسبب الكورتيزون، وكشفت الدراسة التي أجريت في بريطانيا والتي غيّرت طريقة علاجنا للفيروس أن "نسبة الوفيات تنخفض عند الأشخاص الذين يعانون من حالات شديدة نتيجة الفيروس بحدود 30% بعد إعطائهم جرعات من الكورتيزون، أما الأشخاص الذين يحتاجون إلى الأوكسجين انخفضت نسبة الوفيات 20% نتيجة العلاج بالكورتيزون، في حين أن الأشخاص الذين  لا يعانون من أعراض صحية قد يتسبب بأضرار نتيجة حصولهم على هذا العلاج. وبالتالي هذا يظهر أن كل مريض يتفاعل بطريقة معينة، ولا قاعدة رئيسية تنطبق على كل المرضى.

لذلك يبقى علينا أن نعرف هل جهاز المناعة يعمل بشكل مفرط أو يعمل بمستوى قليل حتى نستطيع معالجة المريض سواء بتحفيز الجهاز المناعي أو بتخفيف عمله المفرط. كما تبين أن بعض المرضى الذين أصيبوا بالفيروس يعانون من إلتهابات في عضلة القلب لفترة طويلة. وبالتالي تبقى آثار الفيروس في الجسم قبل أن تزول نهائياً، وستكشف لنا الدراسات المزيد عن الكورونا.

الكلمات الدالة